تحالف "الكرمل" والرسالة للأحزاب العربية | جمال طيون

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تحالف "الكرمل" في جامعة حيفا يعكس تجربة استثنائية في العمل الجماعي العربي داخل الحرم الجامعي، حيث جاءت انتخابات نقابة الطلاب كحدث محوري يكشف ديناميكيات التمثيل السياسي والاجتماعي للطلاب العرب. الانتخابات التي خاضها أكثر من 5,000 طالب عربي لم تكن مجرد معركة حول مقاعد نقابية، بل محاولة جادة لإعادة صياغة المشهد الطلابي، بدءًا من مواجهة التهميش الأكاديمي والاجتماعي وصولًا إلى بناء تمثيل قوي ومستقل يعبر عن تطلعات الطلاب العرب.
في هذا الإطار، يعد تحالف "الكرمل" نموذجًا جديدًا للوحدة، حيث نجح في جمع الكتل الطلابية العربية لأول مرة تحت رؤية مشتركة تخدم مصلحة الطالب العربي، بعيدًا عن التنافس الفئوي أو المصالح الضيقة. هذا التحالف لا يمثل فقط استجابة للحظة انتخابية، بل يُبرز تصورًا طويل الأمد حول بناء قوة جماعية تستطيع تحقيق تغييرات ملموسة تتجاوز حدود الجامعة إلى المجتمع ككل.

تجربة شخصية: من المقاطعة إلى المشاركة الفعالة.


عام 2018، خلال فترة دراستي في جامعة حيفا كعضو في سكرتارية الجبهة الطلابية، كنا نواجه واقعًا مغايرًا. في ذلك الوقت، قررنا مقاطعة الانتخابات كجزء من رفضنا لهيمنة الكتل اليمينية على النقابة وسياساتها العنصرية. لكن مع مرور الزمن، اتضح أن التحديات التي تواجه الطلاب العرب تحتاج إلى مقاربة مختلفة، فكان لا بد من الانتقال من المقاطعة إلى بناء تحالف سياسي جامع قادر على التصدي لتلك التحديات.
تحالف "الكرمل"، الذي انطلق كاستجابة لهذه الحاجة، يمثل تطورًا في العمل السياسي داخل الحرم الجامعي. هذا التحالف ليس مجرد إطار انتخابي، بل خطوة استراتيجية تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الوحدة في مواجهة التحديات، وتؤكد أن النضال الجماعي هو السبيل لتحقيق العدالة والمساواة للطلاب العرب.

الانتخابات كفعل سياسي وتأثيرها على الهوية الطلابية
.
انتخابات نقابة الطلاب ليست مجرد حدث إداري، بل فعل سياسي يعكس حالة من الوعي الجماعي بأهمية التغيير. تحالف "الكرمل" جسّد هذه الفكرة، حيث جعل من العملية الانتخابية فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الطلاب العرب والإدارة الجامعية، مع تعزيز قيم التمثيل الجماعي والمشاركة الفعّالة.
شخصيًا، عايشت هذا التغيير خلال أجواء الانتخابات، حيث تجلت وحدة الطلاب العرب في مواقفهم وحماسهم للتصويت. هذا المشهد أعاد إلى ذهني تجربة القائمة المشتركة، عندما كنت أعمل مستشارًا برلمانيًا. تمامًا كما شكلت القائمة المشتركة لحظة فارقة في السياسة العربية داخل إسرائيل، يملك تحالف "الكرمل" ذات الإمكانية لإعادة صياغة دور الطلاب العرب كقوة تغيير داخل الجامعة وخارجها.

تأثير التحالف على المشهد السياسي الأوسع.

نجاح تحالف "الكرمل" يحمل رسائل مهمة للأحزاب العربية التي تعاني من الانقسام السياسي وضعف الثقة العامة. ما حققه هذا التحالف في الحرم الجامعي يمكن أن يشكل نموذجًا ملهمًا للأحزاب، حيث يثبت أن الوحدة حول القضايا المشتركة تتفوق على الانقسامات الأيديولوجية.
إذا تبنت الأحزاب العربية منهج "الكرمل"، يمكن أن تعيد بناء ثقة المجتمع في العمل السياسي وتعزز تمثيلها على الساحة الوطنية. الطلاب الذين شاركوا في هذا التحالف يمثلون جيلًا جديدًا من القيادات التي تتبنى قيم العمل المشترك والوحدة، مما يمهد الطريق لإعادة تشكيل النخب السياسية في المستقبل.

تحديات ما بعد الانتخابات: معركة النزاهة واستمرار النضال.

مع إغلاق صناديق الاقتراع، حاولت إدارة النقابة تعطيل عملية فرز الأصوات باستغلال ثغرات قانونية، في محاولة لعرقلة نتائج الانتخابات. هذه الخطوة كشفت مدى تأثير تحالف "الكرمل" الذي هدد هيمنة الإدارة الحالية على النقابة.
تأجيل الفرز لخمسة أيام يعكس محاولة لإحباط التغيير، لكن التحالف أثبت قدرته على الصمود والمضي قدمًا في استعادة مكانة الطلاب العرب داخل الجامعة. هذه التجربة تُظهر أن النضال من أجل التغيير لا ينتهي عند صناديق الاقتراع، بل يستمر في كل مرحلة من مراحل العمل.
لكن ما يظهر لنا بعد الفرز، أنه كان هناك التفاف على إرادة الطلاب والتلاعب بنتائج الانتخابات، وهو استهداف مباشر للصوت العربي الحر والقوى الديمقراطية في الجامعة، ومحاولة لتقويض الجهود المخلصة التي بذلتها القائمة لإحداث تغيير حقيقي. دعمنا اليوم للكرمل هو دعم لقضية عادلة، ولمشروع وطني يعبر عن طموحاتنا جميعًا، ويرفض كل أشكال الإقصاء والتهميش. يجب علينا ان نقف مع الكرمل في مسيرتها القانونية والنضالية لكشف الحقيقة وإعادة الاعتبار لإرادة الطلاب، وللتأكيد أن هذا الالتفاف الجماعي حول القائمة هو خطوة مهمة نحو خلق حيز جامعي قائم على الديمقراطية والتمثيل الحقيقي.


الخلاصة: الجامعات كمنصة للتغيير السياسي والاجتماعي.

انتخابات نقابة الطلاب وتحالف "الكرمل" يمثلان أكثر من مجرد تجربة جامعية؛ إنهما تعكسان قوة الوحدة والعمل الجماعي في تحقيق العدالة والمساواة. الجامعات، كفضاء مفتوح للنقاش والعمل السياسي، تُعد مختبرًا لبناء قيادات شابة قادرة على التأثير في المشهد السياسي والاجتماعي.
هذه التجربة تمثل رسالة واضحة للأحزاب العربية في الكنيست، التي تواجه في السنوات الأخيرة انتقادات حادة بسبب الانقسامات والصراعات الداخلية. إذا تمكنت الأحزاب من استلهام هذه التجربة الطلابية والعمل على بناء تحالفات سياسية قائمة على القضايا الجوهرية المشتركة بدلًا من التنافس الضار، فقد تُحدث نقلة نوعية في تمثيل المواطنين العرب داخل البرلمان. الوحدة التي أرسى أسسها تحالف "الكرمل" بين الطلاب تثبت أنه بالإمكان تجاوز الخلافات الأيديولوجية لتحقيق مصلحة المجتمع ككل، وهو الدرس الذي يجب أن تتعلمه القيادات السياسية العربية لتجديد ثقة الشارع العربي بها وتعزيز حضورها السياسي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة