تبادلنا الرسائل اللاهثة، هشام نفّاع وأنا، حول مقالتي الأخيرة "بقر الربيع وبنات العرس". قال هشام: "هذه برأيي المتواضع قراءة ماركسيّة ثاقبة وجميلة وحيّة تلخّص جانبًا هامًا من التاريخ الاجتماعي لفلاحتنا وفلاحينا وفلاحاتنا، بمعنى تحليل المكانة المجتمعية ارتباطا بالعجلة الاقتصادية". أجبته وأنا لا أملك إلا خيار الموافقة: "نعم، فعلا هي قراءة ماركسية صريحة تربط بين المكانة الاجتماعية والاقتصادية بمحور واحد هو "الإنتاجيّة"، وهي في ظني وتقديري قراءة واقعية مقنعة رغم أني لست ماركسيًا في مجمل انتمائي العقائدي". أدرك هشام بفطرته السليمة الفرق الدقيق بين الفعل الآيديولوجي والتنظيم، أو بين الممارسة الميدانية والمنظومة الفكرية الفوقية، وقال معلّقًا على جوابي: "من يستخدمون أفكارًا ماركسية كأدوات تحليل وقياس ونقد، أكثر فائدة للناس، من بعضٍ يستخدمها كفتاوى عقائدية جامدة مغلقة. مقالك دليل على قولي. بالمناسبة، تعجبني مقولة قديمة مفادها: كارل ماركس نفسه لم يكن ماركسيًا".
أعجبني الردّ، أعجبني جدًا لأنه واقعي يشير بوضوح إلى عقلية اقتحامية جريئة وحوارية منفتحة. أجبته وأنا أحاول استغلال الفرصة المتاحة لمدّ النقاش خطوة إضافية إلى الأمام: "وهناك من قال: كلّ الفلسفات الوضعية والسماوية تلتقي حول الغايات الكبرى وتختلف في الطرق الموصلة إليها.على العموم، الماركسيون يرونني متدينًا والمتديّنون يرونني ماركسيًا. وهذه معادلة ترضيني طالما أنني لا أحظى برضى أحد! فأنا آخذ الأفكار بالمفرد لا بالجملة"... فهمت من مجمل "الحوار" بيني وبين هشام أنّ المرء لا يحتاج إلى أن يكون ماركسيًا أو لينينيًا محزبًا ومنظمًا حتى يمارس بالفطرة بعض القيم الإنسانية الجميلة، ولا يُشترط به أن يكون منظمًا في تنظيم ديني، سلفي أو تقدّمي، حتى يؤمن بالله العظيم وقيم السماء السمحة التي لا يُماري فيها أحد ولا يتملّكها أحد.
أعترف بأني أحاول استغلال هذه الرسائل السريعة للانتقال بسرعة إلى فكرة "الحوارية". وهي فكرة ينبغي أن يسبقها إقرار قبلي أو بدئي لظاهرة "الغيرية" و "الأخروية". في نفس الأسبوع بالضبط التقيت بـ "أبو هشام"، الصديق الأديب محمد نفاع، ومن سيرة إلى سيرة ذكر الرجل بعض الممارسات الغريبة العجيبة التي يمارسها، باسم الدين، بعض "رجال الدين" عندهم، وقد وصلت في غرابتها حدًا تعجز الأساطير عن احتوائها وتفسيرها، حتى العقول المشوّهة ترفض ضمّ هذه الممارسات إلى مخزونها العجائبي وتنأى بنفسها عنها. وهذه بطبيعة الحال تظلّ خارج دائرة الحوار مع الآخر لأنّ أصحابها ببساطة عنيفة يفتقرون إلى أول شرائط الحوار وهو العقل!
على العموم، يرضيني ألا يرضى عني أحد كلّ الرضى. ويقلقني كلّ القلق أن يضعني أحد في بقجة عقائدية معقودة ومقفلة بإحكام. ويخيفني من يجعلني جاهزًا منجزًا ثابتًا منضبطًا كاملا غير منقوص. الرزم الآيديولوجية والعقائدية المتكاملة، المعلّبة والجاهزة تلغي كلّ خيارات الحوار. ونحن في أمسّ الحاجة إلى ثقافة الحوار. والحوار أساسه الاختلاف، حتى هذا الذي يؤدّي إلى خلاف. وحتى هذا الذي يؤدّي إلى خلاف عنيف. كلّ خطاب تفكيكي يدعو إلى محو أو شطب بالجملة مصيره المحو والشطب بالمفرّق. ولأنّ حاجتنا إلى قبول فكرة قبول الآخر كحاجتنا إلى الهواء،فلا بدّ لنا أن نتبنّى منطق الحوار كاستراتيجية عملية، خصوصًا في مجتمعاتنا القبلية البطرياركية الصارمة... شكرًا لك يا هشام على هذه الملاحظات الجميلة والذكية التي استفزّتني وأجاءتني إلى مزيد من الكلام المباشر على الهواء.
إبراهيم طه






.png)


.jpeg)



.png)

