إيران مثال يحتذى في الدفاع عن سيادتها

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

 

صلاح دباجة

 

انهت مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع (المعروفة باسم G7) قمتها الـ 45 في مدينة بياريتس الفرنسية، الاثنين الماضي، بعد مداولات استمرت ثلاثة أيام، دون إصدار بيان ختامي على عكس القمة التي عقدتها العام الماضي في كندا، وذلك تجنبًا للانقسامات. وتضم مجموعة الدول السبع كلٍ من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وكندا وبريطانيا واليابان وألمانيا ويمثل الناتج المحلي لهذه الدول نحو 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي فيما تبلغ نسبة شعوب الدول السبع 10 بالمئة فقط من عدد سكان العالم.

انعقدت القمة في ظل إجراءات أمنية مشددة، إذ أغلقت قوات الأمن الشوارع المحيطة بمكان انعقاد القمة للحيلولة دون اقتراب الاحتجاجات المناهضة للعولمة من المكان. وعلى الرغم من ذلك شهدت مدينة بايون، القريبة من مدينة بياريتس مظاهرات حاشدة وهتف المتظاهرون بشعارات تندد بالعولمة والرأسمالية والسياسات المتسببة بالتغير المناخي، وتدخلت الشرطة لتفريق المتظاهرين مستخدمة خراطيم المياه والغاز المدمع واعتقلت عشرات المتظاهرين. كما انطلقت مسيرة لمعارضي العولمة في بلدة أنداي بالقرب من الحدود مع إسبانيا.

وناقش قادة دول المجموعة جملة من القضايا، في مقدمتها الملف النووي الإيراني، والحرب التجارية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، فضلا عن الأزمة الأوكرانية. كما ناقشوا الأوضاع في سوريا، والحرائق في غابات الأمازون وكيفية مكافحتها. وحول هذه الملفات وخاصة ملف الحرب التجارية، برزت خلفات بين قادة دول المجموعة الامر الذي توقعه رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك اذ قال للصحفيين قبل بدء القمة: "قمة السبع ستكون اختبارا صعبا للوحدة والتضامن بين دول العالم الحر وزعمائه.. قد تكون تلك اللحظة الأخيرة لترميم مجتمعنا السياسي". وأضاف أن التوصل إلى أرضية مشتركة بشأن القضايا المطروحة على القمة أصبح هدفا يزداد صعوبة. لكن ترامب حاول إضفاء طابعًا إيجابيًا على أبحاث القمة اذ أشاد بـ"يومين ونصف يوم من وحدة الصف العظيمة" بين قادة الدول الصناعية السبع الكبرى. وكذلك من خلال اظهاره نزعة نحو الاتفاق حول عدد من نقاط الخلاف مثل الملف التجاري وإيران. وكل ذلك على عكس ما حدث في ختام قمة كندا عام 2018 حين تعامل بفظاظة سافرة وانسحب من القمة قبل انتهائها ورفض توقيع البيان الختامي كونه يؤكد على ضرورة التمسك باتفاقية باريس للمناخ الموقعة من جانب 196 دولة في العام 2015 والتي أعلن إنسحابه منها في حزيران 2017.

يبدو ان التطورات التي شهدها العالم خلال العام الماضي وخاصة الازمة مع إيران بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في أيار 2018 وزيادة حدة التوتر بشكل غير مسبوق والى حد الانفجار في الخليج وتهديد سلامة الملاحة هناك والتي كانت نتائجها في غير صالح الولايات المتحدة زادت من العزلة التي منيت بها إدارة ترامب حول العالم وخاصة مع حلفائه في أوروبا وعلى النطاق الداخلي بسبب سياستها المتهورة تحت الشعار العنصري "أمريكا اولًا"، وهذه السياسة المتغطرسة أسهمت في حصول مثل هذا التغير. فالإدارة الامريكية لم تكف لحظةً عن ممارسة شتى صنوف الضغوط على حلفائها الاوروبيين وكذلك على مختلف دول العالم لإطباق العزلة على إيران وإرغامها على الرضوخ لإملاءات "السيد الأمريكي" لكنها فشلت في تحقيق ذلك حتى مع أقرب حلفائها كما لحقت بها خسائر مادية. وان يعلن الرئيس الأميركي في قمة السبع إنه لا يريد حربًا مع إيران بل يريد اتفاقا، وانه مستعد للقاء الرئيس الإيراني وان يجلس في هذه القمة وضيف الشرف فيها وزير الخارجية الإيراني هو تطور جديد وغير مسبوق. اما الرئيس الإيران، حسن روحاني، فرد على الفور بالقول انه لن يمتنع عن عقد لقاء مع أي شخصية في حال كان ذلك لصالح البلاد واشترط ان يسبق لقاءه الرئيس الأمريكي رفع العقوبات الجائرة على إيران. وهذا يظهر مدى إصرار إيران على موقفه الحازم تجاه أمريكا.

الجديد في الامر ان دولة مثل إيران تجرؤ على رفض الاملاءات الامريكية وترغم أمريكا، بكل جبروتها، على مثل هذا التراجع، حتى مهما كان بسيطًا، هو انتصار كبير ويبشر بما هو أكبر. وتبدو قمة السبع ذات أهمية، قد تكون تاريخية، بانها وضعت السلم على الشجرة لتمكن ترامب من النزول عنها بأمان.

ويصح هنا ما قاله الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الثلاثاء الماضي، "نحن لا شك نعيش حاليا نهاية الهيمنة الغربية على العالم، فكنا معتادين على نظام عالمي منذ القرن الثامن عشر يستند إلى هذه الهيمنة، لكن الأمور أخذت في التغير والتقلب بسبب أخطاء الغربيين في بعض الأزمات".

ومن الطبيعي ان مثل هذا التطور الذي قد يقود الى إنفراج في العلاقات مع إيران قد يخيب آمال من بنوا الأوهام على سياسة الإدارة الامريكية في مواجهة إيران أمثال أنظمة الارتهان والعمالة في العالم العربي، الذين تعودوا على الإهانة والاذلال من جانب ترامب دون أدنى شفقة ودون ان ينبسوا بشفة. وكما قال أبو الطيب المتنبي من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام.

 وهذا التطور محبط جدًا لإسرائيل التي يعمل رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، جاهدًا اليوم على إشعال الحرائق على كل الجبهات وفتح جبهات جديدة في محاولة بائسة وميئوس منها لإجهاض مثل هذا المسار مهما كلف الثمن!! وهناك من توقع من مسؤولين وإعلاميين ان "يغدر" ترامب بإسرائيل ويتواصل الى اتفاق مع إيران. نتنياهو الذي حافظ على بقائه في الحكم طيلة هذه السنوات من خلال التلويح المتواصل بالخطر الإيراني وكرس سياسته الخارجية لمعاداة إيران معتبرًا إياها السبب في عدم الاستقرار في المنطقة بدافع توسيع عملية التطبيع مع أنظمة الذل في العالم العربي وفي محاولة لطمس القضة الفلسطينية وطمس حقيقة ان عدم الاستقرار في المنطقة ومصدر كل الحروب التي شهدتها هذه المنطقة هي إسرائيل.

 

 

وزير الخارجية الايراني ورئيس الحكومة الياباني (رويترز)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية