أن تطلب من الرفاق الشيوعيين أن يتخلوا عن نظرتهم للتاريخ البشرّي انه هو تاريخ صراع طبقات.... أن لا يكونوا أُمميون...! يعني ان تطلب منهم ان لا يكونوا شيوعيون...! والأمر الذي في غالب الأحيان ومعظمها يكون مستحيلًا او يكاد يميل الى المستحيل.
هذه أفكارٌ لم ولا ولن تحدث... فيكون موت الشيوعي وغيابه جسدًا موت آخر.... ليس موتًا اعتياديًا....
إنه موت الموت وبعث الفكرة من جديد من خلال الموت... وعليه يكون الشيوعي عصيٌ على الموت!
فقدنا في الأسبوع الفائتِ وعلى حين غرّة رفيقًا عزيزًا غاليًا شابًا قريب من قلوب كل الكفارسة والمنطقة، الرفيق علاء سليمان مرقس -أبو سليمان- فجثم على صدورنا ثقيلًا نعيه واستيعاب الم فراقه شديدًا لظلمه وقسوته.
فاتشحت كفرياسيف والمنطقة بالسواد برحيل فارس الكلمة الحرة وصاحب المواقف الجريئة عضو قيادة فرع الحزب الشيوعي في كفرياسيف وعضو سكرتارية الجبهة المحلية الرفيق المأسوف على شبابه علاء سليمان مرقس (53 عامًا) بعد صراع مع مرض عضال لم يمهلهُ طويلًا.
كان وقع رحيل الرفيق علاء المفاجئ مؤلمًا ليس لعائلته فحسب، بل على رفاقه وأهل بلده، فبكاهُ ورثاهُ كل من عرفه من قريب وبعيد لشخصيته الفريدة المتعددة الصفات والميزات، فقد عُرف بشخصيته المعطاءة المُحبة، بطيبة قلبه وسعة صدره، باستقامته وعلاقاته الاجتماعية الواسعة، فأحب الناس وأحبتهُ الناس، وكان خير جليس يحلو النقاش معه لإلمامه وثقافته الواسعة بشتى المواضيع بحركاته المميزة، ومن جهة أخرى كان علاء الانسان المثابر صاحب الشخصية الصلبة المتمسّك بمبادئه التي ترعرع عليها في صفوف الحزب الشيوعي والجبهة، وجمع في شخصيته بين حبه لبيته وعائلته الصغيرة وبين بيته الأكبر المرتبط حتى النخاع بقضايا بلده وشعبه من خلال حزبه، فتحوّل مطعم غرَنادا الراقي خاصته إلى منتدى ثقافيا وطنيا يتلقى رواده فيه ليس الطعام الشهي فحسب، بل الغذاء الروحي أيضا، الموسيقى الراقية والفن الملتزم، وسط الحوارات الخلاقّة بين زبائن المطعم، بشفافية وأخلاق عالية، دون أن تُسجَّل أية احتكاكات فيما بينهم، لأن علاء كان فيها المَركِز دائما ومنه تتفرّع النقاشات ثم تعود اليه تلقائيا.
كان المشهد مؤثرا جدا، عندما وصل وفد الحزب الشيوعي والجبهة لتقديم التعازي في بيت العزاء واستقبلت عائلة الفقيد الوفد بالدموع باحثين عن علاء في ظلال الرفاق المُعزّين، فأكد سكرتير الجبهة منصور دهامشة أن رحيل الرفيق علاء مرقس هو خسارة للعائلة والحزب والمجتمع، أما رئيس لجنة المتابعة الرفيق محمد بركة فألقى كلمة أمام زوجة المرحوم وأقاربه أثارت مشاعر الحضور، مؤكدا أن رحيل علاء كان خسارة لبلده وشعبه وحزبه وقال: "من لا يعرف علاء بتلك القامة الشامخة وشخصيته متعدِّدة الجوانب المضيئة والمشعّة بإخلاصه وعصاميته، مُتسربِلا جلابيب الوفاء والاستقامة ومحبة الناس، كل الناس".
أما قدس الأب عطا الله مخولي فردّ بكلمة أمام الوفد قائلا: "إن فراق علاء قد سبّب جُرحا مؤلما لنا، لكن هذا الجرح يلتئم عندما نرى هذه الوجوه والقامات الشامخة للفكر النيِّر، فالراحل علاء كان الترجمة المبدئية الفلسطينية الحرّة لهذا النهج الآبي".
هناك ميزة في شخصية فقيدنا الراحل قلَّ ما نجدها عند الناس، فهو صاحب الابتسامة السحرية الجميلة التي لم تكن تفارق وجهه حتى عند الغضب، فتراه يُناقش أعقد القضايا بهدوء وبنبرات صوتية سلِسة تسبقها تنهيدة لتفريغ الطاقة الكامنة، ثم يتبعها ضحكة عالية صادرة من القلب وفي عينيه بريق ودموع مخفية، هكذا إنسان كان يفرض على الجميع احترامه.
كتبت الفنانة أمل مرقس في رثائها له: "رَحَلتَ يا صاحب الضحكة الحلوة والعيون الواسعة المتكسِّرة بين البسمة والدمعة". وعن انتمائه قالت أمل: "علاء أندلس الحب، الصدق، الاستقامة والحديث الصريح المباشر، إنسان شعبي، وطني وشيوعي أممي، طلائعي في تفكيره، مُجدِّد، مُتحرِّر ومتنوِّر".... في منشوراته على الفيسبوك لم يغب فكره الأممي ومناصرته للمرأة عن باله أبدا، وفي إحدى منشوراته كتب في ذكرى النصر على النازية: "يوم عظيم سيبقى في ذاكرة كل أحرار العالم وفي ذاكرة الشعوب المناهضة للفاشية والظلم والاستكبار، الرحمة لكل شهداء الحروب الوطنية العظمى في يوم النصر على النازية.. وكل عام وأنتم بخير.
وفي الثامن من آذار يوم المرأة العالمي، كتب علاء: "لكل نساء العالم الصامدات على الخطوط الأمامية في وجه الظلم والقهر من القدس إلى عفرين، ومن عفرين إلى صنعاء، إلى فنزويلا وكوبا... كل عام وأنتن بخير".
ونشر رفيق دربه رفيق بكري في رثاء علاء قائلا: "اسبوع الألم والفراق لم ينته، وآهات اللوعة والألم أعيت قلوبنا بفقدان أعز الناس، حبيب القلب والروح الرفيق الغالي علاء مرقس الذي أشعل في قلوب كل من حوله جمرة لا تنطفئ، لِمَ تركتنا يا علاء ونحن بأمَسّْ الحاجة لجلساتك الدافئة مع سيجارة وكأس في غرنادا، مطعمك، لِمَ تركتنا، لِمَ!!، كيف لنا أن نحتمل الجلوس على نفس الطاولة لنتبادل أطراف الكلام حول قضايانا الحارقة وهي كثيرة؟ من سيحدثنا عن حبه لبلاد الشام وعادات أهلها وتاريخها العربي وصمودها في وجه الاستعمار الغربي الغاشم؟ من سيحدثنا عن اللعنة الطائفية وحبك للإنسانية وغزارة تحديك للتعصب بكل أشكاله؟ من سيحدِّثنا عن ضرورة التئام الجرح الكفرساوي واشتياقك للم شمل الرفاق والأحباء؟ من سيحدِّثنا عن حلم تحطيم الحدود وشوقك لنفطر في القدس ونتغذى في دمشق العروبة ونتعشى في بيروت؟".
نعم كان موقف الراحل علاء مرقس واضحا فيما يجري في عالمنا العربي من خريف عربي وخاصة في سوريا، واليوم في اليمن، وقد نشر تغريدة على صفحته يقول فيها: "يُسمّي السعوديون حرب الإبادة في اليمن بـ(عاصفة الحزم)، الرأي العام الدولي والعربي مبيوع بريالاتهم من بلد (الكاوبوي) إلى بريطانيا، مرورا بفرنسا، ولكن كل هذا لن يجدي نفعا لأن عاصفة بلاد الشام وحلفاء الوطن السوري ستطيح بعروشهم النتنة وكل من معهم.. عاشت سوريا وعاشت كل بلاد الشام".
في عيد ميلاد علاء مرقس قبل سنتين كتب المحامي شادي شويري تهنئة له لبلوغه الـ51 عاما جاء فيها: "في العيد الـ46 كانت المعركة على أشدّها وكنا مؤمنين بالنصر المؤزّر لقوى الخير على قوى الشرّ، وفي العيد الـ51 بدأت بشائر النصر المبين في سماء الشام وأرضها... وفي العيد الـ55 سيكون محور سوريا وحلفائها أصحاب الكلمة في منطقتنا، وإن غدًا لناظره قريب". كانت هذه تهنئة شادي شويري لعلاء مرقس، لكن علاء وللأسف لن يحتفل بميلاده الـ55 ولن يفرح فرحتنا الكبرى بانتصار محور سوريا على كيد قوى الشر في العالم بأسره.
كان لعلاء قسطًا كبيرًا في نجاح الجبهة في كفرياسيف وبفوز شادي شويري رئيسا للمجلس المحلي وبتاريخ 30.9.2019 قبيل الانتخابات المحلية الأخيرة نشر فقيدنا الراحل علاء تغريدة على صفحته في الفيسبوك بعنوان (قصة قصيرة .... لكن فيها مجمل القضية). ويقول في القصة: "عندما كنتُ في جيل الشباب، كان هناك في بلدتنا بجانب المدرسة نادي للشباب يعجّ بالفعاليات الثقافية والرياضية، وكان هناك أيضا ملعب لكرة القدم من التراب، واحتشدت الكثير من فرق كرة السلة إلى جانب الملعب. في تلك الأيام كانت أحلام الشباب تطمح لأن يصبح لدينا نادي ثقافي وقد تحقق في حينه وملعب أخضر قد أقيم أيضا. عدتُ إلى بلدي بعد انهائي الدراسة الجامعية في المانيا، بنيتُ مصلحة، تزوجت وأنجبت أطفالا ليكبروا في هذا البلد الحبيب، من أجل أن يسيروا على درب العطاء ومحبة الغير، إذ بإبني الصغير ابن الـ12 سنة يفاجئني بطلب انتخابي صغير ويقول بالحرف الواحد: أبي أبي، بس يصير شادي شويري رئيس قول له أهم شي يهتم إنو يكون مراحيض نظيفة وعصرية في المدارس.... يا أسفاه أن يكون حلم شبابنا الصغار إلى هذا الحد.... فندائي إلى شباب كفرياسيف، انتفضوا لتصنعوا التغيير المنشود، حينها سيكبرون أطفالنا وستكبر أحلامهم..".
أرقد بسلام رفيقنا وحبيبنا علاء مرقس ورفاق دربك سيواصلون مسيرتك دون كلل، وكذلك هي عائلتك الصغيرة، ابنتك لينا وابنك سليمان لا خوف عليهما لأنهما تتلمذا في مدرستك على القيم الانسانية والأخلاق الحميدة، وتظللهم زوجتك الصابرة بحكمتها على الصمود ومواصلة الحياة التي أحببتها فيهم.
أبو سليمان؟
حبيب كل رفاق ورفيقات فرعي الحزب والجبهة في كفرياسيف والمنطقة وكل من عرفه خفيف الظل، سريع البديهة، متوقد الذكاء والحنكة، غير المُمالئ، صادق الكلام، شفاف الشخصية، الكريم المحب المعطاء ذو المبادئ السامية.
رفيقنا أبو سليمان،
ذلك المناضل العنيد الذي قضى فترة زهرة شبابه في صفوف الحزب والجبهة وعمل في قيادات الفرع لسنوات طوال. خدم بلده وشعبه بإخلاص وأمانه ومحبة ما استطاع الى ذلك سبيلًا، أحب جميع الناس فبادلوه الحب حبًا والاحترام احترامًا.
شغل أبو سليمان مكانه بتفانٍ عضوًا في اللجنة المحليّة لفرع حزبنا الشيوعي، وعضوًا بارزًا نشيطًا في سكرتارية فرع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة؛ فكان أن أدى دوره بإتقان وبكامل المسؤولية.
تعلّم في جامعات الغربة كالكثير من أبناء شعبنا الذين يواجهون مصاعب القبول في جامعات البلاد جراء سياسة التميز والخنق الحكوميّة وعاد عصاميًا اتكل بقوة على ذاته وعمل جادًا في إقامة مطعمًا شهيرًا حاز على السمعة الطيبة في طول البلاد وعرضها لخصوصيته وجماله ورونقه وأسماه غرنادا تيمنًا بالتراث العربي الأصيل في بلاد الاندلس؛ ونحن نتمنى ان يستمر هذا المطعم الرائد في عطائه مخلدًا بانيه ومشيّده وتراثه الرفيع والأنيق.
لك يا رفيقنا الغالي نقول؛
لقد ابكرت يا رجل الرجال
واسرجت المنون بلا سؤال
فأججت الأسى في كل قلبٍ
وجارحة وما أبقيت سالي
نهى الناعي فروّعنا جميعًا
وفاق الجرح حد الاحتمال
هل الأيام تغدر في رفيقٍ
سما فوق المصالح لا يمالي
فلم أتوقع المأساة اصلًا
ولا خطرت ولا جالت ببالي
رحيلك يا صديقي كان مرًا
أضاع النور في حلكِ الليالي
تؤم الناس بيتك كي تعزي
ولكن من يعزيني بحالي.
نحن الشيوعيون عندما تفرض المعركة ننخرط في خضمها فتكون مبادئنا هي المحرك الأول والأخير لنا دون ان ننتظر مقابل.... وبكل التفاني والعطاء.... فبعمق البساطة وشديد الوضوح نحن من الناس والى الناس نعود؛ هكذا تربى علاء وهكذا بقي أبو سليمان.
دافع وبصلابة جبارة عن الحزب والجبهة وسياستهما حتى الرمق الأخير لا كلّ ولا ملّ ولا توانى في الاشتراك بنشاط بكل فعاليات الحزب والجبهة والبلد عامة معتمدًا على الفكرة الواضحة والتي كررها كثيرًا أن كل حوار لا يرافقه نضال فلا طائل منه، وكل حوارٍ لا يعتمد على العدل والكرامة لا يعول عليه.
في رحيله كما في حياته لم يكن اعتياديًا، بل قريبًا الى سمو الظاهرة وكان للشارع والوسط الذي احبه أقرب... فكان هو العلامة الفارقة...
كثيرون ممن تعلّقوا بهذه المبادئ أعادوا تموضعهم من جديد بعد السقوط المدوي والمؤلم للأنظمة الاشتراكية... واستمر أبو سليمان في اعتناقها فصمد في وجه مغريات الحياة محتفظًا بقناعاته\قناعاتنا. نحن نعتقد جازمين انه كان متصالحًا حتى النخاع بتلك القناعات، حيث مارسها بسلام داخليّ جعل الجميع يحبه رغم ان بعضهم يخالفونه الرأي.
ان الموت أصعب ما نواجهه فنحن لا نتخيل الحياة تسير وتستمر بدون أحبائنا، وفي الوقت ذاته فإن الموت من طبيعة الحياة وما الاستعداد له الا بالعمل الخير والمسؤول الذي يرمي بظلاله على المجتمع والإنسانية.
أنا المجروح في موت تدلى
ليغدر في رفيقٍ كان غالي
إذا سلب الردى منا رفيقًا
فذكره سوف يحيى في الخيال
سيحيا في قلوب الناس فكرًا
سيبقى فلذة الأكباد مالي
سيبقى في رحاب الخلد نسرًا
يحاكي مجده قمم الجبال
تعازينا بأن خلّفت كنزًا
من الأخلاق من أسمى الخصال.
ارقد بسلام الرفيق الحبيب علاء.
فلروحك ألف سلام........ وتحيّة.
رفاق دربك في الحزب والجبهة ومُحبيك – كفرياسيف




.png)




.jpeg)


