news-details
مقالات

أبعاد العنف والجريمة

كتب: د.فؤاد خطيب

العنف والقتل  ليست لازمة نزلت على مجتمعنا من السماء، بل هي  لعنة العصور  التي عَصفت  بنا  ومنعت  مُجتمعنا  من  التطور الطبيعي.

عَبرتنا كل الثورات، الصناعية والبرجوازية  والاشتراكية وتركتنا  في المحطة   الأخيرة  نَنتظر القطار الأخير الذي لم يأت  بعد.

الجريمة   حسب  الأسطورة  انتقلت من السماء الى الأرض وكان القتل أحد الطرق والطقوس للوصول  الى الغايات ورحمة  وعفو الآلهة.  قابيل  قَتل أخاه  هابيل  ولم يكن عربيا  ولا فلسطينيا  بل كان انسانًا  وَرث  بذور  الجريمة مع  الجينات الوراثية. الجريمة انوجدت  وما زالت  في كل  المُجتمعات  البشرية منذ  آلاف السنين  وذاك بعد أن نزلنا  عن الشجرة وكوّنا المجتمعات الأولية وكما في  الحياة  البرية كل  مُجتمع  حيواني  أو قطيع حافظ  غَريزيًا عن تخوم  المَعيشة  من الغرباء  المنافسين  له، وكانت الجرية أو  تصفية  الآخر  هي احدى الطرق  لصد الاعداء.

تَطورت المُجتمعات  البشرية  الاف السنين  وها هي  الرأسمالية  المُتطورة المتوحشة ما زالت وكر   الجريمة  بكل  صورها، وها هي الولايات  المتحدة الامريكية   تَقتلُ  الشعوب من  أجل  السيطرة  وتوسيع  النفوذ ولو على حساب حيوات  الآخرين، أي أن ما تمارسه أمريكا  اليوم  والغرب الامبريالي عمليًا  وفكريًا  لم يتعد فكر المُجتمعات  الأولية  التي تقاتلت  وقتلت  وخَربت لنفس  الغاية  مع  الأخذ بعين الاعتبار، ان المجتمعات  البدائية  قاتلت من أجل البقاء المجرد  والرأسمالية المتطورة  المعاصرة  تَقتلُ  من أجل  حب السيطرة  وتكديس رؤوس  الأموال  بصور شرسة وأكثر همجية عن المُجتمعات  البدائية، مع التأكيد الف مرة  أن  أسلحة القتل  تطورت  وأصبحت  أكثر همجية ودموية.  كَتبنا  هذا  لنقول ان الجريمة باقية  ما دام العدل  الاجتماعي غائبا ومَعدوما.  

من حق  كل انسان خُلق  أن يعيش  وأن تعطى له  حقوق وشروط  هذا  الوجود بدون عنصرية  عرقية أو شوفينية  او نازية  أوجدها كلها  الفكر الرأسمالي  الذي ينافس البشر على حقهم الأساسي  بالوجود، بل  يُبيدهم  في حالات  كثيرة وبطرق  جهنمية لم تصله ولن تصله  الحيوانات البرية  التي  تقتل لتأكل وتبقى والرأسمالية تقتل لحب السيطرة  على حقوق  الآخرين لتزداد ثروات  الافراد المسيطرين. نحن هنا  نعاني  الأمرّين  من  أسباب  وضعية وموضوعية وجيهة وأساسية  لارتفاع  مستوى العنف والجريمة.

الأول -  نحن أمة  مسلوبة الارادة  منذ  بداية تبلورنا، كُنا دومًا  فريسة لأحكام   ديكتاتورية  رافقتنا  منذ بداية  الدولة الاموية   والى اليوم. هذه  الديكتاتورية تعني فعلا سلب  الانسان  الفرد  كل أسباب وغايات  وجوده. سلب  حقوق  الانسان هو دافع   نفسي  ووجودي له  كفرد لنيل  حقوقه  عن طريق  الجريمة  سواء  كانت منظمة أو فردية.

الثاني-    الديكتاتورية  الأرضية رافقتها  ديكتاتورية  لاهوتية   سماوية  غيبية  سَلبت  حقوق وأسباب وجود  الفرد ووعدته  بصلافة  على تَحمل  ألام  الأرض وخاطبته  في  غرائزه  وهي أنهار   الحليب والعسل  والعرس الجنسي الغريزي  الذي لا  ينتهي.  هذ  الفكر أوجد الطبقات  وتناغمه   وتحالفه مع الفكر السائد  والمُسيطر  على  الأرض  من الاقطاعي  الى الرأسمالي الذي أتانا  على حين غرة، اذ ذكرنا في بداية حديثنا أن  شعوبنا  العربية مَرت من  الاقطاعية  المُتخلفة  الى الرأسمالية المُتطورة  بدون أن تَتنَور لتخلق  ثورة   في  المفاهيم  المُكتسبة كلها من الغرب  الذي استعمر  بلادنا  وفرض  فكره علينا بالقوة،  واحيانا  بانسجام عقائدي متخلف مع    الرجعية  العربية الدينية  .

على سبيل  المثال  لا الحصر تناغم أمريكا   قمة  الرأسمالية المُتطورة مع     السعودية  المُتخلفة جدا والتي تسيطر  بالقوة  على جزيرة العرب وتصادر كل حقوق وثروات  العرب  هناك.

الثالث  -  العنف  كما كَتبنا  لأسباب كثيرة  زاد من وتيرته  وتطوره  والجريمة   استفحلت وتأسست في  مجتمعنا  لوجودنا  السياسي  الاجتماعي  الاقتصادي  القومي الفريد من نوعه ربما في  العالم، نحن بعد سن  قانون  الدولة اليهودية أصبحنا  بسحر ساحر عنصري  غرباء  في وطننا ،هذا القمع المؤسس الرهيب  يخلق ردا عنيفًا أحيانا في  الفكر والمُمارسة ويؤثر على  بناء شخصية  الفرد  التي تزداد  عنفًا  ضد  الآخر وضد  المُجتمعات  وهو بغريزته  يحافظ  على تخومه  وأسباب  بقائه ويبحث كما كل البشر عن  العدل الاجتماعي  القانون   الاجتماعي الاساسي لسلام البشرية وتطورها  الطبيعي  بدون   حروب ونزاعات. كل هذا  الهم والارث  الكبير وكل أسباب  العنف والجريمة  تدفع  أثمانها  المرأة  العربية  الضلع  القاصر  فعلا وعملا لأنها مُحاصرة من فكر ذكوري    عنيف ومُتخلف  يَحرمها من حقها الأول والأساسي  وهو حقها  المُطلق على روحها وجسدها.

المرأة العربية  لا تملك حقها هذا  بل  المالك المطلق  له بدون مُنازع هو الذكر والمجتمع الذكوري  الذي يُراقبها ويُحاسبها  وان لم تخضع  لشروطه  يغتصبها أو يقتلها.

الدين  حقيقة  لم ينصف  المرأة  بل  حرمها  من الورثة المتكافئة وحَطم شخصيتها  وكيانها  الوجودي  كفرد  له  كل الحقوق  وعليه كل الواجبات، بعد ان سمح للرجل أن يتزوج  اربع  نساء - جوار  وأن يعدل؟؟؟ وماذا  عن  الحب  والكبرياء  واحترام  الذات ؟؟؟. كل  الحركات  النسوية العربية  منذ  المفكر أحمد أمين  في مصر والكاتب الكبير جبران خليل جبران  في لبنان  لم تحصل  المرأة العربية   على حق وجودها الأول، وهو حقها المقدس  على روحها وجسدها  وحقها  كما الرجل بالعمل والاستقلال  الاقتصادي والعمل الاجتماعي والريادة المجتمعية  في كل المجالات.  نوصي  في هذا  المقال  قراءة  رواية " الاجنحة المتكسرة " لجبران ورواية عميد الادب  العربي طه حسين  " دعاء  الكروان ".  بقي علينا ان نقول  أن أحدا كان من يكون لن يحرر المرأة في مجتمعاتنا ما لم تَرفع هي  لواء تحررها  من القيود  التي تُحاصرها من كل  حدب وصوب. اذا سألتم  عن الحل  فهو قابل  للوجود وهو  فصل  الدين عن الدولة  وعن الحقوق  المدنية  العصرية بصورة كاملة  لا لبس فيها.  الطريق  الوحيدة للوصول الى مجتمع  العدل  الاجتماعي هي الثورة  الاشتراكية  الديمقراطية الشاملة  المفاهيم  التي تُعطي الفرد كل حقوقه  وواجباته  وتعطي  المرأة  حصانتها  الاجتماعية لتمارس عيشها وظروفه  بندية  كاملة مُساوية، للرجل في كل شيء والأهم  حقها الاول كما كتبنا  وكررنا  حقها  الوجودي وحريتها المطلقة على روحها وجسدها.

مع كل ما كتبناه  نذكر أن أعلى نسب للجريمة  بكل صورها  هي  في بلاد الرأسمالية   المُتطورة وعلى رأسها  الولايات  المتحدة الامريكية المارقة الكبرى على كل حقوق البشر والمجتمعات البشرية في كل مكان على الكرة  الأرضية، وهي   المسؤولة  عن  كل الحروب والعنف في  العالم  منذ  الحرب الكونية الثانية وحتى يومنا هذا.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب