منذ أن كنت صغيرا، كنت أتمنى أن أكون رياضيا، أحافظ على رشاقتي باستمرار. كنت أفكر بذلك باستمرار وأنا اتناول الطعام بكثرة، والوجبات السريعة بوتيرة عالية، ولاحقا واصلتُ حلمي هذا بعدما بدأت "أشرق" السجائر.. لكنّي لم أحلم يوما ما بأن أصل للمنتخب الإسرائيلي، أو أن أحمل العلم الإسرائيلي، أو أنشد نشيد "هتكفا" القومي.
لكن هناك من يختلف عن هذه النظريّة، يريد أن يتقنص فرصة ثمينة تكريما لكدّه المتواصل في رعاية موهبته، وعندما يتم اختياره للانضمام للمنتخب الإسرائيلي، قد يقرّر مثلا الانضمام لصفوف المنتخب شرط ألا يرفع العلم الاسرائيلي، أو أن يقف صامتا أثناء إنشاد النشيد الوطني الاسرائيلي. لكن كلّ هذا لا يبرّر الحملة السوقية التحريضية السافرة التي شنّها بعض نشطاء مقاطعة اسرائيل في الخارج على ابنة عرابة حنين نصّار، عندما قررت المشاركة في المنتخب الإسرائيلي لألعاب القوى سعيا لتحقيق حلمها الذي طال أمده سنوات.
**
منذ أن حسم نضال "الهويات الحمراء" المؤقتة، وأصبحنا نحن الفلسطينيون الذين بقوا في إسرائيل مواطنين فيها، لا زلنا نصطدم بشتّى أشكال التمييز العنصري والإقصاء الممنهج من قبل المؤسسة الحاكمة في اسرائيل. وفي الحقيقة، فإن حياة الأقلية العربية مركّبة جدا، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا وغيرها من المجالات الحياتية، بحيث أن تعاملنا اليومي يصطدم بنوع من أنواع الصراع بين الهوية المدنية الاسرائيلية التي نحملها وبين هويتنا الوطنية الفلسطينية.
وعلى هذا الأساس، فإن الأيديولوجيات التي يؤمن بها غالبية العرب في هذه البلاد تتنوع ما بين الرفض (المعنوي) للهوية الإسرائيلية، وبين التمسك بالهوية السياسية والفكرية والوطنية الفلسطينية مع الاعتراف بالهوية المدنية الإسرائيلية وما لها من تبعات، كالخدمات المقدمة والقوانين وغيرها. و"المعنوي" يقصد به أن حتى أشد الأحزاب الأيديولوجية التي تدّعي رفض الاعتراف بإسرائيل، بدأت مؤخرا تخوض الانتخابات البلدية، وينتخب ممثلوها للبلدية من أجل أن يمثلوا مصالح منتخبيهم لدى السلطة المركزية وهي الحكومة والبرلمان الإسرائيليين.
من الصراعات اليومية التي نخوضها، النضال اليومي من أجل لقمة العيش. فالشاب الذي ينهي تعليمه الثانوي، يتغلّب على تعقيدات البسيخومتري من خلال تعلّمه خارج البلاد، فيعود بعد استكمال تعليمه الأكاديمي لنضاله المستمر نحو الارتقاء في العمل والتقدّم به أكثر – إن وجد.
ويحاول الشاب العربي الفلسطيني الذي يحمل الهوية الاسرائيلية، أن يبحث عن مجال تعليمي يضمن له إيجاد عمل يوما ما. فجرّاء سياسات الإقصاء، هناك أبواب كثيرة في سوق العمل مغلقة في وجه الأقلية العربية. مثلا من يحلم وتحلم من شبابنا دراسة علم الذرّة، أو أن يصبح طيّارا مدنيّا، بإمكانه أن يستيقظ من حلمه هذا محبطا أو حزينا..
كذلك، يخوض الرئيس العربي المنتخب في سلطة محلّية ما، معارك من أجل تحصيل الميزانيات الشحيحة أساسا، فيضطر باستمرار للحجيج للمؤسسات والوزارات والمكاتب الحكومية المختلفة. غالبية رؤساء السلطات المحلية يعتزون بانتمائهم الفلسطيني، وهم يعملون على انتزاع ميزانيات خلا لقاءاتهم مع وزراء في مكاتبهم المزيّنة بالأعلام الاسرائيلية وصور رؤساء حكومات سابقين - الذين ارتكبوا المجازر ضد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، والعرب في لبنان وسوريا ومصر والعراق واليمن وغيرها.
وعند الحديث عن الميزانيات، فمن يعيش في هذه البلاد يعلم أيضا أن ممارسة الرياضة غالبا ما تبقى موهبة، لا يمكن أن يعتاش من ورائها أي كان، وغالبية هذه المواهب الرياضية لا تجد الإطار المناسب كي يرعاها، ينميها، ويطوّرها، رغم أن فرصا ضئيلة حدثت هنا وهناك، من لاعبي كرة قدم استطاعوا التألق في نوادٍ رياضية في إسرائيل أو خارج البلاد.
**
بعض الفرص النادرة حصل عليها أبناء شعبنا، لدى رياضيين غالبيتهم من خيرة أبناء شعبنا، مؤمنون بالسلام العادل بكرامة، بالعدل الاجتماعي، بحقّ شعبنا الفلسطيني في نيل استقلاله وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ومنهم من دعي للمشاركة في المنتخب الاسرائيلي، إن كان على صعيد كرة القدم أو ألعاب القوى وغيرها، وهذا هو الحدث..
إن قضية الانضمام لصفوف المنتخبات الاسرائيلية في أنواع الرياضة المختلفة هي من أشدّ القضايا المثيرة للجدل بيننا كأقلية عربية، أو حول العالم بسبب الاحتمالات الواردة من قبل اسرائيل لتسويق البروباغاندا الخاصة بها حول العالم. هذا موضع جدل حقيقي. لكنّ ذلك لا يعطي أية شرعية لأيّ كان أن يخوّن أو يحرّض على أي عربي مشارك في هذه البطولات.
رغم اختلاف وجهات النظر بيني وبين قرار حنين نصار المشاركة في بطولة عالمية لألعاب القوى ضمن منتخب اسرائيلي، فإنني أتمنى التقدير والنجاح والإبداع لحنين، وأن تعود لأهلها سالمة حاملة معها إنجازا يضاف إلى إنجازات عرابة البطوف، عرابة يوم الأرض وما قبلها، وما بعدها من النضال العنيد الذي خاضته دفاعا عن الأقلية العربية في هذه البلاد.




.png)




.jpeg)


