بدلاً من لوم أنفسنا لنواجه المخطط بوعي وتنظيم
منذ أكتوبر 2000، يشهد المجتمع الفلسطيني في الداخل تصاعدًا غير مسبوق في معدلات العنف والجريمة، حيث بلغ عدد الضحايا منذ العام 2000 أكثر 1700 إنسان، بمن في ذلك 230 ضحية في العام 2024 وحده. ومنذ بداية عام 2025، تجاوز عدد الضحايا أكثر من 30 ضحية، منهم ستة ضحايا خلال 24 ساعة، وضحيتان خلال بضعة ساعات. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي انعكاس لوضع خطير ومعقد يرتبط بسياسات تمييزية ممنهجة تهدف إلى إضعاف وتفكيك مجتمع المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرئيل.
إن طابع العنف الراهن وتراكماته المذكورة في المجتمع العربي ليس ظاهرة معزولة أو عشوائية، بل هو جزء من سياسة أوسع تتضمن الاستراتيجية الاستعمارية القديمة. هذه السياسة تركز على إضعاف المجتمعات من الداخل عبر إغراقها بالعنف والجريمة المنظمة والمخدرات. وبالتالي، يصبح المسؤول الحقيقي سواء كان مستعمرًا أو سلطة قمعية في مأمن من أي تحدٍّ حقيقي.
لوم الضحية لنفسها يأتي في سياقنا من خلال لوم أنفسنا ومجتمعنا على أسباب العنف وتبني الادعاء القائل بكون مجتمعنا هو مجتمع عنيف بطبيعته، وأن المشكلة تكمن فيه فقط دون إلقاء المسؤولية على عاتق المؤسسات الحكومية المسبب الرئيسي للأزمة التي نعيشها، وهذا يتفق مع تحليل المفكر فرانس فانون حول لوم الضحية لنفسها حيث أن الاستعمار لا يكتفي فقط بإخضاع الشعوب مادياً، بل يعمل أيضاً على تدمير وعيها الذاتي وزرع إحساس بالدونية والعجز في نفوس المستعمَرين
عمومًا، استخدمت الدول الاستعمارية العنف والجريمة عبر التاريخ مسألة العنف والجريمة كسلاح أساسي ضد المجتمعات المهمشة، على سبيل المثال الولايات المتحدة، حيث كان الأفارقة ضحايا لسياسات ممنهجة دفعتهم نحو العنف الداخلي. بعد إلغاء العبودية، لم تقدم الدولة فرصًا حقيقية للأفارقة للاندماج في المجتمع، بل عملت على محاصرتهم بالفقر عبر تهميشهم في مجالات مثل السكن والتعليم والتوظيف فتفشت المخدرات والجريمة في أحياء الأفارقة، والنتيجة كانت مجتمعات مستنزَفة داخليًا، تُلقى اللوم على نفسها بدلاً من النظام الذي خلق هذه الأزمة الدائمة.
إن لوم الضحية لنفسها يأتي في سياقنا من خلال لوم أنفسنا ومجتمعنا على أسباب العنف وتبني الادعاء القائل بكون مجتمعنا هو مجتمع عنيف بطبيعته، وأن المشكلة تكمن فيه فقط دون إلقاء المسؤولية على عاتق المؤسسات الحكومية المسبب الرئيسي للأزمة التي نعيشها، وهذا يتفق مع تحليل المفكر فرانس فانون حول لوم الضحية لنفسها حيث أن الاستعمار لا يكتفي فقط بإخضاع الشعوب مادياً، بل يعمل أيضاً على تدمير وعيها الذاتي وزرع إحساس بالدونية والعجز في نفوس المستعمَرين.
يشرح فانون هذا الإحساس بالدونية حين يبدأ المستعمَر في إلقاء اللوم على نفسه بدلاً من إدراك البنية الاستعمارية التي تخلق الظروف القمعية. المستعمر يفرض رواية تبرر استعماره، مدعياً أن المستعمَرين "غير قادرين" على حكم أنفسهم أو أنهم مسؤولون عن تخلفهم، مما يؤدي بالبعض إلى تصديق هذه السردية، وبالتالي لوم أنفسهم على واقعهم المتردي بدلاً من مواجهة الاستعمار نفسه أو الواقع القمعي الذي يعيشه.
في المقابل، يرى فانون أن الوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك المستعمَر أن مشاكله ليست نابعة من داخله، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات القهر والتهميش. وعليه، فإن التحرر لا يكون فقط مادياً بل نفسياً أيضاً، حيث يتوجب على الشعوب المستعمَرة تفكيك هذه الروايات الداخلية والتحرر من الإحساس بالدونية، واستعادة ثقتها بنفسها كجزء أساسي من النضال ضد الاستعمار.
إن ازدياد حالات العنف والجريمة زادت الشعور باليأس والعجز في مواجهة الإجرام وحالة الخوف الدائمة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني في حياته اليومية، حيث يؤدي إلى تفكك اجتماعي عميق بل ويغذّيه، مما يدفع الناس إلى الانغلاق والانكفاء على أنفسهم تجنبًا للمخاطر. كما أن هذا العجز يؤدي إلى فقدان الثقة سواء بين الأفراد نفسهم وبين المجتمع بمؤسساته الأهلية وأحزابه السياسية الأمر الذي يؤدي للعزوف عن المشاركة السياسية والمجتمعية الفاعلة.
تستخدم السلطات العنف كأداة للسيطرة على المجتمع العربي الفلسطيني، فتغرقه في دوامة من الفوضى وإبعاد الناس عن الشأن العام والقضايا السياسية لتشتيته عن نضاله ضد السياسات العنصرية والتمييز في مختلف المجالات، منها التعليم والأرض والمسكن ونضاله من أجل تحقيق الحقوق القومية والمدنية للجماهير العربية الفلسطينية. ويهدف أيضًا إلى تشتيته عن دوره التاريخي في إنهاء الاحتلال، إذ باتت قضية الجريمة والأمن الشخصي تتصدر مطالب المجتمع العربي الفلسطيني ولكن دون ربطها بالسياق الأوسع.
لا يمكن مواجهة العنف والجريمة دون إدراك أن الأمر يتجاوز كونه ظاهرة اجتماعية، بل هو جزء من سياسات قمعية ممنهجة. اليأس والإحباط ليسا قدرًا حتميًا، بل هما تحدٍّ يجب تجاوزه بالتنظيم الجماعي والعمل المشترك
لا يمكن فصل العنف في المجتمع العربي الفلسطيني عن السياق الأوسع، بل هو امتداد لسياسة تفكيك تُمارَس بأشكال أقسى طبعًا في غزة وكذلك الضفة الغربية. ما نشهده ليس سوى نسخة أخرى مما يجري هناك، لكن بأدوات مختلفة ففي حين يُستهدف الفلسطينيون في المناطق المحتلة بالقصف والقتل المباشر، يُغرق الفلسطينيون في الداخل بالجريمة والفوضى. والهدف في الحالتين واحد سياسة تفكيك ممنهجة.
وفي هذا السياق، يأتي دورنا السياسي في مواجهة هذا التحدي على عدة أصعدة. أولًا، من خلال التثقيف والتوعية داخل مجتمعنا، لتوفير الأساس الذي يساعد الأفراد على فهم أبعاد هذه السياسات وأهدافها. ولكن التحدي الأكبر يكمن في إجبار السلطة على تحمل مسؤولياتها.
لا يمكن مواجهة العنف والجريمة دون إدراك أن الأمر يتجاوز كونه ظاهرة اجتماعية، بل هو جزء من سياسات قمعية ممنهجة. اليأس والإحباط ليسا قدرًا حتميًا، بل هما تحدٍّ يجب تجاوزه بالتنظيم الجماعي والعمل المشترك، الآن بالذات علينا الاستفادة من مسيرة الشعوب وأيضًا من تجربتنا التاريخية بالتنظيم والتطوير والبناء عليها بما يلائم واقعنا اليوم. جميع الحركات الاجتماعية الناجحة في التاريخ أثبتت أن التغيير الجذري لا يأتي من مجهودات فردية، بل من حركات جماعية منظمة ترفض الاستسلام وتسعى لخلق واقع أفضل.
بناءً على ذلك، يبقى الحل هو التحرك الجماعي لاستعادة زمام المبادرة واستعادة الملكية على الشارع، ومواجهة هذه السياسات التي تسعى لإغراقنا في دوامة العنف. وهذا يتطلب منا ليس النضال من أجل حقنا بالأمن والأمان فقط بل أيضًا من أجل حقوقنا القومية والمدنية ومستقبلنا لأنها مسائل مترابطة. كذلك، علينا الاستمرارية وعدم السماح لحالة الإحباط أن تشل حركتنا. علينا تفعيل وإعادة بناء اللجان الشعبية واستعادة دور الأحزاب السياسية لتنظيم المجتمع والدفاع عن مصالحه واستعادة الثقة بأنفسنا واستعادة ثقة الجماهير بالأحزاب، هذا إضافةً للقيام بخطوات شعبية وعملية للضغط على المؤسسات الرسمية للتخلص من هذه الآفة. فالمعركة طويلة، لكنها معركة وعي وتنظيم، حيث يكمن الانتصار الحقيقي في قدرتنا على المثابرة والاستمرار.







.png)


.jpeg)



.png)

