كتب: الياس ابو عقصة
في 6/1/2009 فارقنا الرفيق رئيف أبو عقصة عن عمر ناهز الـ74 عاما .في هذه المناسبة الحزينة، رأيت من الضروري اعادة نشر كلمة التأبين في حينه تقديرًا لدور هذا الرفيق ونشاطه لبناء فرع الحزب الشيوعي في معليا:
نحن أترابك ورفاق دربك، فقدناك الى الأبد، لكنك يا أبا ناصر موجود فينا، في فكرنا وقلبنا كبوصلة ومرشد، كمعلم وحامل شعلة اوقدتها ولا زالت مشتعلة. فأنت المؤسس وانت الصخرة وعليك بنينا فرعنا ،فرع الحزب الشيوعي في معليا.
انها شعلة الكفاح الشيوعي المنظم،شعلة الفكر الثاقب ،شعلة الطبقة العاملة....
عشت الظلم والفقر وعرفت اسبابه،كرهت الاستغلال الطبقي وعانيت منه. كفلاح ناصرت الفلاحين ومزارعي الدخان ووقفت في الصفوف الاولى لكفاح عمال السوليل بونيه والعمال العرب في الكيبوتسات.
تعرضت للانتقام والضغوط، تعرضت للعزل والحصار العائلي، تعرضت للاغراء والرشوة من المخابرات، تعرضت للاعتقال والاقامة الجبرية من الشرطة، لكنك لم تنكسر ولم ترضخ، لانك عرفت ماذا تريد. بقيت على عهدك وكما عرفناك حتى اقعدك الشلل كليًّا ومنعك ومنعنا من التحدث لبعضنا....لكن لن أنسى وصيتك الاخيرة في المستشفى ان "دير بالك على الحزب"، وقبلها عندما طلبت منك التوقيع على استمارة الاحصاء الحزبي قلت لي : "خلقت للحزب وسأموت في الحزب" هكذا عرفناك، وهكذا بقيت.....لذلك نم قرير العين يا ابا ناصر، فرغم غيابك عنا أنت باق فينا....
ولد الرفيق رئيف دحبور ابو عقصة سنة 1935 (لا نعرف التاريخ الدقيق) ترعرع مثل اترابه في عائلة فقيرة،عاش حياته كراع ثم فلاح ثم عامل بناء...بالكاد انهى الابتدائية...لم يدخل الثانوية ولا اية دورات مدرسية اخرى الا مدرسة الحياة، التي تخرج منها رافعا الرأس منتصب القامة.
تزوج وانجب اطفالا....الا ان القدر شاء ليزيد عليه الضغط والالم،ففقد ابنه ناصر الاول في سنة 1965 وهو في سن السادسة، ثم فقد ابنته جورجينا الأولى وهي في جيل الرابعة عشرة اثناء حفلة زفاف أخيها ناصر الثاني.
في عز شبابه هزه العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 فانجذب الى الاتحاد السوفييتي الذي دعم في حينه جمال عبد الناصر...وبدأ ابو ناصر بالبحث والتفتيش حتى وصل الى المرحوم زكي الهندي’،الذي كان يعمل اسكافيا في دكان المرحوم نجيب ابو مخول - نجيب الزحلاوي، وهذا بدوره اضاء له الطريق الى الشيوعية.
في احدى زياراته الى عكا،وبالصدفة التقى ابو ناصر بمجموعة رفاق متظاهرين في السوق، الأمر الذي لفت انتباهه جدًا، فتعرف على الرفيق المرحوم رمزي خوري ثم جمال موسى، وهكذا أسس ابو ناصر أوّل خلية شيوعية في معليا سنة 1963، ليبدأ بها طريقه الحزبي المنظم في القرية.
بعد حرب حزيران سنة 1967 وفي شهر تموز جمع ابو ناصر عددا من الشبان لسماع " محاضرة عن الحرب " في بيته وكان المحاضر الرفيق كمال غطاس ( له الرحمة) وعدد الحضور لا يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة، وكنت انا بينهم ابن الصف العاشر،وحالا بعد المحاضرة بدأنا بتأسيس فرع للشبيبة الشيوعية في بيت ابو ناصر وبقيادة وتوجيه الرفيق نمر مرقس (له الرحمة).
لم تكن حياة ابو ناصر الحزبية سهلة،فقد عانى الامرين من المشاكل والصعاب، لم يكن الامر سهلا بتوزيع جريدة الاتحاد ،بل حتى ايجاد قراء لها.في انتخابات الكنيست 1963 حصل الحزب على11 صوتا ليرتفع الى 48 سنة 1965، اما انتخابات السلطة المحلية سنة 1969 فبصعوبة وجدنا 3 اسماء للترشح في قائمة الحزب.
لوحق ابو ناصر واعتقل عدة مرات،في 1970 ارسل في مهمة حزبية الى غزة وبقي هناك 15 يوما، بعد عودته استدعي الى مركز الشرطة ليتسلم امرا بالاقامة الجبرية والحضور يوميًا الى مركز الشرطة لاثبات الوجود .
لقد حاولت معه كتابة جزء من حياته وتاريخ القرية، وسجلت بصوته عدة مقابلات في عدة مراحل، وهنا بعض المقتطفات : "لاحقوني كثير...انحبست قبل ان اصبح شيوعيا ، اثناء العدوان الثلاثي على مصر، وقفت لوحدي في الشارع وصرخت: ليسقط العدوان على مصر،وبعدها انضم بعض الشبان الى مظاهرتي..."
"عوملت بشكل عاطل جدا من قبل العملاء..وكانوا يتحدوني دائما،في سنة 1965 حصل الحزب على 48 صوتا ، الامر الذي أغاض أحد العملاء فقال "لنرحل من البلد".
"بعد ان انتهى احد الاجتماعات ، بحضور الرفيق المرحوم فؤاد خوري،جاء احد العملاء (الاسم محفوظ في الملف التسجيل) الى بيتي قائلا :تعال لعنا في واحد بدو اياك..."فقلت له : مين هذا الواحد، شين بيت ؟؟؟ضحك العميل وقال : نعم انه الشين بيت " فقلت له : انت بطولك وبعرضك بعثك لعندي..الا تخجل ؟؟قل له بدوش ييجي وانت كمان تحكيش معي بعد في الشارع....يللا مع السلامة".
بعد ان مرض ابو ناصر وخف نشاطه الحزبي، سألته: كيف يقيّم نفسه اليوم كشيوعي؟؟ ضحك وقالت زوجته "للابد....للموت...مبارح كنت احكي لميخايل ....ان ساكون آخر من يصوت واو في معليا....اذا راحو الشباب ..ديرو بالكو ....صوتو بس للحزب الشيوعي "
تزوج ابو ناصر سنة 1957،وبعد سنة رزق بطفل سماه ناصر...تحديا وتيمنا بجمال عبد الناصر....فقالت زوجته..: كان اول اسم ناصر في معليا، وحتى اليوم فش غيرو بمعليا".
يقول ابو ناصر "ذهبت يوما الى مركز الشرطة لاحضر تصريحا لاجتماع شعبي في البلد،فقال الشرطي :عليك الانتظار حتى يعود الضابط....طال الانتظار....ورأيت الضابط يدخل ويخرج عدة مرات، وبعد السؤال قال الشرطي :عليك الانتظار أكثر....أخذت كتابًا كان بجيبي وبدأت اقرأ....رآني الشرطي وقال شو هذا؟؟ قلت هذا كتاب لينين وهاي صورته كمان..."غضب الشرطي ودخل الى غرافة مجاورة ثم عاد قائلا :خذ التصريح وانقلع من هون".
نعم يا رفيقنا ،لقد ذهبت وغبت عنا، لكنك باق فينا،فنم قرير العين ونحن نكمل مشوارك رغم الشوائب التي أصابتنا....







.png)


.jpeg)


.png)

