عم الإضراب العام، أمس الثلاثاء، جميع انحاء السودان استجابة لدعوة قوى إعلان الحرية والتغيير؛ واحتجاجًا على عدم إيفاء المجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة للمدنيين. وشمل الإضراب القطاعين العام والخاص وفروع النفط والمواصلات بين المدن والقطاع البحري والصحي والتعليم والقضاء وشركات السكر وغيرها. وسيستمر الاضراب اليوم الاربعاء.
واتهمت "قوى إعلان الحرية والتغيير" في السودان، أمس الأول الاثنين، المجلس العسكري الانتقالي الحاكم بأنه "أصبح قيادة سياسية وليس مجلسًا انتقاليًا، بعد ان وصل ملف التفاوض مع العسكر الى باب موصود بسبب تعنت العسكريين ان يكون المجلس السيادي بأكثرية عسكرية 8 مقابل 3 مدنيين في حين انه تم الإعلان في مطلع الأسبوع الماضي عن اتفاق بين الطرفين يقضي بان يكون ثلثي أعضاء المجلس السيادي من المدنيين.
من جانبه هاجم نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مساء أمس الأول، "قوى إعلان الحرية والتغيير" وادعى بوجود قوى "تهندس" للفتنة في البلاد وتسعى للوقيعة بين القوات المسلحة وقوى الحرية والتغيير. وقال: "هناك دولا وقوى تقف مع خصوم المجلس العسكري الانتقالي". وهدد حميدتي بنزول قوات الشرطة إلى الشارع.
من جانبه أعلن حزب الأمّة القومي بزعامة الصادق المهدي، أحد أعضاء تحالف قوى الحرية والتغيير، رفضه الإضراب. وبرر الحزب تراجعه هذا في بيان له الأحد الماضي إنّ "الإضراب العام سلاح علينا استخدامه باتّفاق الجميع، وعلينا تجنّب الإجراءات التي ليس عليها اتفاق"، هذا على الرغم من مشاركة مندوبي هذا الحزب في الاجتماع الذي أقر الاضراب!!
اما الحزب الشيوعي السوداني فعمم أمس الأول الاثنين، بيانًا أكد فيه ان المجلس العسكري الإنقلابي لم يخيب الظن في أنه امتداد لنظام "المؤتمر الوطني" الشمولي الفاسد. وان التوقعات صدقت "بأنه قطع الطريق للانتصار النهائي للثورة، حماية للنظام المستبد ورموزه، وقد برهنت الأحداث ذلك، بداية بالكذب الفاضح بإعتقال رموز النظام وسدنته، وأعلانه تجميد النقابات الموالية للنظام ثم فك تجميدها وتراجعه عن تجميد ممتلكات المنظمات التابعة للنظام والأفراد من قادة النظام والموالين له، الذين نهبوا أموال الشعب، بل ويسعى لإشراكهم في ترتيبات الفترة الإنتقالية في تحدٍ سافرٍ لشعارات الثورة ومطالبة الثوار بمحاكمة جميع رموز النظام والموالين له."
هذه التطورات، التي تبدو متناقضة، تعكس حقيقة أن ما يجري في السودان ليس بمعزلٍ عما يجري في المنطقة والعالم. فأنظمة العمالة في العالم العربي، التي تدافع عن بقائها من خلال دفاعها عن المصالح الامبريالية والأمريكية على رأسها، لا تسمح باي شكل من الاشكال بظهور نظام يلغي الاستبداد والتبعية ويتح قدرًا من الديمقراطية للجماهير الشعبية في أي بلد من بلدان المنطقة. وما حصل في ثورات الربيع العربي هو أفصح مثال على ذلك.
فبعد ان تم الإعلان عن الاتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وبين تحالف قوى الحرية والتغيير في السودان بشأن المرحلة الانتقالية والمجلس السيادي سارعت أنظمة العمالة، بالطبع بأمر من اسيادها، الى إرغام المجلس العسكري على التراجع عن هذا الاتفاق والعودة الى مسلسل التفاوض العبثي الى حين استكمال خطة اجهاض الثورة. وهذا ما حمل قوى الحرية والتغيير على اتهام أطرافًا خارجية بالتدخل وعرقلة المفاوضات.
ومن بين عناصر خطة اجهاض الثورة السماح بنشاط نقابات واتحادات مهنية، كان قد أوقف عملها في الأيام الأولى بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير، الذي اعتبرته قوى الحرية والتغيير ردّة تخدم أجندة الثورة المضادة والعودة إلى مربع الطغيان. وكذلك العمل على تفسيخ تحالف قوى الحرية والتغيير من الداخل ومعارضة حزب الامة القومي لقرار الاضراب العام ما هو الا دليل على ذلك. بالإضافة الى التخطيط لتفكيك القوات المسلحة عن طريق استيعاب ودمج المليشيات القبلية وتنظيمات النظام البائد العسكرية ضمن القوات المسلحة وكذلك التهديد بإنزال الجيش والقوى الأمنية الى الشوارع لمواجهة المحتجين بادعاء وجود قوى "تهندس" للفتنة في البلاد!!
وفي إطار التنسيق بين المجلس الانتقالي وبين أنظمة الخنوع تندرج زيارة رئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، إلى مصر والإمارات في مطلع الأسبوع الجاري وكذلك زيارة نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو، الى السعودية الخميس والجمعة الأسبوع الماضي. وهذا ما حمل قوى الحرية والتغيير على اتهام أطراف خارجية بالتدخل وعرقلة المفاوضات التي جرت مع المجلس العسكري الانتقالي.
فكيف تسمح هذه الأنظمة، المتخمة بالذل والعمالة، وأسيادها في واشنطن، للسودان بالتحرر.. وهو الذي كان عضوًا في تحالف العدوان بقيادة السعودية ضد اليمن بوهم الحصول على دعم الاقتصادي وأعلن عن قطع علاقاته مع إيران ارضاءً للسعودية، التي اسهمت مع دول الخليج الأخرى خاصة الامارات في رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عنه، والارتماء في احضان الولايات المتحدة والتوصل الى اتفاقيات سرية مع وكالة المخابرات المركزية الامريكية تتضمن إقامة أكبر مركز لـCIA في أفريقيا والشرق الأوسط، والتعاون التام بين الطرفين في المجالين العسكري والأمني، وان يلعب السودان الدور الأساسي في تنفيذ السياسة الأمريكية عبر الأفريكوم في المنطقة.. كيف ستسمح له بان يتحرر من هذه القيود وان ينشئ نظامًا ديمقراطيًا يرتكز الى إرادة الشعب مما "يهدد" استقرار الأوضاع في أنظمة القمع والاستبداد؟!َ
ويبدو ان المجلس العسكري سادر في تنفيذ خطة اجهاض الثورة بالتنسيق مع أنظمة العمالة والقوى المضادة للثورة في الدخل بهدف استمرار نظام البشير البائد رغم ما حمله من مآسٍ على الشعب السوداني. وفي مثل هذا الحال لا بديل أمام الشعب السوداني سوى تصعيد النضال وحشد المزيد من القوى الى جانب الثورة وإنجاح الإضراب العام كخطوة نحو الإضراب السياسي العام والعصيان المدني الشامل، وصولا الى الإطاحة بالعسكر وتأسيس حكم مدني ديمقراطي يمكن الشعب من العيش بكرامة بعد عقود طويلة من المذلة والمعاناة.







.png)


.jpeg)


.png)

