ترامب 4 سنوات. غزّة للأبد

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

يقول الرئيس الأمريكي إن الحياة في غزة أصبحت "جحيمًا" وهو يتمنى على أهالي القطاع الانتقال إلى "منطقة يمكنهم العيش فيها من دون هذا القدر الكبير من الاضطرابات والشغب والعنف". خسارة أن المسؤول عن ترويع ظروف الحياة في غزة لدرجات الجحيم، لم يكن واقفًا على مسافة متر ونصف المتر من منصة خطاب دونالد ترامب في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع بنيامين نتنياهو (الشخص المجهول الذي أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب). إنّ بعض المفارقات تصل من الحقارة درجةً تُبكِم اللسان إلاّ عن التهكّم.

فسّر ترامب أن اقتراحه تهجير أهل قطاع غزة يدفعه اهتمامه بـ "العثور على أماكن جميلة ومفتوحة مع نور وشمس" لهم. في مناسبات أخرى سبق أن تفجّع على بؤس أوضاع حياتهم في غزة وطرح أفكارًا لإقامة "مدن لطيفة" لهم في دول أخرى. إنه تهجير يأتي من أجل المهجّرين المقتَرحين المحتَملين وليس ضدهم. ماذا يشبه الأمر باللغة السياسية الفلسطينية؟ كأن تقول لأحدهم مثلا: تعال كي أقتلك فأريحك من بؤس هذي الحياة.
مفردة الوطن لا تعني الكثير لترامب. يتحدث عن هذه القطعة من وطن الفلسطينيين بمفاهيم جعْلها "ريفييرا الشرق الأوسط" و "شيئًا بالغ الروعة".‏ هذا ما يحدث عند اقتحام السياسة بصندوق عدّة تاجر العقارات.

وفكرة التهجير كسخاء لصالح المهجَّرين، ليست جديدة. إذا كان ترامب يقاربها بمنطق تاجر العقارات، فقد أوردها قبل 81 عامًا زعيم صهيوني كبير جاء البلاد محمّلاً بعدّة الاستعمار. قال: "إن ترحيل العرب أسهل من ترحيل أي شعب آخر.. هناك دول عربية مجاورة.. ومن الواضح أن ترحيل العرب [الفلسطينيين] سيحسّن وضعهم، وليس العكس". دافيد بن غوريون أيضًا كان يحمل همّ سعادة الفلسطينيين على كاهله فاقترح ترحيلهم. (مؤتمر للوكالة اليهودية، 1944. أورد النص المؤرخ إيلان بابه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، ص 241).
 

نهجّرك لصالحك، فكيف لا تهرول يا أحمق؟ يردّ لسان حاله الغائب عن المؤتمر الصحفي في واشنطن فجر الأربعاء: نحن حمقى. لاعقلانيون. قاصرون عن رُكب الفهلوة. نفضّل مرارة عيشنا مغموسة بزيتنا على أيّ رغد عيشٍ في غير وطننا. من يرى في هذا رومانسية، فليسأل نفسه: لماذا لا تترك الشعوب أوطانها حتى بثمن الموت؟ هناك مسائل لا تسري عليها بذاءات نفعيّة البراغماتية حين تبتذلها الرأسمالية. هناك قيم، وهذه ذروة ما تبقى من إنسانية.


لربما هي مسألة سوء تفاهم مُطبق. الفلسطيني وكل إبن/ة وطن، لا يفهم هذه اللغة. لغة المقايضة بوطنك كي تحظى بنعيم العيش بعيدًا عنه. هناك منطق خلف سوء الفهم والتفاهم هذا. فترامب هو زعيم دولة مواطنين من جماعات مهاجرين مختلفة تركت كل أوطانها وذهبت هناك بحثًا عن حُلم رغد العيش. وبن غوريون زعيم حركة عملت كل ما يليق وما لا يليق لتهجير اليهود من أوطانهم وجلبهم هنا بحثًا عن حُلم الصهيونية.

مسائل الوطن هامشية بل لاغية في هذا الخطاب. خطاب ثقيل على لسان الفلسطيني وعقله وقلبه. لربما أنه رديء في حسابات المصلحة والربح فيتمسك بقتامة حياته ما دامت على أرضه؛ ربما يفتقر للعقلانية الرأسمالية الباردة التي تقول لك: الربح أولاً، وآخرًا؛ ربما لم يتطوّر كثيرًا منذ كان جدّاته وأجداده يغرسون زيتونهم ولوزهم وتينهم ويزرعون قمحهم وعدسهم وشعيرهم كمن يجبلون بتراب الأرض معنى وجودهم. واليوم، حتى بعد انحسار رقعة أرض الزيتون والقمح، بقيت الفكرة.

نهجّرك لصالحك، فكيف لا تهرول يا أحمق؟ يردّ لسان حاله الغائب عن المؤتمر الصحفي في واشنطن فجر الأربعاء: نحن حمقى. لاعقلانيون. قاصرون عن ركب الفهلوة. نفضّل مرارة عيشنا مغموسة بزيتنا على أيّ رغد عيشٍ في غير وطننا.

من يرى في هذا رومانسية، فليسأل نفسه: لماذا لا تترك الشعوب أوطانها حتى بثمن الموت؟ هناك مسائل لا تسري عليها بذاءات نفعيّة البراغماتية حين تبتذلها الرأسمالية. هناك قيم، وهذه ذروة ما تبقى من إنسانية.
طبعًا من غير الواضح لمن ستكون الغلبة في الخاتمة، لعدّة أسباب. منها أن العرب تركوا أهل غزة بكامل "التواطؤ الصارخ" تحت هول الفتك بهم بأحدث وسائل القتل ومعظمها من أمريكا؛ الدولة التي تسجد لها معظم حكومات العرب أكثر مما تسجد لخالقها. فهل سيكفّرهم الآن ترامب ويخرجهم عن إيمانهم بطوطم أمريكا؟

يُروى عادة عن التواطؤ الصامت، لكن جديد أمة العرب في 2024 هو التواطؤ الصارخ: أصوات عالية كطحن الماء، ودعاء يفتقر لأي "قطران". فهل يسخون بنقطة منه؟
سبب آخر، هو تمسّك الفصائل السياسية الفلسطينية المركزية بالقمامة؛ بإصرارها العنيد على أن لا تبرَح ولو لشِبرٍ مزبلة المصالح الفئوية الوضيعة الحقيرة، والعودة عنها إلى رُشد المشروع الوطني الموحّد الواقعي والمسؤول من أجل الشعب الذي تنطق باسمه. فهل ستُقلع عن إدمان الانقسام؟

ترامب ونتنياهو في المؤتمر الصحفي المشترك

إشارة (طويلة) في هذا السياق: "كانت الحكومة المصرية، التي انبثقت عن ثورة 22 تموز/ يوليو 1952، لا تزال تبحث عن طريقها على صعيد السياسة الخارجية ومشدودة لقضاياها المحلية، عندما وافقت في سنة 1953، عقب شهور من المفاوضات التي أجرتها مع وكالة "الأونروا"، على مشروع يقضي بتوطين نحو 12 ألف أسرة من لاجئي قطاع غزة على أراض في شمال غرب صحراء سيناء بعد جعلها صالحة للزراعة، عبر إيصال نسبة من مياه نهر النيل سنوياً إليها، وخُصص لتنفيذ هذا المشروع، الذي حظي بدعم الإدارة الأميركية آنذاك، 30 مليون دولار. وقد انطلقت التحركات الشعبية في قطاع غزة ضد هذا المشروع منذ قيام الصحف المصرية بالتلميح إليه في أيار/ مايو سنة 1953، ثم اتخذت هذه التحركات أبعاداً جديدة عقب العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة في 28 شباط/فبراير 1955، إذ انطلقت، في الأول من آذار/مارس، تظاهرة حاشدة من مدرسة "فلسطين الرسمية" في مدينة غزة، بمشاركة معلمي المدرسة وطلابها وسائقي السيارات والباصات وأصحاب الدكاكين، الذين راحوا يهتفون: "لا توطين ولا إسكان/ يا عملاء الأمريكان"، "كتبوا مشروع سيناء بالحبر/ وسنمحو مشروع سيناء بالدم"، فواجهتهم قوات الشرطة المصرية بالرصاص الحي، وسقط أول شهيد وهو حسني بلال عامل النسيج في مدينة المجدل واللاجئ إلى مدينة غزة. ولم يقتصر التظاهر على مدينة غزة، بل انتشرت التظاهرات في بقية مدن القطاع وقراه ومخيماته، بحيث امتدت من بيت حانون شمالاً وحتى رفح جنوباً، وتشكّلت من ممثلي الشيوعيين والإسلاميين والقوميين والمستقلين "اللجنة الوطنيَّة العليا" للإشراف على الحراك الشعبي وتأطيره، وجرى اختيار مندوبين عنها في كل مخيم من مخيمات القطاع، وتشكّلت لجان لحراسة التظاهرات، الأمر الذي أجبر السلطات المصرية على تفويض مدير المباحث في القطاع سعد حمزة بالتفاوض مع ممثلين اثنين عن "اللجنة الوطنية العليا"، كانا الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة الشاعر معين بسيسو وعضو قيادة جماعة الإخوان المسلمين فتحي البلعاوي؛ وإثر تلك المفاوضات، قررت السلطات المصرية إلغاء مشروع توطين الفلسطينيين في سيناء". (د. ماهر الشريف، "مشاريع توطين الغزيين في سيناء بين الأمس واليوم"، موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية). هل يُستفاد اليوم من هذا التاريخ المجيد؟

 

حتى لو لم يطبّق ترامب مشروعه للتطهير العرقي، فقد أعطاه شرعية سيتلقفها فاشيو اليمين الإسرائيلي – وحدهم؟! - للمجاهرة بها كـ"حل". سيسقط آخر قناع من الحياء. كذلك، حين سيقايض ترامب بعض أنظمة العرب على العزوف عن اقتراحه، سيقبض منهم أثمانًا سياسية واقعية-مادية، على حساب مصالح شعوب المنطقة واولها شعبنا الفلسطيني. هذا أكبر تدويل لأداة "الخاوة". ربحٌ من صفر حق وصفر مصداقية بل صفر معاملة تجارية متعارف عليها.

 


حتى لو لم يطبّق ترامب مشروعه للتطهير العرقي، فقد أعطاه شرعية سيتلقفها فاشيو اليمين الإسرائيلي – وحدهم؟! - للمجاهرة بها كـ"حل". سيسقط آخر قناع من الحياء. كذلك، حين سيقايض ترامب بعض أنظمة العرب على العزوف عن اقتراحه، سيقبض منهم أثمانًا سياسية واقعية-مادية، على حساب مصالح شعوب المنطقة واولها شعبنا الفلسطيني. هذا أكبر تدويل لأداة "الخاوة". ربحٌ من صفر حق وصفر مصداقية بل صفر معاملة تجارية متعارف عليها.

ختامًا، ما نعرفه بسيط وقليل: لقد نجح الفلسطيني قبل 81 عامًا في أن يفشل في فهم لغة بن غوريون، وحتى حين هُجّر بعضه تمسّك بحالة لجوئه من أجل عودته حتى وإن استحالت حتى مماته. ومما يبدو اليوم أيضًا، في شتاء 2025 سيفشل الفلسطيني مرة أخرى في فهم لغة ترامب. هذا شعب عادي جدًا ككل الشعوب، لا يطيق النعيم خارج وطنه ولو خنقته كل المرارات. لسان حاله ووعيه يقول: في نهاية المطاف، ترامب أمامه 4 سنوات حُكم. أما الفلسطيني والفلسطينيون وفلسطين، فأمامهم أبَدٌ من البقاء كأوقح عنقاء. المعادلة بسيطة.
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة