مع دخول الاحتجاجات الشعبية ضد نظام البشير شهرها الرابع يبدو اننا أمام تحول ثوري كبير في السودان، قد لا ينحصر أثره على شعب هذا البلد وانما سيكون له أصداء إيجابية على التطورات في كامل المنطقة العربية.
عظمة المشهد لا تقتصر على خروج الحشود الشعبية في مختلف محافظات السودان بشكل متواصل وشبه يومي الى الشوارع منذ كانون الأول 2018 مطالبة بتنحي البشير وانما بقوة تنظيمها وانضباطها والتزامها بالمسؤولية وبالشعارات الواقعية وذات المصداقة المجندة للجماهير الشعبية مثل "يسقط بس" و"سلمية سلمية ضد الحرامية".
الأمر الذي حد من إمكانيات أجهزة النظام في استخدام القوة القمعية المفرطة ضد المتظاهرين واضطراره للتراجع المتواصل في الموقف من هذه الاحتجاجات وتوصيفها. هذا إضافة الى قيام قادة الاحتجاجات وبشكل مثابر على توسيع مدى الاحتجاجات ودمج المزيد من القوى والفئات الشعبية والنقابات والنساء والشباب فيها. وهذا ما أوصل الى اعتصام الألوف من المحتجين أمام مجمع القيادة العامة للجيش وسط العاصمة الخرطوم والذي يضم مبنى وزارة الدفاع ومقر إقامة الرئيس عمر البشير ومقر جهاز المخابرات. وفشلت قوات الأمن رغم استخدامها الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع من فض هذا الاعتصام اذ تدخل الجيش، للمرة الأولى، لحماية المعتصمين، بعد ان قتلت قوات الأمن 6 أشخاص وإصابة 15 شخصًا وإلقاء القبض على 2496 محتجا.
كما أعلنت مصادر طبية سودانية مقتل طبيب و3 ضباط، أمس الثلاثاء، خلال محاولة ثالثة لقوات الأمن السودانية فض الاعتصام.
وكانت وكالة "رويترز" نقلت عن شهود عيان أن جنودا سودانيين منعوا قوات الأمن السودانية من محاولة فض اعتصام المحتجين أمس الأول الاثنين. وذكرت قنال "روسيا اليوم" أن "قوات الجيش سمحت بدخول المعتصمين إلى مباني القوات البرية لحمايتهم من قوات جهاز الأمن والمخابرات بعد أن حاولت الأخيرة تفريق المعتصمين لمرتين متتاليتين الأولى الساعة 2:30 صباحا، والثانية الساعة الخامسة صباحا.
وقال وزير الدفاع السوداني الجيش صمام أمان البلاد ولن يفرط في أمنه واستقراره وسلامة مواطنيه.
يبدو ان هذا التطور هو بداية إنهيار نظام الطاغية البشير.
تجربة الشعب السوداني غنية بالتضحيات الجسام في نضاله من أجل تحقيق الاستقلال بعد استعمار دام 58 عامًا. ومواصلة الكفاح السياسي منذ عام 1955 وحتى اليوم حول مهام ما بعد الاستقلال التي أرادت له الدكتاتوريات العسكرية، التي حكمت البلاد، أن يختزل في مجرد رفع العلم والنشيد الوطني والاكتفاء بخروج المستعمر. واتَّسمت هذه السياسة بالتفريط بالسيادة الوطنية، فبيعت الأراضي الخصبة وذات الموارد الغنية فيما سمى بالاستثمار لفئات الرأسمالية المحلية والعربية والعالمية وفق اتفاقيات سرية لم تعلن لشعب السودان ولم تتضمن حتى توظيف العمالة المحلية في وقت تزداد فيه البطالة وسط الخريجين وفي المناطق الزراعية والمدن. والزج بالسودان في حروب لا مصلحة له. فدخل السودان في حرب اليمن الى جانب تحالف العدوان بقيادة السعودية بوهم الدعم الاقتصادي ورفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عنه. إلا أن رفع العقوبات لم ولن يحل أزمة السودان وانما أدى الى الارتماء في احضان الولايات المتحدة الأمريكية وقبضة جهازها الاستخباري (السي أي ايه).
ويقول الاقتصادي السوداني محمد محمود الطيب: السودان لا يعاني مشكلة اقتصادية بمفهوم ندرة الموارد وعدم امكانيتها في تلبية الحاجات اذا كانت هذه الحاجات مرشدة حسب الاولويات ولكن يمكن ان نلخص الازمة الاقتصادية في السودان بالمشكلة السياسية وتتلخص وباختصار شديد في وجود هذا النظام الطفيلي الفاسد والذي ظل محتكرا الحكم لمدة تقارب الثلاث عقود ذاق خلالها شعب السودان ويلات الحروب والقتل والتشريد والتجويع والافقار والتهميش واصبح غالبية الشعب السوداني تحت خط الفقر او علي حافة القبر ونفد بجلده من هرب واغترب ونهب. فالنظام متمثلا في البشير وزمرته وأسرته مارس نهبًا مسلحا لم يشهد في تاريخ السودان القديم والحديث وبكل اختصار أصبح السودان وبكل قوة عين ملكا حرا لهؤلاء القتلة. ولتمكين أنفسهم تمت أكبر عملية فساد وافساد باسم تمكين دولة الشريعة.
والآن يتأكد لشعب السودان عبر أكثر من ثمانية وعشرين عامًا في السلطة حقيقة أهداف الإسلام السياسي واستيلائه القسري على السلطة، وحجم الفشل الذي واجهه برنامجه المخادع. لقد انسد أمام سياساته أي أفق للنفاق والخداع وآن له أن يذهب غير مأسوف على نظام دمر الاقتصاد وأفقر الشعب وعرض استقلال البلاد وكرامتها إلى الاذلال والمهانة بجعلها قاعدة استخباراتية وعسكرية ينطلق منها الغدر والخيانة للشعوب الأخرى.
اما الخبير الاقتصادي السوداني، خالد التيجاني النور، فأكد أن إصلاح الوضع في السودان اقتصاديا يتطلب الإصلاح السياسي أولا من أجل القضاء على منظومة الفساد التي لا تصلح معها أية معالجات، لأنها وصلت إلى مرحلة متأخرة لا يصلح معها الترقيع.
وأوضح انه بدأ يتكشف للجميع في الآونة الأخيرة أن الأزمة الاقتصادية أساسها الأزمة السياسية في السودان، نظرا لوجود نظام حكم يجلس في السلطة على مدى الثلاثين عاما السابقة وكل الموارد كانت موجهة لعناصر دعم النظام للاستمرار في السلطة، هذا أدى إلى خلل كبير في تخصيص الموارد فبدلا من وصولها لقطاعات الإنتاج تتحول إلى دعم القوات النظامية المختلفة، وبالتالي فإن قطاع الانتاج لا يأخذ حظه من التمويل، ولذلك فإن أي محاولة اليوم لإصلاح الاقتصاد لا يمكن أن تحدث إلا بعد إعادة ترتيب الأوضاع على المستوى السياسي، والقضاء على إمبراطوريات النهب والفساد المنظمة والرئيس يعلم هذا وتم وعد الشعب بمحاكمتهم ولكن كانت هناك تسويات خفية بين الفاسدين والحكومة.
وأهم ما يميز الازمة الاقتصادية: عجز مزمن في الميزانية لان السودان يستهلك أكثر مما ينتج وعجز في الميزان التجاري يستورد أكثر مما يصدر وافراط في السيولة النقدية عن طريق طباعة النقود بطالة بنسب عالية جدا خاصة وسط الشباب والخريجين وهناك مشاكل هيكلية اخري في مجالات التعليم والصحة والبنى الاساسية والطاقة.
ويقدر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن البطالة ارتفعت من 12 في المئة في 2011 إلى حوالي 20 في المئة في السنوات الأخيرة وتجاوزت نسبة البطالة في صفوف الشباب 27 في المئة. ويعد أكثر من نصف سكان السودان البالغ عددهم 42 مليون نسمة دون سن التاسعة عشرة.
ويتجاوز الدين الخارجي على السودان بالفعل 50 مليار دولار وتواجه البلاد صعوبة في جذب تمويل خارجي جديد. وبنهاية العام 2018 تجاوز معدل التضخم 70 في المئة. ثم انخفض إلى 43 في المئة وفقا للأرقام الرسمية والواقع الحقيقي قد يكون ضعفي هذا الرقم.







.png)


.jpeg)


.png)

