بدو أن دولة إسرائيل لم تنظر مؤخرا إلى نفسها في المرآة. ولو أنها نظرت فهي كانت ستصاب بالدهشة من رؤية البيضة الفاسدة التي تم دهن رأسها بها. لا توجد أي حالة مشابهة في التاريخ فيها دولة كاملة وليس عدد من مخالفي القانون، تم دهن رأسها بالزفتة والريش، في حين أن مواطنيها على يقين بأن هذا هو الموضة الجديدة.

يجلس رئيس الحكومة الذي انتخب فقط من قبل ثلث اصحاب حق الاقتراع ويسن لنفسه قانون شخصي. ويطوي جهاز القضاء ويبصق على اسس الاخلاق وهو متأكد أنه ضحية الطريقة التي أوجدها هو نفسه. والجمهور يعتقد بأن هذا فقط مجرد عرض للسيرك. هذه هي الطريقة التي سمحت لرئيس حكومة بأن يخترع لنفسه انتخابات، والآن ايضا أن ينشئ حوله سورا دفاعيا، يتشكل من وزراء مصابين بثمل السلطة، ويطلبون سلال مليئة بالرشوة لأنفسهم، التي سيحصلون عليها اذا وقعوا على كتاب استسلام للزعيم الاعلى. لأنه في كل ما يتعلق بنتنياهو، ليس المحكمة هي التي ستقرر براءته، بل اصدقاءه في العصابة الذين يعدون الآن قيمة بدل الرعاية.

المفارقة هي أن تمويل المدافعين عن اسواره لن يأتي من جيب رئيس الحكومة، لأنه فقير وغير قادر على تمويل الدفاع القانوني عن نفسه، بل من جيب دافعي الضرائب، المتدينون والقوميون المتطرفون والعنصريون، لا يعملون بدون مقابل. هم لن يكونوا مثل محامي نتنياهو الذين يقفون مثل من يعلنون الافلاس ويهددون بالاستقالة. هم وعدوا بأن يضاعفوا الجهود من اجل تعزيز حصانة المتهم. كل واحد منهم توجد أفواه يجب عليه اطعامها. اذا كان نتنياهو يريد أن يوفر اتعاب المحامين فسيحصل على خدمات بديلة أكثر ناجعة، لكنها اغلى بعدة اضعاف، وهي على حسابنا. لأنه في المافيا لا يتنازلون عن الديون.

شركة "متفلكس" كان يمكنها فعل بعض الامور الجيدة، من البرنامج الواقعي الذي أدخل نتنياهو الدولة إلى داخله. صحيح أن مسلسل الاثارة السياسي الذي فيه رئيس حكومة فاسد متهم بمخالفات جنائية ويدير اموره بمساعدة المافيا، ليس أمر جديد. من يحبون هذا النوع الجنوب أميركي من سلالة ماركوس والجهاز يعرفون السيناريو جيدا. في هذه المسلسلات من المعتاد الحذر لأن "المسلسل قائم على احداث حقيقية، لكن جزء منها تم تغييره لاسباب درامية". في إسرائيل لا حاجة إلى تغيير أي شيء، الاحداث كلها حقيقية والدراما ليست بحاجة إلى اضافات.

ولكن أميركا الجنوبية تعلمنا درس هام في سلوك الجمهور الذي سئم من زعيمه الفاسد. في إسرائيل التي فيها تسرق الحكومة الجهاز القضائي من ايدي المواطنين امام ناظري المستشار القانوني، والمحكمة العليا فيها ستدفن تحت كفة جرافة "دي 9" المليئة بالقمامة، الجمهور موجود في سبات عميق يمكن من الرشوة وسرقة الخزينة العامة المتهم بها رئيس الحكومة (الخاضع للاستماع) والتمتع بافتراض البراءة. افتراض البراءة هو قيمة هامة في الديمقراطية لكنها ليست أدبية. هذه مكانة مؤقتة تلزم المتهم بأن يجتاز اروقة المحكمة التي ستقرر اذا كان مذنب أم بريء.

نتنياهو كان يمكنه الامساك بقرون هذا المذبح لو أنه احترم الاجراءات القانونية والقانون ومواطني دولة إسرائيل. ولكن في اندفاعه من اجل تقويض التهديد الذي يحيط به، ليس فقط يريد سن قانون جديد مصنوع من قطع غيار مضروبة وجهاز قضائي من الكرتون، هو يخلق ثقافة إسرائيلية فيها القانون على هيئة تغير الاشكال والالوان، دائما لصالح الحاكم وأبناء عائلته والمقربين منه. هذا قانون أبدي، لا يريد أي زعيم سيأتي بعده تغييره، نتنياهو يجسد بذلك الحلم الإسرائيلي القديم "بدون محكمة عليا وبدون مركز بيتسيلم"، الذي في الاصل استهدف تعزيز سلطة القمع في المناطق، لكن الآن هو موجه ضد مواطني الدولة.

في هذا الشأن لا يوجد افتراض براءة. الجريمة ارتكبت في وضح النهار، والمجرم اعترف بفم واسع أنه ارتكبها، ووعد بأنه لن يهدأ حتى استكمال مهمته. وماذا بشأن المواطنين؟ هم فقط يشاهدون ذلك بملل.

 

إعلانات

;