المعادلة في ايران: حريّة الشعب الايراني مقابل الامبريالية والدكتاتورية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ترامب يزعزع الاستقرار الإقليمي وقد يقود إلى تصعيد مع إيران

من المتوقع أن تعيد ولاية دونالد ترامب تشكيل سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران. خلال رئاسته الأولى، تبنى ترامب نهجًا صارمًا حيال إيران بدءً من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، من ثم فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، مما ألحق أضرارًا جسيمة بقطاعات اقتصادية مركزية وعزز عزلتها الدولية. خلال حملته الانتخابية الأخيرة، تعهد ترامب بمواصلة الضغط على إيران حتى توافق على توقيع اتفاق جديد لا يقتصر فقط على الحد من برنامجها النووي، بل يشمل أيضًا برنامجها لتطوير الصواريخ الباليستية. لكنّه لم يوضح كيف ينوي تحقيق هدفه، مما أثار شكوكًا حول جديّته وحول قدرته على تنفيذ وعوده

يرى العديد من الباحثين اليمينيين الأمريكيين أن أي محاولة لاستئناف المفاوضات مع إيران يجب أن تتزامن مع رفع سقف العقوبات والضغوط الدبلوماسية معا. لكن هذا النهج مثير للجدل، إذ تخشى بعض حليفات الولايات المتحدة كفرنسا وألمانيا، من أن تؤدي هذه السياسة إلى تصعيد قد يزيد من احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية في المنطقة. بالمقابل، تعتقد كل من تركيا ومن السعودية أن هذه الاستراتيجية سوف تحد من نفوذ إيران في الشرق الأوسط، لا سيما في العراق واليمن.

الرئيس الأمريكي المنتخب محاط بفريق من "الصقور" الذين يتربصون لإيران قلقين من نفوذها الإقليمي. وزير الخارجية ماركو روبيو، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، مستشار الأمن القومي مايك والتز، والسفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي يشتركون حول رؤية واحدة تجاه إيران، متشددة بالأساس، لا تأخذ معاناة الشعب الإيراني بالحسبان وتضع مصالح الامبريالية الأمريكية فوق أي اعتبار. إذ يدعو روبيو إلى فرض أقصى ضغط اقتصادي ودبلوماسي، ويؤيد راتكليف تعزيز العمليات الاستخباراتية التي تستهدف البرنامج النووي الإيراني ومراقبة تحركاتها. أمّا والتز فيشدد على ضرورة رفع مستوى الجاهزية العسكرية لمواجهة إيران، في حين أنّ هاكابي يشجّع على التعاون الوثيق مع إسرائيل في مواجهة إيران، بما في ذلك تأييد عمليات عسكرية ضد إيران عند الحاجة.

إيران في أعقاب الحرب الإقليمية

عاد ترامب إلى البيت الأبيض في وقت شهد فيه النفوذ الإقليمي لإيران تراجعًا ملحوظًا. فقد تلاشت هيمنة طهران في سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد، بينما يواجه حزب الله في لبنان ضغوطًا متزايدة بعد خسائره في الحرب – بما في ذلك تصفية معظم قياداته البارزة وزعيمه التاريخي السيد حسن نصر الله. هذه التغييرات أدت إلى واقع سياسي جديد في لبنان، حيث لم يعد الرئيس ولا رئيس الوزراء ينتميان إلى "تحالف 8 آذار".

على الرغم من أنّ هذه التطورات أضعفت النفوذ الإيراني في المنطقة، إلا أنها قد دفعت بطهران إلى تسريع برنامجها النووي، كما أعلن المرشد الأعلى، بالإضافة الى تعزيز إيران دعمها لحلفائها الآخرين، وعلى رأسهم الحوثيون في اليمن والميليشيات في العراق، التي تعتبرها وسائل ضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك، يرى كبار المسؤولين في إدارة ترامب أن السياسة الجديدة تجاه إيران يجب أن تشمل تشديدًا إضافيًا للعقوبات الاقتصادية، خاصة على قطاعي النفط والمصارف، إلى جانب محاولة تقويض علاقاتها مع روسيا والصين.

إلى جانب الضغط الاقتصادي، هنالك احتمال بأن تدعم أمريكا عملية عسكرية إسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية. زادت احتمالية هذا السيناريو بعد الضربات التي نفذتها إسرائيل داخل الأراضي الإيرانية خلال العام الماضي، والتي كانت بمثابة تحضير لضربة مستقبلية ضد البرنامج النووي. بناءً على ذلك، تسعى طهران جاهدة لتعزيز دفاعاتها الجوية.

العلاقات بين إدارة ترامب وإسرائيل تشكل ركيزة أساسية في السياسة الأمريكية تجاه إيران. تعيين مايك هاكابي ومايك والتز يعكس نيّة على تعزيز التعاون الاستخباراتي والعسكري مع إسرائيل، بما في ذلك تزويدها بأسلحة متطورة وتقنيات لاختراق أنظمة الدفاع الإيرانية. هذا الدعم سوف يعزز قدرة إسرائيل على تنفيذ ضربات فعّالة ضد البرنامج النووي الإيراني.

حول محاولات ترامب زعزعة النظام الإيراني

إلى جانب الضغوط العسكرية، قد تشمل سياسة ترامب دعم المعارضة الإيرانية من خلال تمويل وسائل إعلام مستقلة، وتوفير الوصول إلى تقنيات اتصالات آمنة مثل "ستارلينك"، وتقديم دعم اقتصادي ولوجستي – كل ذلك بهدف زعزعة استقرار النظام الإيراني من الداخل.

لكن علينا أن لا نُخطئ – ترامب لا يهتم بحرية المواطنين الإيرانيين ولا بأمن الإسرائيليين. ما يهمه هو مصالح كبار رجال الأعمال الأمريكيين فقط. في كتابه "الإمبريالية - أعلى مراحل الرأسمالية"، اعتبر الرفيق لينين أنّ الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، فلا تقوم على اضطهاد الشعوب الأخرى فحسب، بل على اضطهاد الطبقات المضطهدة داخل البلدان نفسها أيضاً.

من الواضح بأنّ الأزمة الإيرانية لا تنبع فقط من الطبيعة الديكتاتورية للنظام، بل تمتد جذورها إلى تعقيدات تاريخية، وجيوسياسية، واقتصادية عميقة. فكي نفهم لماذا إيران اليوم ليست دولة ديمقراطية، لا بد من العودة إلى عام 1953، عندما أطاحت الـCIA  والاستخبارات البريطانية (MI6) برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق إثر جرأته تأميم النفط الإيراني، مرورًا بالثورة الإسلامية عام 1979، وصولًا إلى العقوبات الغربية التي ألحقت ضررًا بالمواطنين أكثر مما أضرّت بالنخبة الحاكمة.

إنقاذ الإيرانيين من قبضة النظام الثيوقراطي القمعي لن يأتي من ترامب، بل من نضال الشعب في الشوارع. فإنّ الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت بعد مقتل مهسا أميني عام 2022 أظهرت للعالم أجمع كيف تنتفض النساء ضد كبح حريّاتهن باختيار لبساهّن، وكيف يستخدم الطلاب شبكات VPN لتجاوز الرقابة الالكترونية، وكيف تحتج المعلّمات والمعلمون على غلاء المعيشة.

إنّ الأمل يكمن في قدرة معارضي النظام الإيراني على الاتحاد حول رؤية واحدة: إيران علمانية وديمقراطية تحترم حقوق النساء والأقليات. "ميثاق الحريات" الذي نُشر خلال احتجاجات 2022 – والذي طالب بإلغاء شرطة الأخلاق وضمان الحرية السياسيّة – هو خير مثال. لكن بدون دعم دولي حكيم، لن تتحقق هذه الرؤية الثورية.

الوضع الإيراني بين الديكتاتورية الداخلية والقمع الخارجي

يتسم النظام الإيراني بهيكل سلطوي ديكتاتوري يقمع مواطنيه، حيث يتم تقييد حرية التعبير، كما يقمع منظمات حقوق الإنسان بوحشية، فيما تواجه النساء والأقليات تمييزًا مؤسسيًا. فعلى الرغم من الخطاب الأيديولوجي الذي يروّج له النظام، والذي يُفترض أنه يخدم "قيم الثورة"، فإن الواقع يكشف عن منظومة تضع بقاءها في السلطة فوق رفاهية شعبها. ففي حين استغلت الحكومات الغربية ضعف إيران لفرض عقوبات قاسية، فإن النظام الإيراني نفسه يتحمل مسؤولية فشله في كسب دعم القوى الديمقراطية واليسارية في الغرب. فمحافظته الأيديولوجية وانتهاكاته المتكررة لحقوق الإنسان حالت دون تشكيله تحالفًا دوليًا واسعًا يتحدى اليمين الإمبريالي الغربي. بعبارة أخرى، عبر قمعه القوى الديمقراطية، سهّل النظام الإيراني على الغرب تبرير الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليه. وبينما يتباهى بخطابه "الثوري" المناهض للإمبريالية، فإنه يعيد إنتاج أنماط القمع التي انتهجها الشاه الذي أطاح به عام 1979. وبذلك، تقع على النظام مسؤولية مزدوجة: فمن جهة، يستغل العقوبات لتبرير القمع الداخلي؛ ومن جهة أخرى، فإن طبيعته المحافظة وانتهاكاته لحقوق الإنسان جعلت حرسه الثوري ونخبته الدينية رمزًا للقمع، مما سهّل على الغرب تبرير العقوبات رغم أنّها تضرب الشعب الإيراني.

اليسار العالمي وإيران

يجب على القوى اليسارية الديمقراطية حول العالم أن تتخذ موقفًا واضحًا. هنالك من يتبنّون خطاب الاستعلاء الغربي الامبريالي تجاه الشعب الايراني، والذي بجوهره مقوله ("نحن سننقذكم!"). وهنالك من يدعمون النظام الإيراني باعتباره قوة معادية للإمبريالية. لكن كلا النهجين خاطئ. على اليسار المبدئي أن يبتنى موقفًا مركّباً من المسألة الايرانية.

اعتبر الفيلسوف الثائر فرانز عمر فانون في كتابه "معذبو الأرض" أنّ كل أمة يجب أن تنهض بنفسها، لا أن تنتظر الخلاص من قوى أجنبية، كذلك في الحالة الايرانية اليوم يجب معارضة أي دعوة للتدخل العسكري في إيران بشكل قاطع، لأن مثل هذا الخطاب الغربي لا يؤدي إلا إلى تعزيز دعاية النظام الإيراني الهادفة الى ترسيخ قبضته الكابحة للحريّات. على ذلك يجب البحث عن وسائل دعم تلائم عصر العولمة كاستخدام أقمار "ستارلينك" وتقنيات التشفير، لتمكين الحراك الشعبي. كما أنه من الضروري إيجاد سبل للتواصل المباشر مع ممثلي الحراك الديمقراطي داخل إيران وتعزيزهم.

قالت الشاعرة الإيرانيّة سيمين بهبهاني: "يمكن للنظام أن يسكت صوتًا واحدًا، أو ألف صوت... لكنه لن يستطيع إسكات طنين خلية نحل بأكملها". هذا الطنين يمكن أن يزداد قوة، وإذا ساعده العالم، فقد يتحول إلى صرخة تسقط النظام الرجعي. في النهاية، لن تأتي الثورة الإيرانية القادمة من تغريدات تويتر، ولا من أقبية الـ CIA. إما أن تنبع من الداخل – أو لن تحدث أبدًا. وإذا كان هناك درس علمّنا إياه التاريخ، فهو أن الإيرانيين يعرفون كيف يفاجئون العالم، حتى في أحلك الظروف.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية