المشتركة ليست مجرد شعار

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

صلاح دباجة

 

المطالبة باحترام التعددية والرأي الآخر لا يستقيم بأي شكل من الأشكال مع التخوين والادعاء بالهيمنة والإقصاء من جانب أي طرف كان. وكون القائمة المشتركة مؤلفة من أحزاب سياسية لكل منها برنامجه الخاص وأجندته السياسية، إلّا ان ذلك  يجب ان لا يمنع هذه الأحزاب، التي  تمثل اقلية قومية مضطهدة على مدار عقود من الزمن وتواجه تمييزًا عنصريًا متصاعدًا ومحاولات إقصاء متواصلة في جميع مجالات الحياة بدون استثناء بالإضافة الى مخططات استهداف بقائنا في هذا الوطن، من تحمل المسؤولية التاريخية في كيفية التعامل مع هذا الواقع الخطير، خاصة وان هذه السياسة وهذه المخططات العنصرية الإجرامية لا تفرق بين حزب وآخر او فئة وأخرى من جماهير شعبِنا المتشبثة في وطنها، الذي لا وطن لها سواه.

وتجربة الجماهير العربية التاريخية مع حكومات إسرائيل المتعاقبة غنية بما يكفي لمواصلة كفاحها العادل بوحدة دفاعًا عن الوجود ومن أجل السلام والمساواة وتحصيل الحقوق. وينبغي الأخذ في الحسبان أيضًا التطورات الخطيرة التي بدأت تتجلى في السنوات الأخيرة بوضوح أكثر من أي وقت مضى، وخاصة التدهور نحو اليمين العنصري في المجتمع الإسرائيلي وانحياز الإدارة الأمريكية المطلق لدولة الاحتلال على حساب حقوق شعبنا الفلسطيني، هذا بالإضافة الى التحديات المصيرية الأخرى التي تعصف بمجتمعنا العربي وفي مقدمتها تفشى ظاهرة العنف وتقاعس السلطة المتعمد عن تحمل مسؤوليتها في وضع حدٍ له ووقف فوضى انتشار السلاح.

بعد نكبة شعبنا لم يتجاوز عددنا ربع ما نحن عليه اليوم، وعدد المتعلمين حينذاك من أبناء شعبنا لا مكان لمقارنته مع ما هو اليوم، يكفي أن نذّكر بان نسبة الأكاديميين في المجتمع العربي من أعلى النسب في العالم، ومع ذلك حافظنا على بقائنا بوحدتنا وصمودنا وحققنا الكثير من المكاسب وفي مقدمتها إنهاء الحكم العسكري البغيض وصُنّا قسما من أراضينا وطورنا بلداتنا ومدننا وأملنا أن نرتقي أكثر بلغتنا وثقافتنا. ويكفينا فخرًا ان بعض كتابنا وأدبائنا وشعرائنا اجترحوا شهرة ليس فقط على صعيد العالم العربي، إنما على الصعيد العالمي. ويكفي ان نذّكر بقصيدة نزار قباني "يا شعراء الأرض المحتلة". وهنا لا بد من التأكيد ان ما حققته جماهيرنا العربية من إنجازات نفاخر بها ليس منة من أحد وانما نتيجة تضحيات جمة في ظل سياسة تمييز عنصري تستهدف تجريدنا مِمّا تبقّى ارضنا وابقائنا حطابين وسقاة ماء.

وحفاظًا على منجزاتنا ولمواجهة مخططات السلطة اللئيمة والتحديات المصيرية التي تعصف بمجتمعنا علينا كأحزاب ان نجد القواسم المشتركة التي تحددها رغبة وطموح جماهيرنا، وان نستفيد قدر الإمكان من تجارب الماضي في تحقيق ما تصبو اليه جماهير شعبنا. ونحن اليوم ليس لدينا خيارات سوى الوحدة الحقيقية وتصعيد الكفاح من أجل تحقيق الطموحات العادلة لجماهيرنا وغير ذلك تبقى أمورًا عرضية يمكن التفاهم حولها، ويلزم الحذر دائمًا من ان تتحول القضايا الهامشية إلى قضايا رئيسية، الامر الذي تريده وتسعى اليه السلطة. والتهديد بخيار المقاطعة في انتخابات الكنيست القادمة او خيار حرق الأصوات ما هو الا خدمة لليمين العنصري وبالأساس خدمة لزعيم اليمين نتنياهو، الذي مكانه يجب وفقا للشبهات ان يكون السجن.

فنتائج الانتخابات الأخيرة أظهرت انه كان من الممكن زيادة عدد النواب العرب في الكنيست على حساب نواب اليمين المتطرف فيما لو زادت نسبة التصويت في المجتمع العربي إلى مستوى النسبة العامة في البلاد 67,9% او خوض الانتخابات في قائمة مشتركة كانت مرشحة ان تحصد ثلاثة مقاعد أخرى الامر الذي كان قد يمنع تكليف نتنياهو بمهمة تشكيل الحكومة. 

ومن المؤسف ان نقرأ تحليلات يطرح فيها كتابها مثل هذا الخيار والى جانب ذلك يوجهون التهم الكاذبة والغريبة حَقًّا للحزب والجبهة بالهيمنة!! فالربط بين الأمرين مشبوه ومستغرب ويعكس حالة من الحقد الدفين والعداء الأعمى والتشويه المتعمد للحقيقة التاريخية عن دور الحزب والجبهة في الدفاع عن حقوق جماهيرنا والسهر على وحدتها وصمودها. من يسعى حقًا للوحدة ويرفع شعار التمسك بالقائمة المشتركة من المستهجن والمشبوه ان يصوب سهامه الى حلفائه وفي الوقت نفسه يقدم الهدايا الثمينة لنتنياهو!!

وأمر آخر يجب تأكيده وهو ان تاريخ الحزب والجبهة ناصع لأنه تاريخ شعب أصرَّ على البقاء في وطنه والتطور والرقي ومواجهة كل مخططات الترحيل ومصادرة الاراضي وهدم المنازل العربية. ويبدو انه لا داعي للاستشهاد بما قاله شاعرنا الكبير أبو الطيب المتنبي في قصيدة يا منازل...

التهجم وإطلاق التهم طال أيضًا لجنة الوفاق الوطني، التي حصلت على توكيل موقع من الأحزاب الأربعة واجمعت مع مركبات المشتركة الأربعة قبل ان تعلن عن قرارها حول توزيع المقاعد بين الأحزاب، واتهمت بأنها مُوالية للحزب والجبهة وللمؤسسة الإسرائيلية، ويتم تحريكهم عن بعد!! اما الجبهة فقبلت بقرار لجنة الوفاق رغم ان توزيعة المقاعد لا تلبي مطلبها استنادًا الى نتائج الانتخابات الأخيرة في نيسان الماضي.

إنَّ بعضَ من يحلل بهذا "العمق" المُشتبه الغريب وعلى هذا الشكل ومن ينشر مثل هذه التحليلات، فهو على قناعة تامة انه لا مكان للقائمة المشتركة وان رفع الشعار هو لمجرد الإيهام بأنَّه يستجيب لمطالب جماهير شعبنا. فمن لا يتقيد بالشعار الذي يرفعه، لا يتقيد بشيءٍ نافعٍ حَقًّا وفي مثلِ هذه الحالة ربما أن المخفي أعظم!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة