ملف قطوسة - بين الثغرات القانونية والشيطنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر


٧٨ امرأة قُتلت منذ منتصف العام ٢٠١٥، أيّ منذ توّلي النائب چلعاد اردان منصب وزير الأمن الداخلي. في العام ٢٠١٧ وحده، قُدّمت ٦٥٨٧ شكوى لشرطة اسرائيل حول جرائم اعتداءات جنسيّة، منها قرابة ١٥٠٠ شكوى حول جرائم اغتصاب بما في ذلك اغتصاب تحت وطأة التهديد والقوّة. معطيات الشرطة ذاتها تُشير أن ٣٦٣٤ (أي ما يعادل الـ٥٦%) من هذه الملفات تم إغلاقها. حجّة الإغلاق في أكثر من نصف هذه الملفات كان عدم وجود أدّلة كافية

 

"الأدلّة الكافية" التي تعتمدها الشرطة وفيما بعد النيابة العامّة كمعيار أساسي لإغلاق ملف جريمة او تقديم لائحة اتهام، هي وجود أدلّة جنائية تصلح لأن تقدّم كدليل للإثبات في المحكمة، بمقدار كافٍ لتحصيل إدانة في ملف الجريمة. أي ان النيابة العامة غالبًا ما تُغلق ملفات من منطلق أنها لن تستطيع إثبات الجريمة في المحكمة، وهو قرار يتعلّق بالموارد المحدودة ومكانة النيابة العامة كجسم مهني وذي سيطرة

 

في كلّ الأحوال، لا يَهُم، كل هذه المعايير لا تؤخَذ بعين الاعتبار ولا تنطبق حين تكون الضحيّة امرأة يهودية والمشتبه به (والذي سيتحوّل الى متهم لا محالة) فلسطيني. في مثل هذه القضايا، غالبًا ما يكون لموازين القوى دور ونصيب مهمان في تشكيل الأحداث المستقبلية، والتي تحسم في مصير إنسان، بريئا كان أم مذنب، دون أن يحصل على فرصته المستحقة بمحاكمة عادلة وحيادية

 

على مدار شهرين، حققت شرطة مستوطنة بنيامين في قضية اغتصاب الطفلة ابنة الـ٧ اعوام، بهدوء وبدون ضجّة إعلامية او تدخلات السياسيّين. في هذه الفترة جمعت الشرطة ما جمعته من أدلّة ضد محمود: أربعة إفادات من الطفلة الضحيّة جبتها محققة أطفال والتي أكدّت في تقريرها أن الطفلة لا تستطيع تحديد هوية او شكل الجاني، إذ أنه لا يمكن البتّ بشأن مصداقية الطفلة، فإفاداتها غير واضحة وغير متسلسلة الأحداث (وهو أمر طبيعي في هذه الحالة نظرًا لجيلها وللتجربة القاسية التي مرّت بها)، وأكدّت المحققة أن إفادة الطفلة مُتأثرة بحديثها مع أهلها حول الموضوع وإرشاداتهم لها (أي أنها إفادة ملوثة!). الدليل الثاني ضد محمود والذي ممكن اعتماده كأحد الأدلة للإدانة، وبشكل يتناقض مع تقرير محققة الأطفال، هو أن الطفلة "نجحت" خلال تواجدها في المدرسة، أن تؤشر على محمود كمَن اعتدى عليها. هذه هي الأدلة الجنائية التي تعتمدها النيابة العامة في لائحة الاتهام المريبة التي قدمتها ضد محمود قسوطة. حتى الآن لا توجد أي أدلة جنائية تربط قطوسة بمسرح الجريمة، واتضح أن الشرطة لم تقوم بأي فحص لاستبيان وجود هذه الأدلة في جسم الطفلة او على ملابسها الداخلية، او مسرح الجريمة. وعلى ما يبدو، لا يوجد هنالك حتى تقرير طبّي يؤكد أن الطفلة تعرضت للاغتصاب.

 

اعتقد أن النيابة العامة اعتبرت أنها ليست بحاجة لأن تطرح الأسئلة الصعبة؛ أنها لم تكن بحاجة لتوسيع رقعة التحقيق ولا لتجنيد موارد أكبر لحلّ لغز الجريمة. من جهتها،كان يكفي أن تُقدِّم لائحة اتهام قاسية جدًا عن جريمة تقشعر لها الأبدان، ضحيّتها طفلة في السابعة من عمرها، ومنفّذها فلسطيني -أو أي مستضعف آخر تنطبق عليه مواصفات قطوسة (كالعمال الأجانب مثلًا!)- لكي يتم إعدام المنفذ في ساحة المدينة، بدون أسئلة صعبة او تعقّب، دون وضع أي علامة استفهام ودون أي شكّ - انعدام الشكّ تجاه شيطنة الفلسطيني هو ما جعل الشرطة تضع "إيديها وإجريها بميّ باردة".

 

أكاد أجزم أن الشرطة كانت على قناعة تامة أن محمود قطوسة سيعترف بالجريمة- حتى لو لم ينفذها فعلًا- تحت وطأة الضغط والترهيب واستغلال تذويت البعض لمشاعر الدونية - تمامًا مثلما حدث مع رومان زدوروف، وسليمان العبيد، وغيرهما. لكن من الواضح أن قطوسة وضعهم في طريق مسدود، فبعد أكثر من شهر في الاعتقال، ولنفاذ الفترة القانونية لصلاحية احتجازه دون لائحة اتهام، قدّمت النيابة العامة لائحة اتهام مليئة بالثغرات، في مراهنة منها على أن بشاعة التفاصيل وهويّة الأطراف كفيلة بأن تغطي على دوافعها الحقيقة باتهام قسوطة بالرغم من الثغرات القانونية.

 

كان من الممكن أن تمرّ قضيّة الاغتصاب هذه مرور الكرام، بالضبط كما تمر عشرات حالات القتل والعنف الجسدي والجنسي تجاه النساء والأطفال، لكنّ المتهم هذه المرّة كان محمود الفلسطيني. شاءت سخرية القدر أن يتجنّد لجوقة التحريض رئيس الحكومة ووزير الشرطة الذي قرّر - بما لا يحتمل الشك - أنّ خلفية الجريمة هي بالضرورة قومية، وهنا انقلب السحر على الساحر (أو على الاقل هذا ما أتمناه) وبدأت الأسئلة تحوم حول أداء الشرطة والنيابة، مما كشف المستور

 

محمود قطوسة هو عامل فلسطيني في سنوات الـ٤٠ من عمره. بحسب وسائل الاعلام، شغَل سابقًا وظيفة مدرّس ويعمل اليوم كعامل نظافة. لا أعلم صحّة المعلومات، ولا أعلم ما جرى في الواقع، لكنني لا أستطيع - وممنوع عليّ- أن أعزل السياق السياسي وكون محمود عامل وفلسطيني عن هذا الملف بالرغم من - أو خاصة - لبشاعة تفاصيله. اخشى أن تكون تهم الاعتداءات الجنسية هي أداة جديدة، لممارسات قديمة وشيطنة من نوع آخر.

 

 

الصورة//عناوين صحف عبريّة: "فلسطيني اغتصب اسرائيلية" و "فلسطيني اغتصب يهودية". جريمة اغتصاب بشعة تُصاغ بلغة قومجية

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية