صباح الخير: عبدالمنعم والزبير

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عبد المنعم اللحّام والزبير بن حمد. الأول إسم مستعار لرجل حقيقي والثاني إسم حقيقي لرجل مستعار. الأول كبير والثاني مصغّر. الأول من بلدنا والثاني من نفطستان...

كنت في أحد مساقات السيميائية التي أدرّسها لطلبة الدراسات العليا في الجامعة أتحدّث عن "التوليدية في علم اللغة والأدب"، ومن هناك عرّجت على مفهوم "العقل التوليدي" المأنوس في الفكر المعاصر. والعقل التوليدي طاقة إبداعية مركّبة ترفض التقسيمات الثنائية الساذجة بصرامتها وحدّتها. فالعقل التوليدي مثلا قادر على أن يسوّي الشرّ خيرًا وأن يخلق من الاستهلاك إنتاجًا. وحاولت توضيح الأمر بنماذج من علم اللغة والنقد الأدبي.

لكن قصّة عبد المنعم وقصّة الزبير أفضل لبيان المسألة جماهيريًا. سمعت قصّة عبدالمنعم قبل أسبوع تقريبًا. وكان المحدّث يرويها بالتفاصيل الدقيقة وفي لهجته خليط من الإعجاب والتقدير والحسد.. عبد المنعم يملك قطعة أرض في أطراف البلد من جهة الشمال. ولمّا نوى أن يعمّر عليها  بيتًا بدأ ينظّف الأرض على مهله فاكتشف بعض الجرار الطافحة بالقطع الذهبية وكانت مدفونة في التراب. أدرك عبدالمنعم أنّ الله تعالى قد أنعم عليه وفتحها في وجهه. أخذ الجرار وباع محتوياتها بالسرّ لصايغ ذهب. هكذا سمعت. ولو علمت سلطة الآثار بالأمر لصادرتها منه وأوقفته عن العمار لأشهر أو سنوات.

قال المحدّث إنّ عبد المنعم عمّر الدار من هذا الذهب، وعلّم أولاده وبناته في الجامعة وزوّجهم وزوّجهن، وحجّ بيت الله هو وزوجته، وتبرّع بالستر للعائلات المستورة وطلاب الجامعات، واستثمر في مصلحة تجارية جارية في رومانيا تدرّ عليه كلّ يوم مزيدًا من النعم.. فسألت المحدّث المتلهّف ولماذا هو متحمّس لعبد المنعم إلى هذا الحدّ؟! فقال: هي ثلاثة أسباب: (1) هو الذي عرف كيف يخرج الجرار بمحتوياتها كاملة غير معطوبة ولا مثقوبة. (2) وهو الذي عرف كيف يربط فم الوحش عنها ويحتفظ بها لنفسه وحده دون أن تشاركه فيه سلطة الآثار الجشعة. (3) وهو الذي عرف كيف يستثمر هذا الذهب بالعقل بما ينفع أهل بيته والناس من حوله...

أما قصة الزبير فهي معروفة منذ زمن بعيد للقاصي والداني. استفاق الزبير يومًا من مرقده فوجد صحراءه مزروعة زرعًا بآبار النفط الذي يحتاجه العالم كله من أقصاه إلى أقصاه. تفاجأ من النعمة ولم يعرف كيف يحولها إلى طاقة إنتاجية توليدية تعزّز مشيئته ومن ثمّ تمنحه سيادة وحرية واستقلالا. وإخفاقه في هذا يعود إلى الأسباب الثلاثة نفسها التي أدركها عبدالمنعم بالفطرة وجهلها الزبير بالاكتساب: (1) فهو لا يملك عدّة استخراج النفط من الآبار فاستصرخ الشركات الرأسمالية الكبرى لتخرجه على حصّة طبعًا. (2) ولم يعرف كيف يحتفظ بالنعمة التي جاءته تجرجر أذيالها لأهل بيته فاستدعى الغرب لحمايته منها وبها. وهكذا وجد نفسه يدفع ممّا بقي له من عائدات النفط "خاوة" لترامب ولغيره. (3) ولم يبق إلا القليل ممّا تركت الشركات الكبرى وممّا ترك ترامب فاستثمره الزبير في الفاياغرا والعاهرات والكافيار...

عبد المنعم والزبير متساويان في نقطة البدء. لا هذا أنتج الذهب ولا ذاك أنتج النفط...التقيت في عرس خالد القباني مع الأخ الفاضل أبو محمد قاسم النجار من أبو سنان. يجمعني به طرف نسب من بعيد. كنا مجموعة من المعارف والأصدقاء والأنسباء. "أنا أقرأ كلّ ما تكتب". قال لي أبو محمد وعينه على صحن الكنافة.. تفاجأت. هذه أول مرّة أعرف أنّ الرجل يقرأ "الاتحاد". طبعًا، يقرأها منذ عام 67 حين كان في الشبيبة. القراءة تفتح المخّ. وهو يحبّ مقالاتي لأنّ فيها قصّة حلوة وفكرة تحتاج إلى رأس. هو الذي قال. ثمّ فهمت من مجمل كلام الحاضرين أنّ القارئ المتوسّط العادي يسعى إلى وجبة ثقافية مغذّية بسيطة وسريعة...وهل هذه تفي بالغرض؟ جائز.

 

إبراهيم طه

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية