المجاهد أحمد صالح ابو ريا (أبو ابراهيم) 1880-1967

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

فاجأني صديقي ونحن نسير في طريقنا الى قرية البقيعة الجليلية الجميلة لزيارة الشاعر نايف سليم (ابو الوليد) عندما قال: فاتني ان أقول لك عن خالي ابن سخنين الابية، قد كان احد المجاهدين في ثورة القسام، فضحكت ورمقته بنظرة تشع بالعتاب: كيف تناسى كل هذه المدة ولم يستذكر ان خاله احمد الصالح ابو ريا كان مجاهدا، فرد صديقي على عتابي بقوله والابتسامة تغمر وجهه نسيت وخانتني الذاكرة، فايقظ كلامه حماسي واستعر في داخلي، فاندفعت في اليوم التالي وهاتفت السيد مصطفى ابو ريا (ابو ابراهيم) رئيس جمعية مياه الجليل ورئيس مجلس سخنين سابقا، لينظم لنا زيارة مع احد اقارب المجاهد احمد ابو ريا لنأخذ ما اختزن في ذاكرته من معلومات عن المجاهد السخنيني، فتهادى لسمعي عبر الهاتف ضحكته القوية، ثم قال: هو جدي وانا فخور به وابارك الفكرة، فأهلا وسهلا بكما، ولكن ما يؤسفني اني لا املك من المعلومات التي تجاوب على غرضكما، سآخذكما الى رأس النبع.

جاء حماسي الجارف لأن سخنين يوم الارض وفيّة للوطن وسخيّة في تقديم الأضاحي دفاعا عن ارض الوطن منذ سنة 1936 وسنة النكبة 1948 وفي يوم الارض الخالد سنة 1976 وفي هبة اكتوبر سنة الـ 2000، فلها نصيب كبير في التضحيات على مذبح النضال من الشهداء قديما وحديثًا.

التقيناه باب بيت قديم، صديقي وانا، قرع مضيفنا الباب استأذن وولجنا البيت فوجدنا امرأة تجلس على سريرها الخشبي نظيفة الهيئة وأنيقة الشكل والهندام تبدو في السبعين من العمر تعتمر كوفية بيضاء ناصعة، قدمنا لها التحية وطرحنا السلام فردت بصوت جهوري قوي والابتسامة تغمر وجهها القمحي الناعم والخالي من التجاعيد، واندفع صديقي وانهال عليها يقبلها فهي ابنة خاله، فعّرفها علينا ابن اخيها وأخبرها عن هدف زيارتنا لها، ففاضت قريحتها وراحت تنشد وتقول: اهلا وسهلا فيكو يلّي اليوم ضايفينا - يلي بوجودكو عنا ضحكت شفايفنا - لو يطلع بيدي لأدّيلكو صفرة وكل صحونها كفتة - وانا اتمنتلكو النجاح والعمر الطويل ما يفنى. شكرناها على ترحيبها الحار وكان قد حضر لفيف من النساء من بناتها واحفادها وابنها محمود امد الله بعمره، وصفقوا لها ثم عرّفنا عليها الرفيق مصطفى ابو ابراهيم قائلا هي الحاجة سميّة احمد صالح ابو ريا ام محمود، عمتي ابنة المجاهد احمد صالح ابو ريا، يتجاوز عمرها الخامسة والتسعين من مواليد 1924 أمدّ الله في عمرها، ها هي بكامل قواها العقلية وذاكرتها القوية الصافية و الثريّة ونظرها السليم وسمعها الحاد ، فاسألوا ما طاب لكم، فلم تمهلني الحاجة سمية لاطرح عليها الاسئلة فاندفَعَت تقول: كان والدي قبل كل شيء زلمي شهم وكريم وأصيل، وصاحب نخوة، وطني وشجاع. هذا ما كان يردده الناس عنه وكنت اسمعه وانا صبية وبعد زواجي وانجبت الاولاد كان الناس يذكرونه بالخير في حياته وفي مماته.

كان ثائرا ضد الانكليز وكان قائد فصيل معه مجموعة من الثوار، وكنت سنة الثورة ابنة 12 سنة أُدرِك كل شيء وظل والدي يحدثنا عن الثورة طيلة حياته وعن المعارك التي خاضها وكان يتفاخر بها، وكانت حكايته الشيقة ايام زمان لما ما كان لا راديو ولا تلفزيون فكنا نسهر على حكايته وهو يرويها لنا، فحفظت الكثير منها عن ظهر قلب. اذكر من الثوار الذين كان والدي يردد اساميهن، المجاهد محمد ابراهيم الجابر، والمجاهد نمر القاسم شلاعطة، والمجاهد خالد محمد ابو يونس، والمجاهد محمد المرعي ابو يونس، والمجاهد ابراهيم العثمان ابو يونس، والاخوين محمد وعلي صالح الشيخ، والمجاهد بركات بدارنة والمجاهد ابراهيم شواهنة، هؤلاء الذين اتذكرهم وكانوا يجتمعون بقيادة والدي عندنا في العقودة وكانوا يغيروا للجنوب وشاركوا في معركة بالقرب من كفر كنا ومعركة عند كفر مصر والشمال في معركة الليات والجرمق ومعركة بالقرب من الكابري، وفي الشرق معركة طبريا وصفد والجاعونة وباب العمود، وفي احدى المعارك بالقرب من قرية المغار تغلب فصيله على كمين للانجليز فاعتلى والدي الدبابة وقتل سائقها وغنموا الاسلحة والذخائر، وكانوا عندما يعودون يتخبوا من الانكليز مش خوف لا سمح الله لا.. لا، من خوف ما يكشفوهم كانوا يتنقلون من بلد لبلد.

ومن المعارك التي خاضها، معركة ترشيحا هاجموا المخيم الانجليزي في عز الليل واستطاعوا تدمير المخيم وقتل العشرات من الجنود اوقعوا فيهم بين قتلى وجرحى فجن جنون الانجليز، وكان اهل البلد تنتظرهم وعندما عادوا الى سخنين عمل الرجال صف سحجة ودبكة والنساء كانت تهاهي وتزغرد من الفرح، واذكر انه في معركة ثانية كانوا في طريقهم الى نصب كمين للجيش الانجليزي على طريق عكا - صفد فعند بير الخشب بالقرب من نحف من الجنوب اصطدموا بكمين من الجيش الانجليزي ودارت المعركة، وانتصر الثوار على الكمين وغنموا اسلحة منهم، استشهد فيها ثلاث مجاهدين بينهم القائد ابو ابراهيم من ام الفحم والمجاهد حسين بدارنة، اما والدي فقد نجا وتسلل بالليل من بين الاحراش ووصل الى نحف ولجأ الى بيت احد الاصدقاء والباقين عادوا الى سخنين، وقد عادت فرسه بعد 12 يوم.

وفي ليلة من الليالي كانت الفرس تقف عند باب البيت تهمهم فتحنا الباب وحسبنا ان والدي عاد بعد ما اعتقد الناس ان ابو ابراهيم القائد هو ابو ابراهيم والدي فحدث التباس، ففتحت العائلة بيت عزاء وبعد 12 يوما من الغياب عاد والدي وقد تفاجأ الناس عندما ظهر لهم وهو يشارك في جنازة الشهيد المجاهد قاسم بدارنة. ورغم الحزن على الشهيد قاسم عمت الفرحة وجاءوا يسلمون عليه ويهنئونه بالسلامة وحكا لنا ولهم حكاية المعركة وانه رغم استشهاد ثلاثة من الثوار الا اننا تغلبنا عليهم واوقعنا بهم خسائر فادحة. ولأن الثوار عادوا منتصرين نصبوا الدبكة. بهذا انهت الحاجة سمية ام محمود انشادها وحكايتها عن احد المجاهدين الابطال الذين سجلوا صفحات ناصعة في تاريخ الثورة الفلسطينية، ثورة القسام سنة 1936. نهضنا صديقي وانا واجزلناها الشكر الكبير شددنا على يديها وتمنينا لها العمر المديد والعيش الرغيد كما وشكرنا رفيقنا العزيز مصطفى ابو ريا ابو ابراهيم على تنظيم هذا اللقاء الهام الذي اثرانا بمادة للكتابة جديرة بالتدوين.

(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية