قرأت مقال الصديق هشام نفّاع "ترامب 4 سنوات، غزّة للأبد". المقال قويّ مدعوم بالحجج الصلبة والمنطق السليم، مقال يفشّ الغلّ. يعرف الجميع أنّ ترامب مستثمِر عقاريّ تاجر خرسيس نرسيس! تصريحاته عن غزّة كلام شطط، أدبْ سِيس، مساومات تجاريّة رخيصة. ترامب يُفاصل. هذا هو دينه وديدنه. لكنّه لا يعرف أنّ مَن "يُشابي" على القطوف العالية قد يقع وتنكسر رقبته!
ترامب لا يُخيفني وإن كان يُغيظني.. يُغيظني جدًّا. لا يُخيفني لأنّ أهل غزّة، ببساطة متناهية وعلى بساط أحمديّ، لن يتركوا أرضهم. سمعت مقابلة متلفزة مع واحد أشعث أغبر من غزّة يقول بمرارة طافئة كلامًا حلوًا: "اللي خايفين عليه قاعدين عليه يا ترامب.. واللي شرب البحر بشرب لبحيرة". ولن تقبل مصر والأردن أصلًا اللعب بهذي الورقة التي لفّها ترامب بكلّ أساليب الإهانة المتعمّدة. ما يُغيظني أن يصل ترامب في استهتاره واستخفافه بالعقل الفلسطينيّ بصفة خاصّة والعربيّ بصفة عامّة إلى درجة من الزعرنة لا يمكن قبولها. وهذه يحصّلها ترامب في ظاهرة لغويّة تداوليّة معروفة في لهجتنا بصيغتين اثنتين: عَشَانْ وعَلَشَان. وهما من أعنف أنساقنا الثقافيّة المتداولة.
والصيغتان منحوتتان من تركيبين اثنين: "على شان" و"علا شان". والشأن في الصيغتين يعني الأمر والقدر والحالة والمنزلة. وقد تُخفّف فيُقال شان. كانت بعض القبائل العربيّة تُسهّل الهمزة، أي تُهمل نطقها، إن لم تكن في أوّل الكلمة. لهذه الظاهرة بصيغتيها الاثنتين معانٍ عدّة في سياقات التعليل، أقصد في تفاعلات العلّة والمعلول، كأن تكون بمعنى لأجل وحتّى وكي ولأنّ وبما أنّ. وهكذا في المحصّلة الأخيرة تعني هذه الظاهرة أن يفعل أحدهم خيرًا لأحدٍ أو لأجله لسببٍ ما. وترامب يستعمل كلّ صيغة منهما في سياق مختلف:
(1) "عَشَان" منحوتة من لفظتين "على شان". وهي تعني أن تفعل خيرًا "على شان أحد"، أي على قدر شأنه وقيمته ودوره ومكانته العالية وبقدر ما "يستحقّه" هذا الأحد بمنزلته الرفيعة المعروفة وفضله عليك وعلى العباد والبلاد. ولأنّ قيمته رفيعة مرفوعة في الأصل فلا بدّ أن تفعل أنت شيئًا على قدر شأنه. لا بدّ أن تفعل له أو لأجله شيئًا حتى وإن كنت لا تطيق. وهي في الأصل جملة إسميّة اختُصرت وتعني "الموقف من إنسان على قدر شأنه". بهذا المعنى لا بدّ أن تفعل مصر والأردن شيئًا "عشان" ترامب، "عشان" فضله سابق عليهما كلتيهما ولحم أكتافهما من خيرات أبيه. بهذي اللغة بالضبط يتحدّث ترامب "مع" مصر والأردن.
(2) "عَلَشَان" منحوتة من لفظتين "علا شان". وهي تعني أن تفعل خيرًا لفلان قد علا شأنُه في نظرك أنت. أي صار له شأنٌ رفيع أو قيمة افتراضيّة عندك أنت. ولأنّ شأنه قد علا في وعيك أنت، بصفة افتراضيّة، فلا بدّ أن تُعلي شأنه وترفعه مقامًا محمودًا لا يستحقّه. وحتى ترفع شأنه لا بدّ أن تخفض شأنك أنت أو تدوس على شأنك أنت وتمحقه محقًا. وبالمختصر المفيد لا بدّ أن يفعل أهل غزّة شيئًا "عَلَشَان" ترامب لأنّه قد علا في نظرهم بفضل شعره الأشقر وعينيه الزرقاوين ولغته المؤدّبة!
وهكذا يتفاعل في هذه الظاهرة طرفان اثنان: الفاعل لأجله والمفعول لأجله أو له. إذا كان هناك مفعولٌ لأجله فهناك فاعلٌ لأجله.. بالضرورة. في حالة "عشان" المفعول لأجله "يقنعك" بضرورة الالتزام بخدمته. أمّا في حالة "علشان" فالفاعل لأجله يجب أن "يقنع" نفسه بنفسه بضرورة الالتزام بخدمة المفعول لأجله. ترامب يظنّ أنّ العقل العربيّ سيفعل شيئًا عشانه! ويظنّ أنّ العقل الفلسطينيّ سيفعل شيئًا علشانه! في الحالتين يحاول ترامب أن يجعل الفاعل لأجله فاقدًا لكلّ أسباب المشيئة والشأن. "عشان وعلشان" عنده ترفع المفعول لأجله وتجرّ الفاعل لأجله جرًّا معيبًا. في التداول تنقلب القيمة فيرتفع المفعول لأجله وينخفض الفاعل لأجله. فحين تفعل شيئًا "عشان" ترامب و"علشانه" أنت في الحقيقة تمحو شانك أنت، تمحوه محوًا وتشطبه شطبًا.
ترامب يساوم على الوجود الفلسطينيّ بالضمير الثالث، بضمير الغائب. يتحدّث "مع" أصحاب الشأن بلغة "هم". "هم سيفعلون!" هكذا يقول ترامب وهو يقصد مصر والأردن. وكأنهم حالة هباء منثور وحالة خواء
والأسوأ من ذلك كلّه أن يجعل ترامب كلامه مصحوبًا بثلاث آليّات أسلوبيّة إمعانًا في الإهانة والإيلام. الآليّة الأولى هي الخطاب بالضمير الثالث. ترامب يساوم على الوجود الفلسطينيّ بالضمير الثالث، بضمير الغائب. يتحدّث "مع" أصحاب الشأن بلغة "هم". "هم سيفعلون!" هكذا يقول ترامب وهو يقصد مصر والأردن. وكأنهم حالة هباء منثور وحالة خواء. وهنا بالضبط ينبغي التفريق بين الهباء والخواء. عن مصر والأردن يتحدّث بلغة الهباء وعن أهل غزّة بلغة الخواء. أعني أنه لا يوجّه إليهم كلامًا على الإطلاق وكأنهم حالة خواء أو حالة عدميّة صِفريّة. ومَن هم أهل غزّة حتى يستشيرهم في تهجيرهم وسرقة أرضهم أو حتى يوجّه إليهم كلامًا أصلًا؟! الغريب أنّ ترامب يحاول أن يسرق غزّة جهرة في عزّ النهار ويتاجر بما ليس له ولا لأبيه من قبله. ترامب فاقد لأبسط أخلاقيّات السرقة والخاوة والزعرنة. حدّثني الصديق المرحوم محمّد نفّاع، أبو هشام، مرّة عن جماعة من قُطّاع الطرق زمن الانتداب البريطانيّ نصبوا كمينًا لفلّاح من دير القاسي عند المغرب كان مروّحًا من الحراث. قشّطوه العَمّال الذي كان يحرث عليه. كان هذا الرجل يحرث بالأجرة على عَمّاله. هذا عمله وهذا مصدر رزقه الوحيد الذي يطعم منه عياله... حين علم قُطّاع الطرق بأمر هذا الفلّاح وحاله انتظروا حتى انتصف الليل وأعادوا العَمّال وربطوه أمام بيته. حين استفاق الفلّاح عند الفجر ورأى عَمّاله مربوطًا قال "الحمد لله الدنيا بخير.. إن خليت بليت!"
والآليّة الثانية هي الخطاب المفتوح. ترامب يساوم العرب ببثّ حيّ ومباشر ومفتوح على الهواء. والعالم كلّه يسمع ويرى. لا يراعي ترامب أبسط أسس العمل الدبلوماسيّ الهامس المتكتّم الذي يحترم حرمة الآخر وخصوصيّته. ترامب يحاول بهذي المجاهرة الدنيئة أن يُحرج العرب على الملأ إن لم يكن أكثر من ذلك.
والآليّة الثالثة هي الكلام الموجز وما يحمله من معاني القطع والفصل والجزم. يتحدّث ترامب بإيجاز لاهث عن قضيّة مصيريّة تخصّ الأمّة العربيّة كلّها. يتحدّث بجمل قصيرة مكثّفة سريعة. وهو أسلوب يؤدّي معنيين في هذا السياق. أولا: أهل غزّة والعرب لا يستحقّون ولا يستأهلون أن يشرح لهم ترامب أو يوضّح أمامهم مقاصده أو يناقشهم بإسهاب في تداعيات كلامه. لا يلطّف ترامب حكيه ولا يلفّ كلامه بديباجة تحترم الطرف المخاطَب المقصود بالكلام وتقيم له أدنى اعتبار. ولا وقت عنده أصلًا حتى يهدره على العرب. ثانيًا: لا يحقّ للطرف الثاني أن يعترض أو يستأنف رغم أنّ المسألة مصيريّة. ترامب يجعل كلامه فرمانات يحاول أن يفرض بها حقائق لا تحتمل الجدل. هكذا تتناغم الجمل القصيرة بهذا السياق مع معاني التوعّد الشعبويّ والتهديد الدمويّ.
الأسلوب وقح .. الإنسان وقح! قال بوفو (Buffon) مرّة "الإنسان أسلوب"، أو كما قال (The style is the man himself)!







.png)


.jpeg)



.png)
