التقيته في مظاهرة الاول من ايار من هذه السنة 2019 في قرية ابو سنان، تقدم مني وعرّفني على نفسه وقال انا حسين مباركي من قراء صحيفة الاتحاد وشغوف بها اتابع مقالاتك من ذاكرة الوطن وما وتكتبه عن المجاهدين ويروق لي ذلك كثيرا اتشرف بدعوتك لتناول فنجان قهوة عندي في البيت، ولَدَي حكايات عن المجاهدين غنية ومثيرة ، ثم ما لبث وشبك ذراعه بذراعي وتقدم مسافة قصيرة من مكان المظاهرة، واشار بيده وقال :هذا هو منزلي وانا اسكن هنا فسارعت وحددت معه موعدا لزيارته.
بررت بوعدي فوجدتني في ذلك المساء اقف امام مدخل بيت شاهق وجميل تظلله اشجار وارفة الظلال تعبق بأريج شذي، ورجل اسمر اللون نحيف الجسد عبوس يحاول رسم ابتسامة على وجهه فجاءت باهتة، دخلنا وجلسنا في حجرة الاستقبال حجرة متواضعة، فغمرني بترحيب حار وحميم ،اطرق قليلا وبادر بالحديث فقال: انا اسكن يا رفيقي في هذا البيت وحدي وحيدا بعد رحيل شريكة حياتي قبل سنتين بعد ان المّ بها مرض عضال، صمت قليلا ونفث زفرة تدحرجت من سويداء قلبه ، واحتبست الدموع في مقلتيه، ما لبث أن استأنف الحديث وقال: ابني البكر غادر البلاد الى السويد وهناك فقد ابنه ثم فقد ابنته. وابنتي الوحيدة تزوجت في الناصرة وبعد زواجها بمدة قصيرة ترملت وبعد ترملها تزوجت وسافرت الى الخارج وابني الثاني يعيش مع عائلته في عكا، واختي تعيش مع عائلتها هنا في ابو سنان وبقيت انا وحيدا في هذا البيت من ثلاثة طوابق.
انهى حديثه وقال اعذرني لأني خرجت عن سياق موضوعنا الذي دعوتك من اجله ، فما كان مني الا ان اواسيه واشد ازره ، فتناول كأسا من الماء واخذ جرعة منه بلل فمه الذي جفّ رضابه، وقال نحن عائلة وطنية ابا عن جد، جدي والد امي ثار ضد الاتراك ورفض التجنيد في الجندرمة التركية التي كانوا يفرضونها على الناس، ونحن مهجرون من قرية النهر وكان اسمها قديما الفشوخ بالقرب من قرية الكابري المهجرة. كنا اربع قرى ام الفرج والغابسية والكابري والنهر وكان عدد سكانها قبل التهجير 400 نسمة وتملك من الارض 6000 دونم، وكان يمر فيها جدول ماء ثري تتدفق فيه المياه طيلة ايام السنة، فكان اهل القرية يعيشون على الزراعة مستفيدين من مياه النهر ، للضرورات الحياتية وللري من بساتين الفاكهة والخضروات وغيرها، هُجّرنا من قرية النهر الى ابو سنان ثم غادرناها الى ترشيحا ثم عدنا الى ابوسنان احتضنتنا وطاب لنا فيها المقام.
توقف عن الحديث قليلا تناول كأس الماء ورشف منه القليل ومسد شعره ثم قال : كان والدي علي مصطفى مباركي منذ شبابه وطنيا ويتوقد حماسا، وعندما انفجرت ثورة القسام ، ورأى مظالم البريطانيين وما عاثوا من فساد في قريتنا والقرى المجاورة تأججت احاسيسه الوطنية وتفجّر غضبه ، فسافر الى حيفا والتقى الشيخ عز الدين القسام ومساعديه فاعلن انضمامه الى صفوف الثوار، وبعد ان قضى مدة في صفوف المجاهدين في حيفا وشارك في العديد من الهجمات كما كان يرويها لنا، فطلبت منه القيادة العودة الى قريته النهر والقت عليه مهمة تجميع الشباب وتنظيمهم في فصيل والعناية بهم وتدريبهم على استعمال السلاح ، فعاد إلى القرية وقام بتنفيذ المهمة فجمع كوكبة من الشباب وكان من بينهم على ما اذكر المجاهد عيد سعيد الكابري واخوه دليل وعلي زينب والمجاهد كمال حسون وغيرهم ثم اتسعت دائرة الانضمام فالتف العديد من الشباب من حوله.
واللافت للنظر، تابع، فقد تجاوب العديد من شباب الطائفة المعروفية العربية الذين كانوا يأتون الى قرية النهر وانضووا تحت لوائه وحملوا السلاح وباشروا في مهماتهم الوطنية ضد الجيش البريطاني، اطرق قليلا وراح يعصر ذاكرته ثم قال :انا حسين مباركي من مواليد سنة 1930 عايشت الثورة حتى نهايتها وكان عمري تسع سنوات، كنت اشاهد والدي وهو يحمل بندقيته ومعه كوكبة من الثوار، كانت باكورة اعمالهم قطع اسلاك خطوط التلفون في المنطقة ثم تتالت هجماتهم على الدوريات البريطانية ،الامر الذي اغضب الجنود الانجليز فاخذوا يجمعون الاهالي في تلك القرى ويسومونهم شتى اصناف التعذيب ، من شباب ورجال ورأيتهم بعيني وهم يجبرونهم على الدوس على الواح الصبر حفاة وانزلوهم الى جدو ل الماء عراة وكانوا ينهالون بالسياط على ظهورهم بلا رحمة ، ثم اتسعت مهامهم في التصدي للجيش البريطاني في منطقة الشمال حتى ترشيحا، وقد نشبت عدة مواجهات بينهم وبين افراد من الجيش البريطاني وفي احداها ارتقى الشهيد المجاهد مصطفى الطفران بالقرب من المستعمرة نهريا فقد لاحقتهم الدوريات البريطانية وكانوا يقتحمون قرية النهر وفي احد اقتحاماتهم جمعوا الاهالي وحشروهم في مرآب للسيارات مدة ثلاثة ايام بالجوع والعطش وهم يحاولون عبثا ان يمدوا لهم يد المساعدة لالقاء القبض على المجاهدين، وكان الثوار يقضون اوقاتهم ولياليهم في المغارات والوعور وكانت النساء يلحقن بهم وهن يحملن الماء والغذاء.؟
لقد قاد المجاهد علي مصطفى مباركي عدة هجمات على دوريات الانجليز وكان اهمها على مركز للجنود بالقرب من المستوطنة نهاريا قتل وجرح من الانجليز العديد من الجنود ، فثارت ثائرة الانجليز وصبوا جام غضبهم على اهالي الاربع قرى يبحثون عن الثوار ويعذبون الاهالي ويعيثون فيها الدمار والخراب،وظل المجاهد علي مصطفى مباركي يقاوم مع فصيله بلا هوادة والانقضاض على تجمعاتهم في عكا ونهريا وعلى طريق ترشيحا، ومن اساليب المقاومة وفي احد الايام القت القيادة العليا للثورة مهمة على اهالي النهر ان يخربوا طريق ترشيحا النهر، وقد قام الاهالي وفي مقدمتهم المجاهدون بتخريب الطريق فجن جنون السلطات البريطانية فهاجموا القرية فجمعوا الرجال لاصلاح الطريق من جديد لتعود صالحة للسير والاستعمال ومع اخفاق الثورة سنة 1939 غادر والدي المجاهد القرية الى لبنان ليعود الى النهر بعد فترة وجيزة ولا زال صدى جملته يرن في اذني حتى اليوم التي قالها لنا عند عودته: براغيث النهروالوطن ولا قصور لبنان..
ومع اندلاع حرب 1948 تقلد بندقيته وشارك في عدة معارك حارب مع العديد من رجال المنطقة الذين تطوعوا للدفاع عن ارض فلسطين رغم قلة السلاح وشح الذخيرة الى ان حلت النكبة فهُجّرنا من القرية وظل يحلم بالعودة الى ان ووافته المنية سنة 1985، انهى ابو فادي حديثه وقد انفرجت اساريره في هذه اللحظات فاحتسينا القهوة وبعدها نهضت وشددت على يديه مودعا وغادرت بيته وهو يندب حظه العاثر، وشكرته على ما قدم لي من معلوما ت وما فاضت به ذاكرته وجادت به عن سيرة ونضال مجاهد قدم ما استطاع تقديمه للذود عن حياض الوطن .
(عرابة)
في الصورة: قرية النهر الفلسطينية التي هجرتها الجريمة الصهيونية المنهجية







.png)


.jpeg)


.png)

