يقول أبو حيّان التّوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة"، في اللّيلة الخامسة والعشرين: "أحسن الكلام ما رقّ لفظه، ولطف معناه، وتلألأ رونقه، وقامت صورته بين نظم كأنّه نثر، ونثر كأنّه نظم". إن في هذا حكما قيميّا جماليّا بالغ الدّلالة في تصنيف الكلام بين شعر ونثر، ومحاولة لكسر تلك الضّدّيّة الموهومة بين هذين النّوعين الكبيرين؛ الشّعر والنّثر. كأنّه أيضا يحاول التّوفيق بين المذهبين المتصارعين، ولو في الخفاء على أيّهما أجود، الشّعر أم النّثر. المسألة مهمّة إذن في سياقها الأدبيّ العامّ، وخاصّة في مجالس الأدب في ذلك الوقت الّتي كانت فيها الغلبة للشّعر بوصفه مادّة للإمتاع والمؤانسة.

إذن، هناك صراع ما غير معلن بين النّثر والشّعر، سيحسم لفترة ما لصالح النّثر، وليس لصالح الشّعر، وهي فترة نزول القرآن الكريم. ووجود نصّ قرآنيّ مختلف، ينطبق عليه كلام التّوحيدي في أنّه أحسن الكلام، فقد قامت هيئته "بين نظم كأنّه نثر، ونثر كأنّه شعر".

لقد سيطر الشّعر على الثّقافة العربيّة قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام ليواكب تلك الثّقافة ويحاول اختراقها، فحدث نوع من الصّدام الثّقافيّ الفنّيّ، ثمّ بدأ التّعايش يظهر بين الثّقافتين القديمة المستقرّة والثّقافة الحادثة الجديدة. لم يكن الأمر سهلا بتاتًا، فقد كانت الحياة العربيّة تعيش حالة من الرّتابة في إيقاعها العامّ، واستقرّت الأوضاع تمامًا، كأنّها وصلت إلى حالة من الإشباع في كلّ شيء، ولم يعد هناك زيادة لمستزيد، بدلالة ما أثر عن الشّعراء، رسل الثّقافة وقتذاك، من أنّ كلّ شيء أصبح معروفًا، وما نحن إلّا مكرّرون، لا زيادة حقيقيّة على ما نقول. هل أصبحت الحياة الثّقافيّة ضجرة إلى هذا الحدّ؟ هل كان المثقّفون في تلك المرحلة، وهم الشّعراء غالبا، يبحثون عن منفذ لمأزق الإبداع؟ ربّما أخذت الأسئلة الثّقافيّة والوجوديّة تتسلّل إلى القصائد، ولكن دون إجابات شافية. أخذ الشّاعر يسائل الطّلل ويطرح رؤاه العميقة في تلك المقدّمات الّتي كانت تنمّ عن حالة من القلق الإبداعيّ الإيجابيّ:

أمن أمّ أوفى دمنة لم تَكَلّمِ// بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم؟

وَقَفتُ بِها مِن بَعدِ عِشرينَ حِجَّةً// فلمّا عَرَفتُ الدارَ بَعدَ توَهُّمِ

تَبَصَّرْ خَليلي هَل تَرى مِن ظَعائِنٍ// تَحَمَّلنَ بِالعَلياءِ مِن فَوقِ جُرثُمِ؟

صحيح أنّ الشّاعر الجاهليّ كان يسائلُ الطّلل والآثار الباقية، ولكنّه بالتّأكيد لم يكن ساذجًا ليقف عند هذه الحدود، وربّما هذا المعنى السّطحيّ هو ما وصل لأبي نُوَاس من مساءلة الجاهليّ للطّلل عندما تندّر قائلًا منطلقًا من شعوبيّته البغيضة، فلم يرَ في المسألة غير فعل عبثيّ محض:

قل لمن يبكي على رسم درسْ// واقفًا ما ضرّ لو كان جلس.

جاء القرآن في ظلّ هذه الأوضاع الثّقافيّة القلقة، المعبّأة بالشّعر، بالرّتابة، بالإيقاع، بالوزن، بالقافية، فأوجدت سدًّا منيعًا لا شيء يستطيع كسره، جاء القرآن وفجّر بنيانه، وهدّم أساسيّاته، واستطاع أن يضربه ضربات زعزعت ثقته بنفسه، فما الّذي فعله القرآن الكريم من أجل ذلك؟

وظّف القرآن الكريم ما عرفه العرب من معارفَ وأساليبَ ومفردات، وثقافة وفلسفة، وأثار الأسئلة الّتي يسألها المثقّف العربيّ في تلك الأثناء، ولذلك لم يكن القرآن الكريم غريبًا عن العرب في أيّ أمر من الأمور: المعرفيّة والثّقافيّة والأسلوبيّة واللّغويّة، وحتّى العقدية أو الأسطوريّة، ولكنّه أعاد صياغة كلّ تلك المعارف بشكل لافت للنّظر، فلم يستحدث أسلوبًا كتابيّا جديدًا، وإنّما أفرغ المضمون في قالب فنّيّ عامّ كانت وحدته الصّغرى الآية الّتي تناظر البيت في القصيدة، وقد وصلت إلى حدّ الاقتصار على الحرف؛ في آيات الحروف المقطّعة، ثمّ الآية الكلمة، كما في قوله تعالى: {مدهامّتان/ الرّحمن 64}، والآية الجملة في كثير من آياته، وخاصّة القرآن المكّيّ، والآية المكونة من عدة جمل، كآية الدَّيْن مثلا الّتي أخذت مساحة نصّيّة كبيرة في المصحف، متجاوزة في طولها العديد من قصار السّور، وأعاد للوحدات اللّغويّة أهمّيّتها في الكلام، بدءا من الحرف وانتهاء بالجملة الطويلة.

ثمّ جاءت السّور الّتي تناظر القصائد، وجاءت طويلة وقصيرة، وأشار إلى الوحدة العامّة للنّصّ القرآنيّ بوصفه كتابا متآلفا يجمع سوره بين دفتي كتاب، فيما بعد، ليناظر في ذلك ديوان الشّعر، والمجاميع الشّعريّة.

والسّؤال المهمّ: هل كان القرآن الكريم يتغيّا بهذه الوحدة من التّأليف في الكلام تحطيم البيت الشّعريّ العربيّ المستقرّ في الذّاكرة الثّقافيّة العربيّة؟

لقد ثار القرآن الكريم على طريقة تأليف العرب للكلام، وخلخل مفاهيم البيت والقصيدة؛ فوقف التّأليف القرآنيّ وطبيعته في الآية الواحدة موضع تساؤل واندهاش وتأمّل من الشّاعر العربيّ والإنسان العربيّ على حدّ سواء، ووقفت الآية في منطقة وسط بين النّثر المعروف آنذاك والشّعر، فأتّكأت كثير من الآيات على الإيقاع وعلى الوزن أيضا. ولم يكن تحطيم القرآن لنظام البيت أمرا سهلا، لا سيّما وأنّ المقدرة الفنّيّة عند العرب كانت تقاس بالبيت أوّلا، فحفلت أقوال الشّعراء والرّواة والنّقّاد القدماء بمقدرة الشّعراء على استثمار البيت الواحد لعدّة متآلفات أو متناقضات، كما سبق وذكرت ذلك في الحديث عن "تقنيّة الكتابة في الجملة الاسميّة"*، فوجدت مقولات أحسن المطالع، وأجمل بيت، وأغزل بيت، وأهجى بيت، وأمدح بيت، وغير ذلك، وقد انعكس هذا أيضا على الشّكل الخارجيّ للسّورة، والشكلّ الفنّيّ في نهاية المطاف، ليجد العربيّ نفسه أمام نصّ، له مواصفات القصيدة أحيانا، ولكنّه ليس شعرا، وله مواصفات النّثر، ولكنّه أيضا ليس نثرا كالنّثر الّذي كان سائدا عند كهّانهم.

كما أعطى القرآن الكريم للعرب طريقة للتّدرج في بناء العمل الفنّيّ، ولكنّهم لم يدركوا ذلك إلّا بعد جمع القرآن ضمن كتاب واحدٍ، له بداية وله نهاية، متآلف ومتناسق، وهكذا وجد في حياة العرب أوّل كتاب مجموع له صفة العمل الأدبيّ عالي القيمة والمستوى. لقد كان الأمر مذهلًا حقًّا للعرب. وجد لديهم كتاب، كما كانوا يشاهدون التّوراة والإنجيل بين يدي أتباع المسيح وأتباع موسى عليهما السّلام. وربّما سدّ القرآن الكريم بوجوده الماثل بين دفّتي المصحف ما كان ينقص الحياة العربيّة من وجود كتاب مؤلّف، كما كان عند الأمم الأخرى، تلك الأمم الّتي اطّلع العرب على ثقافتهم، وربّما حسدهم العربُ لوجود كتب في حياتهم الثّقافيّة.

هذا كان خرقًا شديد الدّلالة للحياة الثّقافيّة العربيّة، إيجاد كتاب مضموم الأجزاء بعد أن كان مفرّقًا شفويًّا. لقد كان هذا العمل رسالة أدبية أيضًا، وليس فقط رسالة دين: عقيدة وشريعة.

أمّا رسالة القرآن الكريم الأدبيّة الثّانية فقد تمثّلت في مقدرة القرآن الكريم على كسر الرّتابة الشّعريّة الّتي عبّأت الثّقافة العربيّة في ذلك الوقت، من خلال نصّ جمع بين سمات الشّعر مع أنّه ليس شعرا، وأسّس لوجود نثر فنّيّ عالي المستوى موظّفًا ما كان معروفًا من أساليب نثريّة، ولكنّه تفوّق عليها في فصاحته وسلاسته واستدراج الذّائقة العامّة إلى ذلك النّثر الجديد، فكأنّه "شيء من سردٍ قليل"، أو كأنّه أيضًا "شيءٌ من شعرٍ قليل" أو بعبارة التّوحيدي: "نظم كأنّه نثر، ونثر كأنّه شعر". وهكذا كان القرآن عاملا حيويًّا لتصدُّع الجبهة الثّقافيّة القائمة على الشّعر، وهذا درس مهمّ يجب أن يُدرك من "الظّاهرة القرآنيّة" في أنّه لا بدّ من كسر الرّتابة كلّها في الإيقاع والفنّ والأسلوب في كلّ الوحدات المكوّنة للأدب، بدءا بالوحدة الأولى المتمثّلة بطبيعة وجود اللّفظ في التّركيب، وانتهاء بالنّصّ، مرورا بالسّطر أو البيت أو المقطع. وهذا يتطلّب كسرًا للرتابة في الحياة عمومًا، ولن أبالغ لو قلت: إنّ القرآن الكريم نفسه بما يقدّم من نصّ مفتوح على التّأويل، وما قدّمه من تحفيز التّفكير ولّد في الحياة العربيّة ديناميكيّة متجدّدة عبر آليات الاجتهاد الفقهيّ. تلك الآليّات الّتي ما إن توقّفت في حياة العرب حتّى توقّف العمل بروح القرآن الكريم وفلسفته البعيدة المرمى والهدف في الحياة الإنسانيّة.

لقد أسرفت في توضيح المسألة فيما سبق، لكنّه كان أمرًا ضروريًّا أن أبيّن بعض جوانب الصّنعة الأدبيّة، ومدى الاستفادة من القرآن الكريم. ومن هذه الصّنعة الباهرة انبثقت مجموعة القصائد المعنونة بـ "وشيءٌ من سردٍ قليل"**، مُحِيلةً أوّلًا على القرآن الكريم في الاستفادة من الآية القرآنيّة " وَشَيْء مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ" (سبأ، آية 16). فواضح جدّا هذا التّقابل بين الآية القرآنية وعنوان تلك النّصوص، والتّماثل بين الألفاظ، وتبادل الحروف بين لفظي "سرد" وسدر".

لقد توخّيت أن أكسر الرّتابة في الشّعر والنّثر معًا، وهي لعبة فنّيّة كثيرا ما وظّفتها في دواويني الشّعريّة، فكسرت رتابة الشّعر بالسّرد، وكسرت رتابة النّثر بالشّعر، لتوليف نصّ جامع، حيويّ، ليس نثريًّا بالخالص، وليس شعريًّا  بالمطلق، دون أن أدّعي أنّني أكتب قرآنًا بطبيعة الحال، ولكنّني متأثّر بالقرآن الكريم بوصفه ظاهرة إبداعيّة يجب أن يستفاد منها بصورة شاملة، وليست جزئيًّا فقط، بهذا الامتزاج الحيويّ بين قوانين النّثر وقوانين الشّعر.

هذا الذي كنت أتغيّاه، عندما شرعت بإعداد هذه المجموعة الشّعريّة، وقد تنبّه لذلك محرّر مجلّة الكلمة الّتي نشرت النّصوص الخمسة الثّانية، فقدّم لها بالقول: "يسكن الشّاعر اللّغة، ويعبّر من خلالها في رحلة سفر مزدوج بينه وبين أناه، سفر ذهاب وإياب، كلاهما يبحث عن الآخر. ليشكل الشّاعر من لغته بعضا منه، وتحيك اللّغة بعضا من ملامح صورة وصدى الشّاعر فيها. هي أقرب إلى لحظة تصيغ فيها أحاسيس الحبّ ورغبة الكتابة ووجع الشّاعر لحظة شعريّة يقترحها الشّاعر الفلسطينيّ هنا، بعضا من حكي".

 

// هوامش

* نُشرت هذه الشّهادة في صحيفة الاتّحاد الحيفاويّة، بتاريخ: 30/4/2019.

** نشرت من هذه النّصوص مجموعتين؛ الأولى في مجلة "حروف الضّاد"، العدد الأول، خريف، 2018، وتتكوّن من (30) مقطعًا شعريًا/ سرديًا، والثّانية في صحيفة الاتّحاد، حيفا، بتاريخ: 11/4/2019، وتتكوّن من (5) نصوص، وأيضا في العدد (145- مايو- 2019) من مجلة الكلمة الإلكترونيّة.

;