صلاح دباجة
يتباهى بنيامين نتنياهو، بصفاقة متناهية وبشكل شبه يومي، وكذلك رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين ووزراء امثال يسرائيل كاتس وميري ريغيف وغيرهما، بمهزلة ما يطلقون عليه التطبيع مع الدول العربية. ويصوّرونه كأهم الإنجازات التي من شأنها ان تحدث تحولًا جذريًا في المنطقة. غايتهم هي تحقيق شيء من المصداقية للسياسة الإسرائيلية، وهي القائمة على الاحتلال والعدوان وارتكاب الجرائم، ومحاصرة الدبلوماسية الفلسطينية وعزلها عربيًا وعالميًا. هذا عدا عن تسجيل بعض المكاسب الشخصية على الساحة السياسة المحلية.
وفي هذا الشأن كشفت مصادر عربية رفيعة المستوى عن وجود اتصالات سرية بين السعودية وإسرائيل من أجل التوصل إلى اتفاقية لإنشاء مطار عسكري مغلق في المنطقة التي تقع بالقرب من مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز الإقليمي، ويبعد ما يقارب كيلومترين عن مدينة تبوك الواقعة شمالي المملكة. هذه المنطقة حساسة ومهمة استراتيجيًا وعسكريًا وتعد أقرب منطقة سعودية من اسرائيل.
ويندرج في هذا الإطار أيضًا ما أعلنه رئيس جهاز "الموساد"، يوسي كوهين، في مؤتمر هرتسليا، أن إسرائيل أعادت إقامة علاقات رسمية مع سلطنة عمان، وأنشأت مكتبًا تمثيليًا لوزارة الخارجية الإسرائيلية في هذا البلد العربي! موضحًا أن استعادة العلاقات بين تل أبيب ومسقط "هي الجزء المرئي من جهد أوسع بكثير لا يزال سريًا"، واصفا عُمان بأنها "الوسيط السري في أزمات إقليمية عدة".
وفي السياق نفسه يأتي إعلان الخارجية الإسرائيلية ان الوزير يسرائيل كاتس، زار أبو ظبي، وأجرى لقاءً مع مسؤول إماراتي كبير لبحث "تطبيع استخباراتي وأمني"، وعرض مبادرة حول التعاون الاقتصادي الإسرائيلي الخليجي. وكشفت الخارجية أن كاتس عرض خلال اللقاء مبادرة "مسارات السلام الإقليمي"، التي "تشتمل على اتصال اقتصادي واستراتيجي بين المملكة العربية السعودية ودول الخليج عبر الأردن، وشبكة السكك الحديدية الإسرائيلية وميناء حيفا في البحر الأبيض المتوسط".
يبدو للوهلة الأولى ان هذه الاحداث دراماتيكية وجديدة في المنطقة، لكن في الحقيقة الجديد الآن هو عدم التستر عليها. فسياسة التعتيم التي انتهجتها إسرائيل على مدار عشرات السنين الماضية فيما يتعلق بعلاقاتها مع أنظمة في العالم العربي لا تعني انه لم يكن هناك تعاون وتفاهم وتنسيق واتفاق مصالح وتآمر على مصالح شعوب المنطقة.
فمنذ جلاء الاستعمار عن هذه المنطقة عمدت كل من بريطانيا وفرنسا الى تنصيب زعامات وقيادات على عروش الدول العربية، التي رسمت حدودها في اتفاق سياس- بيكو، وسهرت على حمايتها واستمرار بقائها في الحكم لضمان مصالحهما الاستعمارية وسيطرتهما على خيرات هذه المنطقة وعلى هذا الموقع الاستراتيجي الهام بالنسبة للعالم. وفي هذا السياق أيضًا جاء وعد بلفور المشؤوم وقيام دولة إسرائيل ونكبة شعبنا الفلسطيني. وهذا هو الرابط الجوهري لهذا التحالف الدنس والذي لا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا. لذلك ليس مستغربًا ان يكون هناك التقاء مصالح وتطبيع وتنسيق بين أطراف هذا الثلاثي الدنس خدمةً للمصالح الاستعمارية وخيانة لمصالح الحقيقية لشعوب هذه الدول.
والخطير في الامر اليوم هو ان هذا التحالف الدنيء تجاوز مرحلة التستر وأطلق العنان لنفسه للعمل بشكل مفضوحٍ ودون رادعٍ، دفاعًا عن المصالح الامبريالية وتنفيذًا لمخططاتها الاجرامية. وهذا يتجلى في السعي المحموم لإنشاء تحالف عسكري (ناتو عربي)، يضم إسرائيل، ضد إيران بذريعة مبتدعة هي "ضمان الاستقرار في المنطقة" وكأن إيران هي من تهدد أمن المنطقة وليس إسرائيل.
وفي هذا الصدد كتبت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية يوم 29 آذار الماضي أن دول الخليج تتقارب مع إسرائيل، وتغضّ النظر عن وجود عملية سلام في الصراع الفلسطيني. ورأت الصحيفة في ذلك بداية مرحلة سياسية جديدة في الشرق الأوسط. وذكرت أن العلاقة الجديدة بين بعض دول الخليج وإسرائيل هي جزء من نقلة أوسع تحاول إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قيادتها، وتتلخص في التحالف العلني بين الدول العربية وإسرائيل ضد إيران. اما نتنياهو فاعتبر إن الطريق إلى السلام مع الفلسطينيين من خلال تطبيع العلاقات مع دول عربية تواجه كإسرائيل تزايدًا للنفوذ الإيراني.
يتجلى هذا الخطر فيما أطلق عليه و"رشة المنامة"، الشق الاقتصادي من "صفقة القرن" الامريكية لتصفية القضية الفلسطينية، ففي الوقت الذي أكدت فيه القيادة الفلسطينية وجميع الفصائل الفلسطينية رفضها المشاركة في "ورشة المنامة" بتبرير واضح ومقنع ان حقوق الشعب الفلسطيني لا تباع بالمال، ودعت كافة الدول العربية الى مقاطعتها وإفشالها، الا ان دولًا عربية خنوعة ومرتهنة شاركت في هذه الورشة وحتى ان بعض هذه الدول استبشر خيرًا فيها!
فسياسة الابتزاز التي تنتهجها إدارة ترامب اليوم ضد الشعب الفلسطيني ترتكز على الموقف الإسرائيلي المتعنت فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية، وعلى الموقف الرسمي العربي ليس فقط المتخاذل وانما المتآمر على حقوق شعبنا المشروعة والموقف الدولي المراوغ والمهادن مع إسرائيل فيما يتعلق بالاحتلال والاسيتطان وحل الدولتين، وما "صفقة القرن" الا الدليل على ذلك.
قبل نشر "صفقة القرن"، المزمع بعد الانتخابات البرلمانية في إسرائيل، أعلنت الإدارة الامريكية القدس عاصمة لإسرائيل ونقلت سفارتها في تل ابيب اليها. وبعدها أقدمت إدارة ترامب على وقف دعمها المالي للأنوروا بهدف ازاحة هذه المنظمة، التي تقدم، على مدار عشرات السنين، العون للاجئين الفلسطينيين، عن المشهد السياسي باعتبارها الشاهد القانوني الحي على هذه المأساة بهدف شطب حق العودة لأكثر من 6 ملايين لاجئ. واليوم تمهد هذه الإدارة المتصهينة الى تمكين إسرائيل من فرض سيادتها على أجزاء من الضفة المحتلة. فبعد كل هذا ماذا يتبقى من ثوابت فلسطينية لتسوية عادلة؟!
انتقال إدارة ترامب من الانحياز السافر لإسرائيل الى المواجهة المفضوحة مع الشعب الفلسطيني بدعم أنظمة العمالة والارتهان يفرض على شعبنا قيادة وفصائل وجماهير شعبية ان يشحذ الهمة وينطلق بوحدة صف الى الكفاح دون هوادة متمسكًا بثوابته الوطنية الواضحة والمشروعة ضد طغيان هذا الثلاثي الدنس. وهذا يستدعي، قبل كل شيء، إنهاء الانقسام البغيض. وشعبنا أصيل في تجربته الكفاحية على مدار عشرات السنين ولا يهاب تقديم التضحيات لأنه يرفض حياة الذل والمهانة وله تاريخ ناصع في الدفاع عن حقوقه اكسبه عميق الاحترام والتأييد عربيا وعالميا. ومهما طالت مسيرة الكفاح فان النصر أتٍ، بل هو حَتمِيٌّ، ولا يضيع حق وراءه مطالب.
الصورة: الوزير كاتس في ضيافة نظام الامارات هذا الأسبوع (رويترز)







.png)


.jpeg)


.png)

