خطة ترامب ونتنياهو بشأن غزة، مشروع كولونيالي-عقاري

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أثارت "خطة ترامب" موجة من الحماسة داخل الكتلة السياسية الأقوى في إسرائيل – تحالف الاستيطان والاقتلاع– وحظيت بدعم واسع في أوساط الجمهور الإسرائيلي. حاول معارضو الخطة التقليل من شأنها بادعاء أنها لن تتحقق على أية حال، غير أنّ هذه الخطة جادة تمامًا وتنسجم بوضوح مع التحولات العالمية التي نشهدها في عصرنا الراهن. لكن الإجراءات التي كان يُنظر إليها سابقًا على أنه "لا يمكن تصوّرها" في النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من أهوال، باتت اليوم ممكنة بالكامل. في الماضي، أقنع الكثيرون في إسرائيل أنفسهم بأن "الولايات المتحدة لن تسمح" بارتكاب جرائم حرب من هذا النوع أو ذاك، غير أن إدارة ترامب لم تكتفِ بالسماح بارتكاب جرائم الحرب هذه، بل باتت تطرحها كخيارات مشروعة. إنّ الخطر حقيقي وملموس.

للتطهير العرقي شرطان أساسيان على الأقل. أولهما، ضرورة تهجير السكان قسرًا، كيف يتم ذلك، "عبر عصا كبيرة وجزرة صغيرة"، من خلال التهديد بالقوة المفرطة إلى جانب تقديم حوافز محدودة . أما الشرط الثاني، فيتمثّل في ضرورة توفير وجهة بديلة يستطيع المهجّرون اللجوء إليها.

يتحقق هذا الشرط الثاني عادةً في سياق الحروب، حيث يوفر "ضباب المعركة" غطاءً يتيح فتح المسارات القسرية للتهجير. هذا ما حدث عام 1948، وهو ما جرت محاولات لتكراره عام 1956، وما نفذته إسرائيل عام 1967. في غياب حرب كهذه، يصبح تحقيق التهجير رهينًا بموافقة الأنظمة السياسية في المنطقة، وهي موافقة يصعب الحصول عليها منذ خمسينيات القرن العشرين.

إن تأمين هذه الموافقة الإقليمية هو في جوهره دور "السيد الإقطاعي" – أو المعروف بـ"أونكل سام". وكما أشار عدد من الزملاء، لا زال غير واضح كيف ستتعامل إسرائيل مع تداعيات زعزعة هذه الترتيبات السياسية في الشرق الأوسط. ليس من المؤكد ما إذا كانت الأنظمة العربية ستخضع للضغوط الأمريكية وتتعاون مع عمليات التهجير، كما أنه ليس واضحًا إن كانت ستتمكن من الحفاظ على استقرارها السياسي في أعقاب ذلك. فالتطهير العرقي ليس مجرد صفقة لشراء الأسلحة من إسرائيل أو إقامة تعاون اقتصادي ودبلوماسي معها.

الشرط الأول يتمثل في تهجير السكان من قطاع غزة، وهو ما يظل من اختصاص إسرائيل ومسؤوليتها المباشرة. هل يصعب تخيّل ذلك؟ على الإطلاق. فالأمر لا يختلف كثيرًا عما يقوم به ممثلو الجريمة المنظمة عندما يسعون إلى السيطرة على ممتلكات، سواء بالترغيب أو بالترهيب. إنه ذات النهج الذي يعتمده كبار المستثمرين العقاريين عندما تواجه مشاريعهم مقاومة من سكان الأحياء المستهدفة؛ إذ يعملون على جعل حياتهم لا تُطاق، وأحيانًا يلجؤون إلى توظيف بلطجية لتحقيق غاياتهم.

لكن لمن يبحث عن مثال ملموس وأكثر قربًا، فما عليه سوى النظر إلى ما حدث في قرية أم الحيران وما يجري فيها حاليًا. فبعد تهجير السكان البدو من أم الحيران، يجري تحويل الموقع إلى بلدة فاخرة تحمل اسم "درور" (وهو الاسم البديل الذي حُدّد بعد التخلي عن الاسم الأصلي "حيران" لأسباب مفهومة). إنها صهيونية اقتلاعية متسارعة. لقد انتقل مسار الاقتلاع والاخلاء من التهميش المنهجي وهدم المنازل إلى ممارسة العنف الرسمي على نطاق واسع – كما حدث في تلك الليلة الدامية التي قُتل فيها المربّي يعقوب أبو القيعان. أما مقاطع الفيديو التي استخدمها المستوطنون لتسويق مشروع اقتلاع أم الحيران واستبدالها بمستوطنة يهودية بالكامل، فهي لا تعدو كونها نموذجًا إعلانيًا مبكرًا قد يُستخدم يومًا ما للترويج للمشاريع الاستثمارية على "الريفيرا"، على شاطئ غزة.

جهود "التهجير الطوعي" لم تتوقف على مدار السنوات الماضية؛ خنق قطاع غزة عبر الحصار لم يكن سوى وسيلة ممنهجة لدفع السكان إلى الهجرة القسرية. الهدف النهائي هو إكمال المحاولات السابقة التي حققت نجاحًا جزئيًا بين 1967 و1973. ومنذ أكتوبر 2023، دخل المشروع مرحلته الثانية: القصف العشوائي، والتهجير الجماعي أثناء الحرب، والتدمير المنهجي لكل ما يمكن تدميره

هل مشروع التطهير العرقي في غزة جديد؟ في الوقت الراهن، بدأت تتكشف وثائق مختلفة اقترحت "حل مشكلة غزة" عبر مخططات إخلاء وإعادة توطين جماعية. هذه الوثائق تثير اهتمامًا بالغًا، لأنها تعكس تحولًا جوهريًا في المشهد العالمي؛ حيث باتت الأراضي والبشر مجددًا سلعًا مطروحة للبيع، تمامًا كما كان الحال في الحقبة الاستعمارية الكلاسيكية. يمكن "تأجيرهم"، أو نقلهم إلى "مستثمرين"، فيما تتجاهل الخطة الاقتصادية الحاجة إلى التهجير القسري المباشر – أي أنها تعتمد على الخصخصة الخارجية للعنف التأسيسي، وهو نهج أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية. لقد أصبح التهجير اليوم استراتيجية مركزية داخل الرأسمالية المفترسة؛ وهو مفهوم تناولته الباحثة ساسكيا ساسن، إلى جانب العديد من الأكاديميين الآخرين.

لكن لنترك المخططات جانبًا، إذ إن التصوّرات والنوايا كثيرة، وما يهم بالفعل هو سيرورة العملية. في الواقع، لم تتوقف جهود "التهجير الطوعي" على مدار السنوات الطويلة الماضية؛ حيث أن خنق قطاع غزة عبر الحصار لم يكن سوى وسيلة ممنهجة لدفع السكان إلى الهجرة القسرية، وإجبارهم على مغادرة المنطقة. الهدف النهائي هو إكمال المحاولات السابقة لإسرائيل في تفريغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين، ولا سيما اللاجئين – وهي محاولات حققت نجاحًا جزئيًا خلال الفترة الممتدة بين 1967 و1973.

منذ أكتوبر 2023، دخل المشروع مرحلته الثانية: القصف العشوائي، والتهجير الجماعي أثناء الحرب، والتدمير المنهجي لكل ما يمكن تدميره – وهو ما يشكّل الخطوة التالية في العملية: التصعيد. ما تقوله "خطة ترامب" في جوهرها هو أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا إضافيًا، لكن هذه المرة برعاية إمبريالية.

لا يمكن الجزم ما إذا كانت ستكون هناك "ريفييرا" بالفعل في غزة، لكن ما يتجاوز شرعنة التهجير القسري هو الأثر العملي لهذا المشروع: حرب استنزاف طويلة الأمد في غزة تهدف إلى تهيئة الأرضية، وهي المهمة التي ستتولاها الآلة العسكرية الإسرائيلية، وربما يلتحق بها لاحقًا مقاولون ومستثمرون. هذه الحرب ستكون موجهة بشكل معلن، وأكثر من أي وقت مضى، ضد الفلسطينيين ككل، ضد وجود الشعب الفلسطيني برمّته. ومثل هذه الحروب التي يكون هدفها تدمير أسس بقاء شعب بأكمله وتهجيره قسرًا، لها اسم معروف.

قد تحاول إسرائيل، بين الحين والآخر، فتح الحدود الجنوبية، ولكن بحذر شديد، لأن هذه الخطوة قد تكون محفوفة بالمخاطر. لكن السؤال الجوهري هو: كيف سيتصرف المصريون إذا وجدوا أنفسهم أمام آلاف الأشخاص الجائعين واليائسين الذين يحاولون عبور الحدود؟ وهل يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة المخاطرة بمثل هذا السيناريو؟

لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بصمود أهل غزة وإرادتهم في الحياة، كما لا يمكن التقليل من شأن الوحشية التي ستلجأ إليها إسرائيل لتنفيذ مخططها، ولا التقليل من أهمية المقاومة المسلحة الفلسطينية التي ستقف في مواجهته.. لقد نهض أهل قطاع غزة من تحت الركام، مرة تلو الأخرى. رأيناهم يسيرون بالآلاف عائدين إلى منازل لم تعد موجودة، متشبثين بالحياة

إنّ هذا التصعيد بحد ذاته يكشف عن فشل ذريع لإسرائيل في مواجهة الإصرار الفلسطيني على البقاء، ورفضه المطلق لمحو وجوده أو تلاشيه. هذه هي الدلالة الجوهرية للتحركات الأخيرة، التي ليست مجرد ارتجال سياسي، بل خطوة محسوبة بدقة ضمن تنسيق وثيق بين نتنياهو وحلفائه من جهة، وترامب وفريقه من جهة أخرى. فلا يمكن للمستعمرة أن تواصل آلة القتل والتهجير دون غطاء معلن من الامبراطورية الأمريكية.

لكن لا ينبغي الخلط في الأدوار: التنفيذ سيظل إسرائيليًا بالكامل؛ فـالجنود الذين سيقتلون ويُقتلون هم إسرائيليون، غير أن الرعاية هي رعاية إمبريالية – تمامًا كما كان الحال في نهاية القرن التاسع عشر، عندما كان بالإمكان المتاجرة بمصائر مجتمعات بأكملها، ونقل الملايين من البشر من يد إلى يد. ويبدو أن هذه هي الحقبة التي نحن بصدد دخولها مجددًا، وليس في الشرق الأوسط وحده.

ولكن، هل سينجح هذا المشروع؟ قد يحقق نجاحًا جزئيًا بلا شك. كم عدد الفلسطينيين الذين سيُجبرون على الرحيل؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين. لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بصمود أهل غزة وإرادتهم في الحياة، كما لا يمكن التقليل من شأن الوحشية التي ستلجأ إليها إسرائيل لتنفيذ مخططها، ولا التقليل من أهمية المقاومة المسلحة الفلسطينية التي ستقف في مواجهته.

ذات يوم، حين كنت هناك في السادسة عشر من عمري، رأيت بعينيّ في مخيمات اللاجئين كيف كان الناس يعيدون بناء منازلهم بعد أن دمرتها الدبابات والجرافات تحت قيادة أريئيل شارون (1971-1973). ومنذ ذلك الحين، نهض أهل قطاع غزة من تحت الركام، مرة تلو الأخرى. رأيناهم يسيرون بالآلاف عائدين إلى منازل لم تعد موجودة، متشبثين بالحياة.

إن هذه العزيمة العنيدة مألوفة لكل من شهد نضال الأحياء الفقيرة في وجه أطماع كبار تجار العقارات، لكل من رأى كيف يتمسك الفلسطينيون في النقب بأرضهم بأظافرهم، حتى بعد أن هُدمت منازلهم وألقيت أمتعتهم في العراء؛ لكل من شاهد صمود أهل قرية العراقيب، الذين واجهوا على مدى سنوات كل أشكال القمع الممكنة—السجن، التعذيب، الغرامات، الضرب، بل وحتى الرش الجوي بمواد كيميائية قاتلة—ومع ذلك، لم يكفوا عن التشبث بأرضهم.

ترامب يظن، أو يتظاهر بأنه يظن، أن سكان غزة باقون هناك فقط لأنهم لم يجدوا خيارًا آخر. برأيه، هم لم يطّلعوا بعد على عرضه الجميل، حيث تنتظرهم منازل جديدة، كما يصورها في مخططاته. غير أن هذا ليس مجرد وهم مَرَضي لرجل مهووس بعظمته؛ بل هو منظور رجل أعمال عقاري لا يرى في الأرض أكثر من عقارٍ للبيع، ولا يفهم إطلاقًا ذلك الارتباط العميق الذي يجمع الناس بأرضهم، بمكانهم، بعائلاتهم، بأصدقائهم ومجتمعهم.

لقد قوّضت الصهيونية الفهم البسيط لدى اليهود في إسرائيل بأنه من الممكن أن يكونوا شيئًا آخر غير مستوطنين— أن بإمكانهم ببساطة البقاء في أماكنهم، والاعتراف بالعلاقة الطبيعية التي تربط الإنسان بأرضه، واحترامها. والرد على هؤلاء واضح وبسيط: لا أحد سيذهب إلى أي مكان!

البيت والوطن ليسا مجرد عقارات. أولئك الإسرائيليون الذين يحلمون بـ"صفحة جديدة" تقوم على نزوحٍ جماعي للفلسطينيين من غزة إنما يعكسون استيعابًا عميقًا للعقيدة الصهيونية، التي تقوم على مبدأ أن المشكلات تُحلّ عبر الاقتلاع والاستيطان، ثم الاستيطان فالاقتلاع، وهكذا دواليك. لقد قوّضت الصهيونية الفهم البسيط لدى اليهود في إسرائيل بأنه من الممكن أن يكونوا شيئًا آخر غير مستوطنين— أن بإمكانهم ببساطة البقاء في أماكنهم، والاعتراف بالعلاقة الطبيعية التي تربط الإنسان بأرضه، واحترامها.

والرد على هؤلاء واضح وبسيط: لا أحد سيذهب إلى أي مكان. "تبادل السكان"، "الترحيل القسري"، أو "الإخلاء الجماعي" ليست حلولًا إنسانية، بل هي وحشية لا تُنتج سوى كراهيةٍ قاتلة. نحن جميعًا باقون هنا، لنحيا.

ومع ذلك، حتى وإن لم ينجح ترامب وماسك ونتنياهو وحلفاؤهم في إكمال مخطط التهجير، وبناء "غزة جديدة" للمستثمرين على أنقاض المدينة المدمَّرة، فإنهم بلا شك سيتمكنون من إنزال معاناةٍ لا تُطاق بالسكان، ومن تعميق كراهيةٍ مريرة. فالهدم دائمًا أسهل من البناء.

الأسئلة المتبقية الآن هي:
هل بعد عام ونصف من القتال وإراقة الدماء، سيشعر الجنود بالحماسة للعودة للقتل والموت؟
هل يمكن تحقيق ذلك بوسائل "جراحية"، أم من خلال القصف الرهيب، أم أن الأمر سيتطلب التقدم من بيت إلى بيت؟
هل سيكون من الممكن استخدام مشاعر الانتقام لدى الناس في إسرائيل لدعم مشروع الاستعمار الاستيطاني المتسارع؟
هل ستجرؤ عائلات الرهائن على قول ما يعرفه الجميع، وهو أن معاناة أحبائهم هي فقط وقود للدبابات المتسارعة؟
وأنه بالنسبة للحكومة، لا تحمل حياتهم وألمهم أي أهمية سوى دورهم في دفع مسيرة الدمار؟
هل سيوافق العمال والموظفون، وأرباب العمل الكبار والصغار، على حرب دمار طويلة بكل تداعياتها على الرزق والحياة؟
هل سيكون هناك ما يكفي من الناس الذين سيتجنبون الخدمة العسكرية والمخاطرة بحياتهم من أجل مشروع لا يؤمنون به؟
هل سيكون هناك ما يكفي من الناس في إسرائيل الذين سيقولون علنًا: هذا هو الخط الأحمر لدينا، وفي الواقع، نحن قد تجاوزناه منذ وقت طويل. لن نسمح بحدوث ذلك مرة أخرى؟!

-نشر المقال باللغة العبرية في موقع "سيحا ميكوميت"

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية