قبل أكثر من خمسين سنة وعندما كنت طالبا في الجامعة العبرية قرأت مقالا ذا صلة بالدور الهام والمفروض ان يقوم به الأهالي في العملية التربوية التي تتصل بأولادهم. كان هذا المقال يحمل العنوان: "مدارس بدون أهالٍ"، كتبه البروفيسور العالمي كارل فرانكنشتاين، رئيس قسم التعليم الخاص في مدرسة التربية في الجامعة العبرية. شدّني المقال في حينه، ذلك ان هذا الأستاذ جمعتني به صداقة حميمة بسبب طلبه مني ان يتعلم اللغة العربية الدارجة مع مجموعة من اساتذة كلية التربية. كان هؤلاء الأساتذة من الذين أحبوا العرب في البلاد واحبوا السلام مع الفلسطينيين فكان لهم ذلك. جدير بالذكر ان هذا البروفيسور كان بمثابة الأب الروحي لصديقي المرحوم د. سامي مرعي والذي بفضل دعمه له وصل الى ما وصل اليه في موضوع التعليم الخاص ونيّل لقب الدكتوراه متخصصا في موضوع "المحرومون ثقافيا" والذي اشتهر فيه في العالم. وهذا الموضوع يعالج ظاهرة القهر والعدمية الثقافية عند كثير من شرائح المجتمعات التي كانت تعاني من ذلك في العالم، بسبب تسلط الدولة الحاكمة والمستعمرة على الطبقات الفقيرة واستعمال اساليب الحرمان الثقافي والقهر والعدمية والتنكر للذات وللانتماء في المدارس التي كانت تحت رعايتهم. فقد حُرمت هذه الشريحة من اتاحة الفرصة لهم للتعلم عن حضارتهم وثقافتهم وتاريخهم ولغتهم كما حصل مع سكان الجزائر واستعمار الفرنسيين لهم لمدة 137 سنة، وللأقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل منذ قيام دولة اسرائيل وعلى مدى سنين طويلة وبلدان اخرى كثيرة عانت من الاستعمار.
وعودة الى موضوع المقال "مدارس بدون أهالٍ" حيث يقول بروفيسور كارل فرانكنشتاين ان مدارسنا في هذا العصر تحولت فعلا لمدارس بدون أهالٍ ومات فيها المربي على حد تعبير البروفيسور ادير كوهين من جامعة حيفا. وهو يشدّد على دور الأهالي في التأثير على العملية التربوية الأمر الذي بدأ يتضاءل في السنين الأخيرة. فالأهالي لا يقومون بهذا الدور لانهم اوّلا غير قادرين على القيام بهذه المهمة، فهم يجهلون مناهج ومواد التعليم التي يجب ان يحظى بها اولادهم والتي تطورت كثيرا ولم يتعلموها عندما كانوا طلابا في المدرسة، ففاقد الشيء لا يعطيه. وثانيا لأن الأهالي في غالبهم عاملون، ابا وامّا ويعودون الى البيت مرهقين من عناء وتعب يوم شاقّ وطويل، الأمر الذي يفقد لديهم الرغبة والقدرة على مساعدتهم الّا ما ندر منهم. ومن كان لديه امكانية ووضع اقتصادي جيد يجعلهم قادرين على الاستعانة بمعلم خاص لتعويض اولادهم ما ينقصهم فيقومون بذلك حيث يعطيهم هذا المعلم دروسا خاصّة بعد اليوم المدرسي، وذلك من اجل ان يستطيع هؤلاء الأولاد النهوض من وضعهم الخاص والذي يحتم عليهم الاستعانة "بمعلم خاص". كل هذا بالإضافة الى عدم قيام بعض المعلمين في المدارس بالواجب المطلوب منهم، وخاصة في حالات تُحتّم الاهتمام بالطلاب الضعفاء. ان اتباع اسلوب "الإيداع" عند كثير من المعلمين من حيث صبّ المعلومات في ذهن الطالب وايداع المادة المقرّرة لهم في رؤوسهم تحضيرا للامتحان ولاحقا من اجل النجاح في امتحانات البجروت. هنالك ظاهرة تجدر الإشارة اليها والتي تحدث في كثر من المدارس، وهي عدم الاهتمام بالطالب الضعيف والاهتمام نفسيا وعاطفيا بالتلاميذ ومخاطبة قلوبهم قبل عقولهم، وكذلك عدم محاولة مخاطبة العقل في الطالب وتطوير تفكيره وتطوير مهارة "الابداع" عنده. كل هذا يؤدي الى الحاجة الماسّة الى تعويض الولد عن ما يخسره عقليا ونفسيا وتربويا وتحصيليا في المدرسة. وبما ان الأهالي لا يستطيعون فعل ذلك للأسباب التي وردت اعلاه تكون عواقب ذلك وخيمة على الولد نفسه.
لقد ناديت في الماضي وعندما كنت رئيسا للجنة متابعة "قضايا التعليم العربي" ولا زلت انادي بإقامة "مدارس للأهالي" من اجل سد الثغرة القائمة. في هذه المدارس يتعلم الأهالي كيف يساعدون اولادهم في دروسهم فيتعلمون عن المناهج والمواد التعليمية الحديثة ومبادئ علم النفس التربوي. لقد قلت حينها ولا زلت اقول ان من واجب السلطات المحلية ولجان اولياء امور الطلاب القيام بمشروع كهذا، خاصّة وان المدارس تتّسع لمشروع كهذا وفي ساعات بعد الظهر والمساء. ان امرا كهذا يتطلب رصد ميزانية خاصة وعلى وزارة المعارف تقديمها للنجاح في هذا المشروع "مدارس الأهالي".






.png)




