ما قال "لا" قَطُّ إلّا في تَشَهُدّه لولا التّشهُّدُ كانت لاءه نَعَمُ
ولا شكّ أيضًا أنّ الضّلع الثّالث في المثلّث الأمويّ، قد بالغ في مديحه معتمدًا على الرّأي السّائد يومئذ بأنّ أعذب الشّعر أكذبُهّ، فالأنسان العاقل السّويّ يعرف متى يقول "نعم" ومتى يقول "لا".
"نعم" كلمة جميلة وناعمة ومؤثّرة ومعطاءة في إغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج، وفي تلبية نداء الوطن ونداء الشّعب، وفي الكثير من الأعمال الإنسانيّة والوطنيّة الا أنها تتحوّل إلى راية للخنوع والذّلّ، وعَلَم للخضوع والاستسلام في تنفيذ آراء وأوامر السّيد الظّالم والغنيّ والقويّ. ولكن هناك مواقف صعبة وحرجة يكون وقع كلمة "لا" فيها قويّا مثل الرّعد، جارفًا مثل السّيل، نافذًا مثل الرّصاصة، ويؤسّس لمستقبل بلد أو شعب أو فرد، فعندما قال الرّسول محمّد "صلعم" بعزّة لعمّه ولسادة قريش وطغاتها "والله لو وضعوا الشّمس في يميني والقمر في يساري... ما تركته"، كان قوله علامة فارقة تعني نهاية عهد وبداية عهد، نهاية العصر الجاهليّ وبداية عصر الإسلام، وعندما قال الرّئيس العربيّ المصريّ جمال عبد النّاصر بإباء "لا" وأمّم قناة السّويس كانت لاؤه شهادة وفاة للاستعمار الفرنسيّ والبريطانيّ في إفريقيا وآسيا كما كانت تباشير الفجر لعدد من بلدان وشعوب العالم، وعندما قال الرّئيس الفلسطينيّ الشّهيد ياسر عرفات "لا" لملوك العرب ورؤسائها كانت لاؤه ميلاد القرار الفلسطينيّ المستقلّ.
يتهافت في هذا الزّمان قادة الدّول، في الشّرق والغرب، والشّمال والجنوب، على حظيرة الرّئيس الأمريكيّ الأهوج، تهافت الذّباب على طبق حلوى في يوم حارّ لأنّ الرّجل يملك قوّة الاقتصاد وقوة السّلاح العصريّ وقوّة العلم وقوّة العربدة وقوّة " لا أحد غيري" أو "يا أرض اشتدي ما في حدا قدّي"، في حين يقول له، علانيةً وبصوت جمهوريّ:"لا وألف لا"، رئيس لشعب صغير لا يملك جيشًا ولا يملك سلاحًا متطوّرًا ولا يملك نفطًا أو غازًا أو ذهبًا، ولا يملك ميناءً أو مطارًا بل يملك إرادة وكرامة واصرارًا على شروق الفجر.
نحن نعرف متى نقول "نعم" ونعرف متى نقول "لا"، ولا نخاف أحدًا ولا نخشى أحدًا عندما نقولهما، وندرك أنّ الرّئيس الأمريكيّ يكاد "يطقّ" غيظًا وهو يسمعها من فم الرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس.
محمّد علي طه




.png)




.jpeg)


