قد لا يكون وصفا أدق من المثل الشعبي الفلسطيني "إلتم المتعوس على خايب الرجا"، للتحالف المعلن بين زعيم حزب كحول لفان، رئيس أركان الحرب احتياط، وزير الحرب بيني غانتس، ورئيس حزب تكفا حداشا، غدعون ساعر، الذي ما أن تم الإعلان عن الانتخابات المبكرة، حتى بدأ يبحث عن خشبة انقاذ، تضمن له أنفه فوق الماء، كي لا يغرق في بحر السياسة الهائج؛ إلا أن لهذا التحالف مدلولات سياسية أخرى، ومن بينها أن غانتس يكشف عن عمق مواقفه اليمينية الاستيطانية، بتحالفه مع أحد الرموز السابقة، للجناح الأكثر تطرفا في حزب الليكود، قبل أن ينفصل عنه ساعر في نهاية 2020.
بداية، لنعرض وضعية الحزبين في الاستطلاعات، قبل إعلان التحالف مساء أمس الأحد، فقد أجمعت استطلاعات الرأي في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، على أن حزب غانتس يحافظ على قوته الحالية، 8 مقاعد، في حين أن حزب تكفا حداشا، سيهبط من 6 مقاعد في الانتخابات السابقة، إلى 4 مقاعد، ما يعني أنه في دائرة التهديد بعدم اجتياز نسبة الحسم.
بسرعة البرق، أعلن مساء أمس، بالتزامن مع نشر نبأ التحالف، أن تحالفا كهذا سيحقق 15 مقعدا، ما يعني زيادة 3 مقاعد في الاستطلاعات، على الورق. لكن مثل هذه الاستطلاعات خبرناها على مدى السنين، فقسم من الجمهور يبحث عن الجديد، وللوهلة الأولى يسمع عن تحالف وتجميع قوى، فيتجه له.
فعلى سبيل المثال، حينما أعلن غدعون ساعر انشقاقه عن حزب الليكود في نهايات العام 2020، "بشّرته" استطلاعات الرأي بحصوله على 17 مقعدا، إلا أنه لاحقا، بدأ التراجع في الاستطلاعات، وآخر استطلاعات قبل انتخابات آذار 2021، تنبأت بحصوله على ما بين 9 مقاعد كأدنى حد، إلى 13 مقعدا، كأقصى حد، بما فيها استطلاعات يوم الانتخابات.
إلا أن ساعر مع حزبه حصل في الانتخابات على 6 مقاعد، وبصعوبة، وبفعل اتفاقية فائض أصوات مع حزب "يسرائيل بيتينو"، بزعامة أفيغدور ليبرمان، إذ تجمعهما المواقف المتطرفة، والعدائية لشخص نتنياهو، وليس الليكود.
قبل أكثر من عامين بقليل، ومع تشكيل حكومة نتنياهو- غانتس، في أيار العام 2020، كتبت أن من يدخل حكومة نتنياهو من خارج فريقه الملتزم، فقد مات سياسيا، ويومها كان لغانتس الذي شقّ تحالف كحول لفان الأوسع، رغم أنه كان يرأسه، 15 مقعدا، وهبط في الانتخابات التالية في آذار 2021، إلى 8 مقاعد، تماما كما توقعت له استطلاعات الرأي طيلة الوقت، وأيضا حتى الآن.
ما يعني أن شراكة غانتس مع نتنياهو لم تؤد به الى زوال سياسي، ولكنه هبط من زعيم تحالف، ينافس على رئاسة الحكم، وكان لديه 33 مقعدا، الى رئاسة كتلة وسطية من حيث معدل حجم الكتل البرلمانية، بـ 8 مقاعد، وأقصى ما حصل عليه في الحكومتين، وزارة الحرب.
وبعيدا عن الأرقام والاستطلاعات، فإن تحالف غانتس مع ساعر، هو المؤشر الثالث خلال عامين، على توجهات اليمين الاستيطاني الراسخة لدى غانتس، خلافا لما يحاول بثّه، ومعه جوقة وسائل إعلام صهيونية.
الدلالة الأولى شراكته في حكومة بنيامين نتنياهو، التي اتبعت أقسى سياسات اليمين الاستيطاني، ولم يعترض عليها غانتس، وكانت مشكلته في تلك الحكومة هي احترام اتفاقيات الائتلاف، بما يضمن استمرارية الحكومة، حتى يتولى بعد عامين رئاسة الحكومة، بموجب اتفاقية الائتلاف، إلا أن نتنياهو تعامل مع غانتس كخرقة بالية (شريطة ممزقة)، ولم يعره اهتماما، ونقض بنودا أساسية في الاتفاق منذ الأيام الأولى لتلك الحكومة، التي لم تصمد لأكثر من 7 أشهر.
الدلالة الثانية، هي شراكته في حكومة نفتالي بينيت- يائير لبيد، وهي أيضا سيطر عليها اليمين الاستيطاني في كل المجالات، بما فيها الاستيطان، فكان أول قرار يصدره غانتس هو تثبيت البؤرة الاستيطانية الجاثمة على جبل صبيح في منطقة نابلس، وامتناعه عن اخلاء البؤرة الاستيطانية جنوب جنين، والجاثمة حيث كانت مستوطنة حوميش، التي تم اخلاؤها في العام 2005.
والدلالة الثالثة هو تحالفه مع غدعون ساعر، الذي أبرز شركائه حاليا، زئيف إلكين، فساعر أساسا، ابن الليكود منذ سنوات شبابه الأولى، كان يمثل في الليكود التيار اليميني الاستيطاني الأشد تطرفا، واعترض حتى على بوادر لقاءات مع القيادات الفلسطينية، وهو من أنصار ما تسمى "أرض إسرائيل الكاملة"، وفي الحكومة الحالية، هدد بالانسحاب منها، إذا تم اخلاء بؤرة حوميش السابق ذكرها. ويعزز هذا الموقف، شريكه إلكين.
وغانتس ليس شخصا ساذجا، فهو رئيس أركان الحرب، وقاد جيش الاحتلال لسنوات، في عمليات وحروب دموية، ويعرف تفاصيل كل واحد يجلس إلى جانبه، لذا فإن غانتس لا يرى أية مشكلة سياسية في الشراكة مع ساعر، وهذا يؤكد مجددا طبيعة غانتس.
من السابق لأوانه حسم مصير هذا التحالف، الذي قد يتم تعزيزه بـ"أسماء نجومية"، مثل رئيس أركان الحرب السابق غادي أيزينكوت، بحسب ما ينشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية. إلا أن نجومية رئيس أركان قد خفتت منذ سنوات طوال في الحلبة الإسرائيلية، فرئيس الأركان الأبرز والأقوى الذي حظي بشعبية كان يتسحاق رابين، وبعده، وبشكل خاطف ولفترة قصيرة جدا، كان إيهود باراك، الذي أطاح به الشارع بعد توليه رئاسة الحكومة بعشرين شهرا، منذ ربيع 1999 وحتى شتاء 2001.
ما يعني أن أيزينكوت قد يضيف "جمالية عسكرية" لهذه القائمة، ولكن من المشكوك به جدا، أن يضيف لهذا التحالف قوة جدية.
إذا كانت استطلاعات الرأي تمنح تحالف غانتس ساعر 15 مقعدا، فهذه بداية ليست "موفقة" لكليهما، فحتى تقديم القوائم الانتخابية في منتصف أيلول المقبل، ستتقلب الكثير من استطلاعات الرأي، وقد يحقق هذا التحالف قوة زائدة، ولكن تحت سقف 15 مقعدا وفق الظروف القائمة.
أما مصدر القوة الزائدة المتوقعة، وفي حال حدوثها، هو لجم هروب أصوات حصل عليها ساعر في الانتخابات السابقة لصالح الليكود، ولكن التحالف قد يحصل أيضا على جزء من حصة حزب يش عتيد في استطلاعات الرأي.
الأمر الذي يبقى مفتوحا وليس محسوما، هو ما إذا هذه الزيادة البسيطة ستحرم نتنياهو من الأغلبية المطلقة التي تضم حزب يمينا، لأن هذه الأغلبية حتى الآن تتراوح ما بين 62 إلى 63 مقعدا.
وإذا حصل هذا بالفعل، فإن الانتخابات السادسة قد تطرق الأبواب بعد فترة قصيرة نسبيا، ولكن أيضا هذا من السابق لأوانه الحديث عنه، لأنه يبقى في اطار فرضيات ضعيفة حتى الآن.






.png)




