ما زالت المؤامرة الأمريكية على فنزويلا مستمرة، وهي التي لم تتوقف يومًا منذ وصول تشافيز إلى الحكم عام 1999. هذا الرجل الذي لم يتوقع يومًا أن يجد نفسه في مواجهة عظمى امبراطوريات العالم ولا أن يخوض حرب تكسير عظام عسكرية واقتصادية واعلامية مع الشيطان الدولي الأكبر، بل كُل ما كان يحمله هو انحياز كامل للفقراء وانتماء لا يلين أمام كل مدافع الامبراطورية لأبناء بيوت الصفيح في أحياء فنزويلا المُنهكة من الاقتصاد النيو-ليبرالي المرتبط بالغرب، للحارات التي لا يدخلها الضوء، تلك الحارات التي وُلد فيها وكبر فيها وحملها في قلبه حينما وصل الى سدة الرئاسة.
والآن تستمر المعركة التي شتنها الإمبراطورية ضد وريثه الصلب مادورو، الحصار الاقتصادي على أشده، البلطجة الدولية، الحملة الاعلامية التشويهية والدعم منقطع النظير للمعارضة العميلة وكل العلامات تشير الى نية قريبة بالتدخل العسكري الأمريكي. ماذا تريد امريكيا من فنزويلا إذاً؟ "الديموقراطية" يقولون! هل تسمعون صوت الضحك الهستيري للتاريخ! يقال أن أولئك الذين الذين لا يقرؤون التاريخ ملعونون بأن يكرروا أخطاء الماضي، لكنهم ايضًا ملعونون بأن لا يسمعوا صوته حينما يضحك بشكل هستيري. وخاصة تاريخ التدخل الامريكي في امريكيا اللاتينية في هذه الحالة.
منذ مجيء تشافيز الى السّلطة فازت الحركة البوليفارية بـ17 جولة انتخابية مقابل اثنتين للمعارضة، وفي المرتين التي خسرت الحركة التشافيزية الانتخابات، اعترفت بالهزيمة وبشرعية الفرز الديموقراطي فيما اعترض خصومهم في المعارضة المدعومة من الولايات المُتحدة على كلّ نتيجة لم تناسبهم، ورفضوا الاعتراف بها بالترافق مع حملة إعلامية أمريكية تشويهية؛ وقاموا بعد انتخابات 2012 الرئاسية بشنّ مواجهةٍ طاحنة تحت دعوى أنّ الانتخابات قد تمّ تزويرها وأنّ مادورو ليس شرعياً. وحين فازت المعارضة بأغلبية برلمانية اعتبرت أن ذلك يعطيها الحق بإسقاط مادورو وهذا ما تجدد مع فوز مادورو بالانتخابات الرئاسية الاخيرة. لكن هذه المرة مع دفعة غير مسبوقة من الولايات المتحدة لرئيس المعارضة خوان غوايدو الذي أعلن عن نفسه رئيسًا شرعيًا للبلاد واعترفت فيه أمريكا ومن جرته وراءها من دُول غير آبهة بقرار الشعب الفنزويلي الذي عبر عنه في استحقاق ديموقراطي كامل الشرعية، وطبعًا مرة أخرى تحت حجة "الديموقراطية".
بالطبع حرص امريكا على الديموقراطية في امريكيا اللاتينية لم يبدأ مع فنزويلا، بل إن التاريخ يعطيناً دروسًا عدة في هذا الحرص الديموقراطي واحد هذه الدروس هو درس التشيلي وزعيمها الشهيد سلفادور اللندي. في عام 1962 قامت وكالة الاستخبارات الامريكية بوضع كل جهدها من أجل ايصال زعيم الحزب المسيحي الديموقراطي، ادوارد فراي، المرتبط عضوياً بمصالح الولايات المتحدة في تشيلي للسلطة، حيث رصدت دعما خياليا لحملته الدعائية التي تُحذر من وصول الشيوعيين الى الحكم. وحينما فاز بالانتخابات قدمت الولايات المتحدة دعما يصل الى 1,2 مليار دولار لحكومته المنهكة خوفًا من التهديد الذي يشكله الزعيم الاشتراكي سلفادور الليندي والشعبية المتزايدة التي يحصدها في تشيلي. وحينما فشلت كل المحاولات الامريكية في الحؤول دون وصول الليندي الى الحُكم، دعمت الولايات المتحدة المعارضة في البرلمان، كما تفعل اليوم في فنزويلا ومنعت عن الليندي تشكيل أغلبية مطلقة، لتعطيل مشاريعه وساهمت بتعطيل الاقتصاد في تشيلي بواسطة الشركات الكبرى التي وعد الليندي بتأميمها، مثلما تفعل الشركات الكبرى المرتبطة بمصالح الولايات المتحدة اليوم في فنزويلا. ومن ثم حاولت عن طريق عملائها في بعض قيادة الجيش تخريب المسار الديمقراطي الذي سيوصل الليندي الى الحكم، لكن كانت تقف امامهم عقبة القائد العام للجيش، رينيه شنايدر الذي كان ملتزمًا بالمسار الديموقراطي وحماية الدستور، فدبرت اغتياله وكانت تتوقع أن يؤدي الاغتيال الى بلبلة الأوضاع السياسية وحل البرلمان الذي من المفترض أن يصوّت بعد شهر من الاغتيال على إعلان سلفادور الليندي رئيسًا للبلاد وفق إختيار الشعب. لكن الخطة الامريكية فشلت وكانت ردة فعل الجيش، بعد وصول كارلوس براتس المقرب من شنايدر الى القيادة، التمسك أكثر بالدستور والمسار الديمقراطي.
عندما تم إنتخاب سلفادور الليندي للحكم في تشيلي خرج هنري كيسنجر وزير خارجية نيكسون قائلاً: "لا أفهم لماذا يجب علينا الوقوفُ مكتوفي الأيدي ونحنُ نُشاهد دولةً تتحوَّل إلى الشيوعية، بسبب انعدام مسؤولية أهلها". إن إنعدام المسؤولية في القاموس الامريكي هو اختيار طريق التحرر، إستعادة الشعب السيطرة على مقدرات بلاده وكف يد الغرب عن نهب ثرواته. هذه هي اللغة الامبريالية ذاتها التي تحكم الموقف تجاه فنزيلا اليوم، الشعب الفنزويلي عديم المسؤولية يختار مادورو المدافع عن ثروته ومقدراته، مع أن "المسؤولية" الحقيقية تقتضي الركوع تحت أقدام الناهب الأمريكي!
علی مدی ثلاثة سنوات من حكم الليندي قامت الجماعات الإرهابية المدعومة من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتدمير خطوط السكك الحديدية الحكومية ومحطات توليد الكهرباء وشرايين الطرق السريعة الرئيسية لخلق الفوضى. وبمؤامرة أمريكية وضغط من داخل الجيش تم تنحية براتس وايصال العميل الامريكي بينوشيه الى قيادة الجيش. وفي ظل هذا التدخل الامريكي السافر أصر سلفادور الليندي على الالتزام بالمسار الديموقراطي والمؤسسات الشرعية الديمقراطية معتمدًا على التأييد الشعبي العارم. في 11 سبتمر عام 1973 وبتنسيق مع المخابرات الأمريكية قام العميل الامريكي بينوشيه بتنفيذ الانقلاب حيث حاصر القصر الجمهوري الذي يحتمي فيه الرئيس تشيلي وقام بقصفه بـ24 صاروخًا.
حارب سلفادور الانقلاب الأمريكي حتى آخر رمق، إختتم خطابه الأخير أثناء حصار قصره قبل أن يستشهد بساعات وهو يحمل السلاح الذي أهداه له فيديل كاسترو قائلاً: "بالتأكيد سيتم إسكات راديو ماجالانس، ولن يصلكم صوتي بعد الآن. لا يهم. فسوف تسمعونه دائما. سأظل دائما بينكم.. على الأقل ذكراي ستظل كرجل حافظ على كرامته وولائه للعمال. هذه كلماتي الأخيرة، وأنا على يقين أن تضحيتي لن تذهب هباءً، وأنها على الأقل ستكون درسا أخلاقيا يعاقب جريمة الجبن والخيانة."
سكت راديو ماجالانس الى الأبد في ذلك اليوم الأسود تحت مدافع "الديمقراطية" الامريكية، لكن صوت الليندي لا زال يتردد بعد كل هذه السنوات، يسمعه احرار فنزويلا الآن، الذين تعلموا الدرس الذي خطه الزعيم الشهيد بدمه: الديمقراطية الامريكية وهم أسود يحمل الخراب والدمار والتركيع لكل من يتجرأ أن يحمل راية الانعتاق من سلطان إمبراطورية النهب الدولي.
(في الصورة: الزعيم الاشتراكي سلفادور اللندي في آخر لحظات حياته قبل إقتحام القصر الجمهوري وإغتياله)
.png)








.jpeg)



.png)

