يزيّف ويخدع، بقسط وافر من الديماغوجية، وبجرعة مُتخمة من الثقة المفرطة بالنفس، بعضٌ قليلٌ من الأخوة في التجمع حين يتهمون الحزب الشيوعي والجبهة بالنزوع الى الهيمنة في سياق وسيرورة إعادة تشكيل القائمة المشتركة.
لكثرة تكرار هذا الزعم مؤخرًا لدى كتّاب دائمين وآخرين موسميين وفقًا للظرف، يمكن الافتراض أن هناك حملة منسّقة. ليست حملة على مستوى التجمع كحزب، ولكن بالتأكيد في كواليس أحد تيّاراته الذي تجمع أعضاءه قواسم مشتركة. وهي ليست قواسم فكريّة وربما حتى ليست سياسية بالمفهوم الجدّي للكلمة. بل تتعلّق بالأداء المُربح.
في باب "الهيمنة" إيّاها يجب السؤال: هل تبوّأت الجبهة أولى القوى الحزبية تمثيلا، على المستوى المحلي البلدي وعلى المستوى القطري البرلماني أيضًا، بقوّة السلاح مثلا؟ هل اشترت الدعم بأموال خفيّة تنهال عليها بسخاء من خارج حدود فلسطين التاريخية؟! وهل حاصرت بدباباتها مقر لجنة المتابعة ونصّبت المناضل محمد بركة رئيسًا لها عنوةً؟ أيجوز أنّ ما حصل هو قيام وحدة مظليّيها بعملية إنزال حساسة دفعوا خلالها بممثلي الجبهة الى قاعة الكنيست؟
أم أن الحقيقة التي لن يعبث بها لبساطتها سوى الحاقدين، هي أن الجبهة دخلت التنافس الانتخابي على قدم المساواة كالجميع ونالت ما نالت من ثقة جماهيرنا وأهلنا؟ هل سيُعلن البعض عن كل الجماهير "بيرسون نن غراتا" الى أن تحسّن سلوكها؟
أيها الأذكياء، أين الهيمنة في كل هذا؟ لماذا التشويه ومحاولة تزييف الوعي العام لا بل الأخلاق العامة؟ فبغضّ النظر عن أية نتائج مرجوّة، يجب المصارحة دائما والقول بأن انتهاج "عدم الصدق" في الحيز العام لأغراض المصالح الفئوية الضيقة، وأحيانا لخدمة مصالح شخصية مقنّعة، أو إرواءً لأحقاد قاتمة في غياهب صدور نفوس ضيّقة – كلّها تشكّل إهانة لعقول الناس واستخفافا بهم واستغلالا لهم. وكل هذا ساقط بالتأكيد.
يمكن تفسير هذه الحملة المنظمة لإطلاق مزاعم متهافتة عن "هيمنة الحزب الشيوعي"، بعدة احتمالات. منها ظنٌّ مدفوع باستعلائية مستهجَنة أنه يمكن خداع الناس بمجرد تكرار المزاعم "غير الصادقة" نفسها كل إثنين وخميس. واخترت هنا صيغة مخففة لـ "عدم الصدق" عن قصد. ويتعزّز هذا الاحتمال خصوصًا لأن هؤلاء الذين لا يتجاوزون حفنة حتى داخل التجمع نفسه، لا يقدّمون أيّ دليل أو تسويغ أو معطى أو حتى "تصوّر نظري"، بوسعه إثبات اتهامهم المكرور بالهيمنة. لكن هذه المفردة تواصل التقافز من مقال الى مقال، كضفدع سعيد بتعدّد المستنقعات الصغيرة الناشئة، غافلا عن أن ما يحدث فعلا هو انحسار الماء وتحوّلها الى بقع موحلة متناثرة في طريقها للجفاف.
إحتمال ثانٍ، كما يقول أكثر من مصدر فاعل في الشأن السياسي، سواء كمنتخَب أو محترف أو مهتمّ أو باحث أو أكاديمي، هو أن هناك مجموعة قليلة، لكن مؤثرة، داخل التجمّع، تدفع بقصد ومنهجية باتجاه عدم خوض الانتخابات، بل عرقلة دخول التجمع الى المشتركة، "حتى لو صار رئيسها هو الأخ مطانس شحادة شخصيًا". وتشير تقييمات متعددة الى أن ما يجمع هؤلاء هو عدم حاجتهم لهيئات الحزب كي يسيطروا. فلديهم نفوذهم في هيئات موازية ومرتبطة بالحزب وإن بشكل غير رسمي. وهم لا يتورّعون بالمرّة حتى عن توجيه ضربة لحزبهم، لدرجة دفعه خارج دائرة هامة من دوائر التأثير السياسي، وهي البرلمانية. فليس هناك جوانب تنظيمية ولا مالية، ناهيك عن السياسيّة، تقلق أو تُشغِل المُشار إليهم.
مع ذلك، فهؤلاء القلة ذوو الأصوات العالية والنزعة المتهجّمة والمتجهّمة لدرجة العدوانية التي لا تعرف حياءً بسيطًا أحيانًا، لا يعبّرون عن صوت الإجماع في التجمع ولا حتى عن أكثرية كوادره. بل إنهم لا يُقنعون الجميع في قواعد الحزب بأن المسألة والعقدة الكأداء هي فعلا المقعد رقم 12. وخصوصا أنه احتراما للحزب، قد عُرض عليه المقعد رقم 2 في القائمة المشتركة، وترتيبات وتسهيلات ومساعدات ذات فاعلية وتأثير في حال لم تتحقق توقعات المقاعد المرجوّة.
لذلك، يستنتج كثيرون ممن يرون الصورة في عمقها وليس سطحها مهما بلغ لمعانه وبريقه، بأن هؤلاء القلة يحملون أجندة واضحة ولديهم هدف مرسوم محدد، هو إفشال القائمة المشتركة وإخراج التجمع من الانتخابات والدعوة لمقاطعتها.
بالطبع، فالمشاركة في الانتخابات ليست مسألة مقدسة وفقًا لأيّ معيار. وبالتالي وعلى نفس المنطق فهي ليست كفرًا. مشاركة جماهيرنا في الانتخابات هي نتاج قرار متعلق بالقراءة السياسية البراغماتية. وكل من يريد مغادرة هذه المعركة، لديه كل الحق وكل الإمكانية ولا يحتاج لضوء أخضر من أحد. أصلا، هناك أخوات وأخوة وطنيون ومسؤولون وجدّيون وجديرون ومعطاءون ومتواضعون لا يشاركون في الانتخابات البرلمانية، وهم في هذا مبدئيون مثابرون وبالتالي محترمون. لكن الأمر مختلف تماما حين يأتيك مشارك فاعل في الانتخابات الراهنة ويحارب الآن بحقّ على تحسين مواقعه وقوّته، ولكن تخرج منه أصوات تقول للجميع بفظاظة وجلافة: إما أن تعطوني كذا وكذا وإما "بديش.. وبطّلت ألعب". فهذا سيكون صبيانية مزعجة في أحسن الأحوال، وابتزازا رخيصا وخطيرا في أسوئها. أنا شخصيًا سأظلّ ممّن يأملون ويعملون، لو تسنّى لهم، لأجل بقاء التجمع شريكًا هامًا محترما في القائمة المشتركة. وأعني شريكًا محترمًا بفتح الراء وبكسر الراء.
.png)



.png)




.jpeg)


