قبل الخوض في النقاش حول المظاهرة (تل أبيب، السبت الفائت) يستوجب التوضيح أن هذا النقاش ليس في أي حال أو بأية صورة نوعا من الهجوم أو اللوم الشخصي لكل من اختار باجتهاد سياسي المشاركة في تلك المظاهرة. إنه مجرد مساهمة في النقاش الذي يجب أن يخاض اليوم أكثر من أي وقت مضى حول الاستراتيجية السياسية التي يجب أن يصوغها الحزب الشيوعي والجبهة في ظل ما يفرضه الواقع والتطورات والتحولات السياسية المستجدة على الساحة الإسرائيلية، واقع ما بعد قانون القومية وافرازات الانتخابات الأخيرة.
نظم جنرالات "كحول-لفان" مساء السبت مظاهرة في تل ابيب ضد نتنياهو وتصرفاته السياسية الفاسدة ومحاولته لتجنب المحاكمة عن طريق ليّ عُنق القانون وسن تشريعات استبدادية بمساندة عصابته من أحزاب اليمين الفاشي، في سبيل الحفاظ على منصبه والتهرب من الإدانة والسجن. المظاهرة التي أقيمت في تل ابيب حملت عنوان "درع واق للديموقراطية" - في اشتقاق من اسم الحملة الدموية التي خاضها ذات الجنرالات على الشعب الفلسطيني في الضفة ابان الانتفاضة الثانية. وهكذا يجتمع عنوان لجريمة حرب وفقًا لكل المعايير الدولية والقيم الإنسانية بمسمى "الديموقراطية"، وهو ليس صدفةً بل إنه أكبر تعبير عن المشهد العبثي والمسخ الذي تُمثله مظاهرة المساء.
المظاهرة التي أعدت لتكون للـ"معارضة" استثني من التحضير والتنسيق لها كتلتا الجبهة والعربية للتغيير، والتجمع والإسلامية، واقتصر الأمر على دعوة النائب أيمن عودة للكلام على المنصة ومن ثم التنصل من هذه الدعوة ومن ثم التراجع عن التنصل تحت ضغط بعض القوى المشاركة في المظاهرة- طبعًا ليس في كل هذا تكمن مشكلتنا مع المظاهرة، بل ما هذه الا أعراض طبيعية للمشكلة الجوهرية والأزمة البنيوية للمعسكر المعارض لنتنياهو في اسرائيل.
بالطبع، المعركة على الهامش الديمقراطي، ضد الفاشية والفساد السلطوي المرتبط بها، ضد استبداد اليمين وتصفية ما تبقى من الديمقراطية، هي معركتنا، معركتنا كحزب وجبهة وكجماهير عربية يجب أن تلقي بكل ثقلها في المعركة على المجتمع الاسرائيلي وأن تبني مع القوى الديمقراطية اليهودية أوسع جبهة لصد الفاشية. لكن هذه المظاهرة بالذات ليست جزءًا من هذه المعركة، بل على العكس هي تشويه للمعركة الحقيقية وتصفية لأي فرز واصطفاف سياسي حقيقي؛ الفرز والاصطفاف السياسي القائم على الربط بين توغل الفاشية وتصفية الهامش الديمقراطي والفساد السلطوي وبين الاحتلال والاستيطان وتصفية القضية الفلسطينية والعنصرية المؤسساتية والتمييز والاضطهاد القومي ونزع الشرعية عن الجماهير العربية؛ الاصطفاف الذي يربط بين قانون القومية وقانون كامينتس وبين بند التغلب على المحكمة العليا وقانون الحصانة الذي يعمل عليه نتنياهو وزمرته.
هذه المظاهرة ليست بأي حال مثالًا على اي نوع من الشراكة العربية اليهودية، او اي نوع من النضال الشعبي لمجابهة الفاشية. بل هي دعوة فوقية عامودية من قادة "كحول لفان" لزج الجماهير المعارضة لنتنياهو في معركتهم هم على السُلطة، من أجل ترسيخ واقع كونهم هم البديل الوحيد لنتنياهو وسياسته. ومشاركتنا فيها، التي تقتصر على مجرد القاء خطاب، في حين لم تتم دعوتنا كجسم سياسي في تنظيم المظاهرة او المشاركة في صياغة شعاراتها، هي مجرد ورقة تين تعطي للمظاهرة شكلًا عربيًا-يهوديًا ديمقراطيًا، في حين أن مضمونها وسياقها ليسا كذلك.
ان طرح جانتس واشكنازي ويعلون ولبيد أنفسهم على أنهم البديل الوحيد لنتنياهو يُمثل كل ما هو فاسد ومدمر وخائب في المعارضة الاسرائيلية اليوم. شارك قادة كحول لفان نتنياهو في التحريض على الجماهير العربية وعلى قيادتهم السياسية ونزع الشرعية عنهم. تنافسوا مع نتنياهو على من هو الاقدر على تعميق الاحتلال والاستيطان وسفك دم الشعب الفلسطيني بصورة أنجع. بدأ جانتس حملته الانتخابية بالتفاخر بجرائم حربه في غزة وزاود يعلون على نتنياهو بعدم قدرته على توسيع وتعميق الاستيطان خوفًا من رد الفعل الدولي، فأثبتت هذه الزمرة بما لا يدع مجالًا للشك انها يمين "ب" بامتياز.
لهذا، بعد الانتخابات وهزيمتهم الساحقة توصلت قطاعات واسعة من جمهور اليسار الاسرائيلي لقناعة بهشاشة هذا البديل وزيفه، والى كون التغيير في اسرائيل لن يجري دون الشراكة العربية اليهودية، وإن كان مفهومهم لهذه الشراكة لم ينضج بعد، فيما يُحتم علينا نحن انضاجه لا أن نبدده في بدائل وهمية. وهذه المظاهرة بالذات بكل تفاصيلها، من الداعين اليها وأسلوب التنظيم، وعنوانها، وشعارتها، من عدم اشراكنا منذ البداية وعدم التوجه للجماهير العربية وقيادتها السياسية في تنظيمها، ثُم التعامل مع إعطائنا منصة للخطابة بأكثر الطرق اذلالًا واهانة، كانت لتكون القشة التي ستكسر ظهر الجمل، والتي ستنزع عن قيادة كحول لفان وخطهم السياسي الشرعية امام قطاعات واسعة من الجماهير الديموقراطية في اسرائيل، وقد رأينا انتفاض هذه القطاعات من الجمهور على فكرة عدم اعطاء اي ممثل عربي منصة في المظاهرة. فلماذا اذًا نتبرع لإنقاذهم وانقاذ صورتهم امام هذه الجماهير، اي استراتيجية سياسية وراء ذلك؟
ان المسرحية التي يلعب فيها نتنياهو دور الفاسد والديكتاتور من جهة ويلعب جانتس ويعلون واشكنازي ولبيد، دور الشرفاء المدافعين عن الديمقراطية من الجهة الاخرى، ليست الا مسرحية هزلية هشة، وهي ليست معركتنا التي يجب أن نخوضها بحق بل تشويهًا لها، ومشاركتنا في هذه المسرحية هو عبث سياسي من الدرجة الاولى ووأد للمعركة الحقيقية ودفن للفرصة التي تهيئها لنا الظروف الموضوعية في اسرائيل بأن نطرح بديلنا الحقيقي، البديل السياسي العربي اليهودي الديموقراطي الذي يقدم المخرَج الحقيقي للجمهور في اسرائيل. دفن الفرصة لبناء فرز واصطفاف سياسي على أسس متينة وحقيقة، لا مزيفة ووهمية، لقلب المنظومة السياسية بأكملها.
ان المحاججة الواهية التي يتم سحبها من الجعبة في كل حدث مماثل لتبرير مثل هذه مشاركة، المحاججة القائلة: "ليس مهما اين وما المنصة، المُهم ماذا تقول"، وجب أن يوضع لها حد وتكشف هشاشتها السياسية. هذه مظاهرة، فعل سياسي بطبيعتها، المشاركة فيها مقولة سياسية واضحة بحد ذاتها قبل أن تقال اية كلمة من على المنصة. جماهيرنا العربية لا تجد لها مكانًا هناك، جمهور وكوادر الحزب الجبهة لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المعركة، والمشاركة في المظاهرة انفصال تام، عبث سياسي واستراتيجي وفعل مهين.
مظاهرة تل ابيب السبت الفائت – ليست لنا (تصوير رويترز)
.png)








.jpeg)



.png)

