في بلاد الينابيع المسروقة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عين بوبين التي قربها قتلت الفتاة رينا شنراف، سرقت بحماية الدولة مثل عشرات الينابيع الاخرى في الضفة الغربية

 

ما هو الاكثر مثالية من صورة مشهد طبيعي لنبع يتدفق من بين الصخور، ينبع من الجبال، ومياهه النقية تتدفق بهدوء وتصب في بركة صغيرة فيها يسبح الناس باستمتاع. ما هو الاكثر سذاجة من اطفال وآبائهم الذين يغطسون في بركة طبيعية مياهها تميل الى اللون الاخضر، وصوت تدفق المياه يختلط مع صوت السعادة والفرح. وما هو الاكثر اثارة من اللافتة التي توجد الى جانب أحد ينابيع الخلاص هذه: "أيها المتنزهون الاعزاء، اهلا بالقادمين الى ينابيع عنير". 

النبع اقيم باستثمار كبير من شباب نيريا. يوجد لنا، نحن الذين نحب المكان، طلب واحد صغير وهو المكوث في المكان بملابس تحترم جميع الزوار، من خلال الاهتمام بالمكان واحتياجات الآخرين. لقد قمنا ببناء المكان من اجلكم ومن اجل كل شعب اسرائيل. هدفنا هو أن يتجول الجميع ويستمتعون معا بالينابيع.

القلب واسع: "من يحبون المكان"، "الاهتمام باحتياجات الآخرين"، "أن يتنزه الجميع". الانسان، الطبيعة والقانون: الانسان سعيد، الطبيعة مدهشة، ولكن هذا النبع مثل امثاله سرق من اصحابه. تم السطو عليه وسلبه، نهب بيد فظة ووقحة وبعنف يثير الغضب. "الجميع والاهتمام موجهة هنا لليهود فقط. في ينابيع الابرتهايد هذه المياه المسروقة لن تكون عذبة. 

اصحاب الاراضي الفلسطينيين يمكنهم فقط أن ينظروا بعيون حزينة من نوافذ بيوتهم الى حقل الزيتون الخاص بهم المتروك والذي اضطروا الى اهماله بسبب جشع سادة البلاد الذي لا يعرف الحدود، وفي قلب هذا الحقل يوجد النبع الذي سرق منهم ايضا. ذهب الكرم وذهب النبع وذهبت العدالة، وكل شيء بالطبع برعاية الدولة ومؤسساتها.

حسب باحث الاستيطان، درور اتكيس، من جمعية "كيرم نبوت"، الذي كتب في 2012 تقرير من قبل وكالة "اوتشا" التابعة للامم المتحدة عن سرقة الينابيع، يوجد اليوم اكثر من 60 نبع كهذه في وسط الضفة، التي اخذها المستوطنون لانفسهم في عملية السطو على الينابيع التي بدأت قبل عشر سنوات.

في حوالي نصفها انتهت المهمة: النهب تم والفلسطينيون منعوا حتى من الاقتراب منها وكذلك الاقتراب من اراضيهم. الينابيع الاخرى توجد في مراحل مختلفة من سيطرة المستوطنين، بعد أن تم التأشير عليها كهدف. اتكيس يشرح بأن السيطرة على الينابيع هي جزء من خطة طموحة اكثر للسيطرة على الفضاء العام المفتوح في الضفة، الذي يضم ايضا اقتحام مسارات المشي، اعلان عن قبور "القديسين" ومسارات تنزه واستجمام – وكل ذلك على اراضي خاصة.

الهدف هو تحويل القرى الفلسطينية الى قرى معزولة بدلا من أن تكون المستوطنات هي المعزولة. وبالطبع، السيطرة على المزيد من الاراضي. في نهاية الاسبوع الماضي جبى هذا المشروع الاجرامي ثمنه: مياه النبع اختلطت بدماء الشابة رينا شنراف التي قتلت بانفجار عبوة ناسفة وضعت قرب أحد الينابيع وأصيب والدها وشقيقها.          

 

كرم، منطقة عسكرية

 

تجولنا هذا الاسبوع في ارض الينابيع المسروقة بمرافقة ايتكيس. شخص يعرف المنطقة ويعرف هنا كل اسطبل بناء المستوطنون سرا.،كل حجر وكل نبع. المشهد كان يأسر القلب، الحقيقة التي تختفي خلفه تجعل الدماء تغلي في العروق. معظم الينابيع المسروقة كانت خالية هذا الاسبوع من الناس، رغم العطلة الصيفية، يبدو بسبب الخوف من العملية التي حدثت في عين بوبين. طريق ترابية طويلة تؤدي الى عين بوبين، التي يسميها المستوطنون "عين داني، على اسم داني غونين الذي قتل في عملية ليست بعيدة من هنا قبل اربع سنوات، بعد أن استحم هو ايضا في هذا النبع. في نهاية الاسبوع الماضي قتلت هنا ايضا الشابة شنراف.

الطريق الترابية التي تهبط من سفح الجبل الى الوادي الخصيب، قام بشقها المستوطنين بصورة غير قانونية. هي تمر في كرم زيتون يعود لفلاحي القرية المجاورة دير بزيع. اشجار الزيتون تقف الآن مهملة ومتروكة، ارضهم غير مفلوحة، الاشواك والاعشاب البرية تحيط بها، اصحابها لا يسمح لهم بالدخول لفلاحتها عدا عن يومين إلى ثلاثة في السنة. وهذا الامر يظهر من خلال المشهد المحزن. لقد كان هناك كرم لمزارعي دير بزيع. 

ولكن كل سفح الجبل وحتى الوادي الاخضر والذي يوجد في وسطه النبع، تم السطو عليه. نبع، طريق ترابية – ولا يوجد هناك كرم. في منتصف الطريق المهجورة ظهر فجأة عدد من الجنود المسلحين، غير مسموح الدخول، منطقة عسكرية مغلقة.

علم اسرائيلي كبير تلوح به الرياح، عودة الى الشارع الرئيسي، أهلا وسهلا بالقادمين الى تجمع دوليف – تلمونيم. ايضا الكرم لاهالي قرية الجانية ذهب. عين أم سراج، النبع الموجود في قلب كروم الزيتون يسمونه الآن "عين تلمون" والطريق اليه تمر داخل الاراضي المسيجة لمستوطنة تلمون، مع توابعها المتوحشة. الكيرن كييمت اعلنت "طريق يحيط بينابيع تلمونيم". وكذلك يحيط بحرش الدلب. هنا اشجار الزيتون المهملة على جانب الطريق المغلق امام الفلسطينيين هي اشجار قديمة. ايضا هي تقف حزينة على جانبي الشارع غير القانوني.

النبع المسروق معتنى به جيدا، لكن القمامة تتناثر حوله. حب البلاد، شابة صغيرة وثلاث بنات من مستوطنة دوليف المجاورة يسبحن في بركة النبع بكامل ملابسهن واغطية الرأس. البنات يسمونها جدة. سلة لرامي ليفي مرمية في الخارج. وكما في كل هذه الينابيع ايضا هنا يحافظون على الفصل والمرأة تقترح الخروج من المياه من اجل أن نستطيع أن ندخل اليها.

خرائب بيت فلسطيني تقف الى جانب البركة، بقايا حجرية صامتة لما كان هنا ولن يكون مرة اخرى. "يهودي لا يقوم بتبريد يهودي"، هذا الشعار الهزلي مكتوب على حائط البيت القديم. ايضا مستوطنة تلمون تفصل بين الكرم وبين القرية الفلسطينية التي كان يعود لها.

"كعكة، كعكة، في دائرة ندور، لنجلس ونقوم"، هكذا كانت تغني بفرح المرأة والبنات. كيس فارغ لدوريتوس يتدحرج على الارض. ثلاثة شباب مستوطنين يجلسون قرب طاولة الكيرن كييمت مع قمصان "تجربة الركض في مناطق التوراة". البؤرة الاستيطانية التي تقف في الاعلى تسمى تلة البركة. الآن هي تعتبر حي في تلمون. فيلات مع مشهد للمياه. موقع عسكري داخل المستوطنة من اجل حمايتها.

في كرم الزيتون لقرية المزرعة القبلية، اللافتات تقود الى تلة مصانع الخمور. الى كل هذا الهذيان اضيف ايضا نموذج ضخم لفيل مصنوع من البولستر في تلة مصانع الخمور. بين بيوت متسبيه حورشا توجد لافتات تؤدي الى نبع "حراشا". "اهلا وسهلا باسم الله، نحن سعداء بقدومكم، بمحبة كبيرة، الى حورشا".

باسم الله وبتلك المحبة سرقوا ايضا النبع الذي يوجد في الوادي. يظهر جندي، طفل يتأرجح في ارجوحة، منشأة سرية متحركة للجيش الاسرائيلي تراقب الوادي الذي حدثت فيه العملية في يوم الجمعة الماضي. نبع حورشا يوجد قريب جدا من بيوت قرية المزرعة القبلية، والطريق اليه خطير، قال الجندي. المستوطنون ينزلون اليه وهم مسلحين. ايضا هذا النبع لم يعد يعود لاصحابه. نبع له منبعين نقيين وباردين، مليء بشكل عام بثلاثة امتار". هكذا يعد موقع "ارض الينابيع" للمستوطنين. "شكرا لشباب نيريا، المستوطنة المجاورة، على المعلومات".

الآن نصعد الى البؤرة الاستيطانية زيت رعنان. يوجد شيء كهذا. ليس بعيدا عنها، قبر النبي عنير، وبعد ذلك تهبط الطريق داخل حقول الزيتون، مهملة رغما عنهم، الى "ينابيع عنير"، وهي عين الشونة وعين البطمة بالاسم الاصلي. هنا اقام المستوطنون ثلاث برك، كما في كل ينابيع المكان تم تأهيل واصلاح النبع بصورة مدهشة. يوجد حتى لافتة عليها رقم هاتف الطواريء. نبع الكرمة، نبع الشباب ونبع نيريا. البرك مغطاة بعريشة دوالي متسلقة. بستان فلسطيني لاشجار الفواكه حولها.

مجموعة من شباب مستوطنتي نيريا ودوليف يسبحون في المياه. هم يتحدثون عن وعد رئيس الحكومة ببناء 300 وحدة سكنية في دوليف. جائزة ترضية على العملية. "أخي، هذا مثل وعده بـ 300 وحدة سكنية في بيت ايل"، قال أحدهم. هذا هو الحوار في البركة هنا. بيوت الطوابق لقرية دير عمار تطل على النبع، كل كل نافذة يرون المستوطنين وهم يضعون ارجلهم في نبعهم المفقود. 

ليس من الصعب تخيل ماذا يشعرون في دير عمار. ايضا هنا منظر اشجار الزيتون يفطر القلب. وكأنها تتوسل للمساعدة. "يبنون هنا نبعان آخران، يا أخي"، قال احد الشباب في المياه. "أبي سمع الانفجار في يوم الجمعة. من شرفة بيتنا رأينا سيارات الاسعاف وهي تصل".

طاقم من "مصدر أول" جاء الى هنا من اجل اعداد تقرير عن الينابيع. مسموح الافتراض بأن وجهة نظرهم ستكون معكوسة. موسيقى عربية تتصاعد من بيوت دير عمار، تغرق صمت الوادي. ايضا الشارع الذي يوصل الى هنا هو غير قانوني بشكل واضح. اتكيس يشرح بأنهم هنا صادروا الاراضي، المستوطنون ببساطة شقوا الشارع وكأنها ارضهم.

في الصباح، في الطريق الى هنا، وامام مستوطنة نيلي، قفز اتكيس من مكانه في السيارة مثل الذي لدغته افعى. لقد شاهد على جانب الشارع حظيرة كبيرة لم تكن هنا قبل بضعة ايام، مخزن للحبوب، شاحنة تستخدم للنوم، مولد للطاقة وخزان للمياه – هناك بؤرة استيطانية في الطريق تضم اراضي الرعي الواسعة التي ستضم لصالح رعاة الاغنام الجدد.

        

السيطرة التي فشلت

 

فوق ينابيع عنير هناك جرافة تقوم باعمال حفريات في مستوطنة نيريا التي تقع اعلى البرك. على جانب الشارع الذي يؤدي الى كيرم ريعين ونحلئيل، توجد طاولات للتنزه في حقل مهجور. نحن هبطنا من الشارع باتجاه وادي الزرقاء. لافتة من قبل وكالة التطوير التابعة للامم المتحدة (يو.ان.دي.بي) من سنة 2018 تشير الى أن هذا المكان هو المكان الوحيد الذي فشل فيه المستوطنون في مؤامراتهم. 

لقد حاولوا السيطرة ايضا على النبع الذي يوجد في اسفل الوادي. ولكن الحضور الفلسطيني ثابت لمزارعين وغياب شارع للمستوطنين فقط منعهم حتى الآن من تنفيذ مأربهم. انتظروا، انظروا. فقط هناك اشارة طريق على الصخرة بقيت من محاولة السيطرة الفاشلة هنا.

في العين الصغيرة التي هي الآن "عين عطيرت" نجحوا. على طاولة التنزه التي توجد بجانب البركة المهجورة كتب من قبل "سياحة بنيامين"، "مقدم مع المحبة". ويصعب التفكير بسخرية أكثر من ذلك. فقط العلم الفلسطيني الكبير الذي يتسلى بالرياح التي تهب من اعلى مدينة روابي ما زال يذكرنا أين نحن موجودين.

نهاية الجولة في عين القوس، على سفح قرية النضال النبي صالح، التي اصبحت الآن تسمى "عين مئير". عدد من الجنود الذين يحرسون شخص متدين من موديعين عيليت جاء الى هنا مع اولاده. الثلاثة منشغلون بأخذ اسماك صغيرة من بركة المياه بواسطة كيس نايلون. من الممنوع من الوصول الى هنا؟ سألنا الجنود. "العرب"، اجاب أحدهم. "هذا المكان لليهود فقط". كلمات اغنية ليورام ليف منقوشة على اللافتة التي توجد تحت ظل شجرة تين. "قطعة من الله وقطعة من الجنة، لن اطلب أي شيء، فقط حجر صغير من اجل وضع رأسي عليه في ظل شجرة الزيتون وارتاح".

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية