من أنت سُحماتا؟!

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

وطرقت باب سمعي بمطرقةٍ دوى صداها في أرجاء ذاكرتي! ما كنتُ صماء عنكِ، إنما كنت أُذكّر باسم ضيعة جارةٍ لكِ شُبّه له باسم أُمّه "البقيعة" فأصغيت!. هكذا تخترق الروايات والملاحم الكبيرة صفوف العابرين جسور الذاكرة. لا حاجة لدعوة. وشققتِ الحشد مصباحًا تسلّلَ إلى حُجرٍ مزروعة شموعًا وكفّة عن الرقص أشكال الظلال. حضرتِ وتمدّدتِ كأصابع النور على صدور المروج هنا "على بعد كتّة إجر من أطلالك"، في المرج الذهبي هذا ملعب السنابل ومرقص النايات عازفة الوادي الحنون.. وتربعتِ في مسرح الحجل والزرعيّات التي كنت تصطادين ...

لا تُبعدي في تخمين المكان. اسألي خالتي تمام تُخبركِ أنّها ليست ترشيحا الحطة المتدليّة من على رأس "المجاهد" المنسابة على أكتاف سلطان النسيان، وحتى أخمص قدميه. إنّها بنت الجليل اللقشيّة، المنتشرة انتشار الضوء في بقعة تاريخية معتمة "عين الورقة" المكتوبة فصلًا مثيرًا من فصول الرواية. وتراءيت لي فيها عروسًا كسيرة القلب، مسلوبة الهوى... وجيعة الآمال وجع الأنبياء على فلذّات نفوسهم.

إذا قُدّر لك أن تستعيري عين قمر اصطناعي فسترين "كرم الشيخ". إنّه بعضك. فهل تتذكرينه؟ لقد استولى عليه التاريخ... وعمّره حارة مُمتدّة من حدوده لحدوده المنتهية عند أسفل السفح الجنوبي الهابط نحو المولودة الجديدة؟ أجل، فقد صار الكرم حارة من حاراتك، وبيوتها المسيّجة بالجنائن، وشوارعها المتفرّعة العريضة المعدّة لمرور الشاحنات والدرّاجات والمشاة معًا. واسعٌ قلب الشيخ، بشهادة المصلّين في الكنيسة، وزوّار قاعة المجلس المحلي التابع لسلطة الأم/أمّ النِعم (البقيعة).

لن تستطيعي استعادة كرمِك. أعرف! وكلنا يعرف! ولكن لا تحزني، فإن المُقيمين فوق هذه البقعة من ذاكرتك كُرماء نُبلاء... ثمارٌ وقعت تحت أُمهاتها... فاطمئني!!

آه كم كنتِ سحماتا كريمة مع أبكار هذه المرضعة أفواجًا من المواليد إلى صدرها الحنون يتدافعون ولم تزل أغراسها غُريسات... وماءُها قُطيرات... وحواكيرها مستعمرات سلكت إليها الأرانب والثعالب كأصحاب بيت! فكنت الداعم السخي، وتحوّلت إلى حكاية أم سَكوب سَكوت لا يؤفئفها الزحام. وعبَّر هؤلاء بالشهادة والثناء على مدى امتداد نُبلك وصولًا إلى خلايا جيوبهم طالبة كفاف اليوم والأيام مترنحة بين الاستقرار والاستنفار. جماعة تتحدى سلطة المجهول الغامض وهي عزلاء إلّا من الإرادة والعزيمة.

كلّهم قبل هذا عرفّكِ باسم خالتي تمام/خالة البلد كلها قاطبةً كبيرها وصغيرها... عرفوكي هناك في ضواحي عين البلد/البقيعة أمّ العيون الخضر جنائنها.. تلك الساقية الجارية في أوردة التاريخ.

تمام عزّام .... هل تتذكرينها؟ تلك هي العائدة مندوبةَ عنك لحماية جدرك، مدرّجاتك وآبارك من قراصنة العصر الحديث. لقد أصبتِ سُحماتا حين أوفدتِ خالتي تمام"أُخت الرجال" هذه نيابةً عن الرجال الناطرين مع عائلاتهم أمر التجمّع استعدادًا للعودة... ولوّحت لها (كما تقول) عند أبواب معلبك القبليّة: "الله يسهّل عليكي... إحنا مش مطولين!" وعادت.. لوت ذراع وقت الانتظار! وكانت حكايتها مع زمن الانتظار طويلة، أمضتها بمحاولة ليّ ذراع الزمن وهي تقُصّ الحكايات قص حرافي لديه الكثير الكثير ... فحكت عنكِ وعنها. كِبرها وكبريائها وأصالتها وشموخ هامتها.

حين يؤتى على ذكر أحد هؤلاء البواكير الأصائل، لا تمرّ تمام مرور عابر متطفّل في هذه الجارة المنتصرة على قاطعي حزامك البشري مع قطع أشطان الدلاء الصاعدة من آبارك ولادة الخضرة في أرحام الحواكير والحمرة في الوجوه المشمسة المشرفة على أربع جهات الدنيا.

وتكسّرتِ غيمة ذكرى لا تمارس المشي على الحبال، ولا تتقن فنّ التخفّي بأطياف الخيال. وكيف لا تخطرين وأنت مُرضعةَ تمام ومجدها الكتوم وعزّة نفسها الجَهور؟ وشققتِ البور أُختًا وبنتًا وأُمًّا كاتمة آهات أُم نعيم المنسوبة لولد قوّس ظهرها قبل تقوّس ظهر العمر، ومسند كبواتها "المقلقزة" المعرّضة كل لحظة لصدمة تقصم ظهرها بسببه كابنٍ مُعرّض كل لحظة لنكسة تقصم ظهر حلمه الكبير بوقوف الحقّ وقفة عزّ تُثبت أنّه ليس مُجّرد قيمة إنسانية نظرية. واستحقّت الأم الحراسة من مخاوفها المتصاعدة... وإذ تمام سُحماتا مبعوثة لحراستين: الخراب والعمار.

حارسة ما كان أسهل عليها أن تربض قرب صديقتها تسلّيها وتواسيها وتحملها بعيدًا عن قلقها على ابنها "المشاغب العنيد" اللاحق بكرة الحق من ملعب إلى ملعب... وتُمضي الأمسيات راخمة تقضم من أطراف الليل ما أمكنها، بينما كل منهما تُعالج وقت الانتظار برواية غائبها. على نفس القيس الغائب تُغنّيان، هذه تحكي متوجّعة، مقدّمة رواية في طور التأليف، وتلك تروي وتستفيض تاريخ قرية غائبة عمّرها أهلها روايات بعدد مداميك التاريخ الذي ارتفعت فوقه صغيرة، وكيف نمت وترعرعت. وكبرت وتنقّلت برشاقة بين الصبر والتين والزيتون... استصلحت ورفعت مُدرّجاتها كفًّا فوق كفّ... فما نزلها أهلها إلّا وصعدوا مُزنّرين وغلةٍ وافرةٍ وعزيمةٍ أوفر.

قصصٌ وأخبار تمرّ بين ساعات المساء مُحمّلة بما يجود بها الخيال الباطني للراوية مع خلطة محببة بين شعبان الحقيقة ورمضان الأمنيات. وتنتهي ببكوة تنفيسية ليلية لأمّ نعيم "إنت بدّك مين يكسّر عليكي... وحياة معزتك عندي صرت أفهمك. بعرفك لمّا بتحكي قصّة بعرف مثلها كثير.. ولمّا بتحكي تتسلّيني يا أصيلة." وتبكي الأصيلة دموعًا تجفّ قبل انحدارها! وتنهض "ستّي المش خيارة" جاهدةً تتعكّز على القوة الفائضة من تمام الحالمة بوقوف الحقّ وقفة عزّ تُثبت أنّه ليس مُجرّد قيمة إنسانية نظرية. وتندسُ في صدر حلم عودة سحماتا الأهل والجيران، من "معلبك"!

وتكسّرت أجنحتك سُحماتا وما عدت..! لكن حاضرة موثقة بنتًا اسمها الثلاثي "تمام أحمد عزام" فاسمعيها وطيبي خاطرها !!

أتُراك طائرة ورقية تحمل سؤالًا لا تخشى احتراقه؟ أم تراكِ الجواب اليقين المجدول مع ظفيرة "خالتي تمام"؟ خالتي تمام الحقيقة المقاوِمة للنسيان! هل أنتِ بعضها المبعوث أختًا على الأحلام الرضيعة وصية؟ أم هي بعضكِ الباقي حفيفه ورقة مُحبّرةٍ وصيّة؟ أم أنتِ كُلّها وبعض المُنتدبين حُرّاسًا لتراب صدركِ العطوف؟

أنت الغائبةُ الحاضرة جدولًا بالرغم من شُحّ مياه الغربة، وتصحّر المراعي الانسانية. ولقد فاق درُّكِ الراسبَ في حكاياتِ تمام وخيالاتها، وفاض. دعانا فلبّينا.. قطفنا الصبر والتين والسمّاق، موّنا الصيف حلاوةً وأشجارنا لم تزل أغراسًا تعتمدُ الريّ من عيوننا... لبّينا نطلبُ حُلوًا ومُرًّا... وعُدنا مع التبغ ضاربًا في الحلاوة إلى الأعلى طرابينَ أزهرت ألسنة باسمة. وتكلّمت: أنا هنا في هذا المقام الطيّب سأبقى، وأحيى مع الأمانة إلى أن... وانحنى وفاءً لهذه المظلّة المُعلّقةِ فيها عناقيد من "الكبوش" الذهبيّة.. وأبى أن يتعالى إلى سقوف مداها ثلاثة أمتار. ويُناجيها أبي محدّثًا إياها كأنّها بشر: "فش فرق بينك وبين خالتي تمام!"

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية