قد أحسم القول بأن أحد أخطر تأثيرات وعواقب قانون القومية هو أنه يزيل المسؤولية عن أية شركة أو سلطة حكومية أو عامة، بشأن اتاحة خدماتها للجماهير العربية في البلاد باللغة العربية أيضًا، لغتنا الأم.
وإذا كنا لم نشعر الى الآن بتأثير هذا القانون الخطر الذي يُشرعن التمييز ضدنا، وينزع عن لغتنا العربية صفة شرعية كونها لغة رسمية بهذه البلاد، ستبدأ عواقبه تظهر جلية واحدة تلو الأخرى.
ولعل البداية كانت برفض سلطة السجون الاسرائيلية ترجمة تعليماتها الى اللغة العربية كي تصبح في متناول يد السجناء والأسرى الفلسطينيين، متذرعة بأن قانون القومية يعفيها من الواجب بفعل ذلك.
إذا كانت سلطة السجون قد تذرعت بقانون القومية، فإن شركة الكهرباء تذرعت بأن معايير جودة الخدمة لا تلزمها بترجمة موقعها الالكتروني الى اللغة العربية.
في ردها على توجّه لي بهذا الخصوص أعلنت شركة الكهرباء الاسرائيلية، التي تحتكر سوق الكهرباء وتقدم خدمات لقرابة مليون ونصف مليون مواطن عربي في البلاد، اضافة الى عشرات آلاف المواطنين الفلسطينيين الذين يشترون الكهرباء منها أيضًا عبر شركات فلسطينية، أنها لا ترى من واجبها أن تتيح موقعها باللغة العربية لنا نحن المواطنين العرب.
مطلع الشهر الماضي، زرت موقع شركة الكهرباء على الانترنت، بغرض دفع فاتورة الكهرباء التي وصلتني باللغة العبرية، بحثت عن الموقع باللغة العربية ولم أجد. هذه الشركة التي تحتكر تقديم خدمات الكهرباء، والتي تطنطن الدنيا باعلاناتها باللغة العربية قبل كل فيديو أو اثنين على موقع يوتيوب، وتملأ المواقع الالكترونية العربية بحملاتها الاعلانية، لا توّفر خدمة موقعها باللغة العربية؟ كيف ذلك؟
بالفعل، لا الفاتورة متوفرة باللغة العربية، ولا الموقع متوفر باللغة العربية. لغة نحو 20% من مواطني هذه البلاد، الذين يدفعون فواتير شهرية تصلهم بالعبرية، لا تتوافر خدماتها بالعربية، فتوجهت برسالة بريدية الى قسم خدمات الجمهور متسائلًا عما اذا كانوا ينوون ترجمة موقعهم الى اللغة العربية، فكتبت لهم "رغم أننا في العام 2019 ومعظم المواطنين العرب يقرأون اللغة العبرية ويتقنونها، الا أنه لا يوجد اي سبب يمنعكم من اتاحة موقعكم أيضًا باللغة العربية. كما أطالبكم بتوفير خدمات الاتصالات الهاتفية باللغة العربية".
وتابعت "أتوقع منكم كما تستثمرون أموالا طائلة بالاعلانات باللغة العربية، وتجرون استطلاعات الرأي لرؤية مدى انكشاف الجمهور لحملاتكم الاعلانية باللغة العربية، أعتقد آنه الأوان أن تقدموا خدماتكم أيضًا باللغة العربية، فهذا أقل ما يمكن".
أمس، وصلني ردهم، والذي تتنصل فيه الشركة من مسؤولية ترجمة الموقع، وليس الفواتير، الى اللغة العربية. فقالت الشركة في ردها "شركة الكهرباء هي جسم يقع تحت الرقابة ويعمل بحسب معايير جودة الخدمة التي تقدمها كخدمة خارجية، التي حددتها سلطة الكهرباء وفي اطارها تم تدوين مجمل الحقوق والواجبات على شركة الكهرباء والمستهلكين".
وتابعت "بناء عليه، نشدد على أنه لم يحدد في اطار المعايير واجب أن تتيح شركة الكهرباء موقعها الالكتروني على شبكة الانترنت لزبائنها باللغة العربية. رغم ذلك، تعي شركة الكهرباء أهمية الموضوع الذي طرحته في توجهك، وبناء عليه وفي عدد من قنوات الخدمة والمنصات بين المستهلك والشركة هناك امكانية اختيار اللغة العربية. على سبيل المثال، بالرد الهاتفي بامكان الزبائن اختيار بين ثلاث لغات قائمة بالرد الهاتفي الصوتي: العبرية، الانجليزية، والعربية، وذلك رغم أنه بحسب المعايير فإن الشركة ملزمة بتقديم رد هاتفي صوتي فقط باللغتين العبرية والعربية. رغم ذلك وبغرض تحسين جودة الخدمات بمبادرة الشركة أضيفت اللغة الانجليزية". وذكرت الشركة أنها تستعد لاضافة خدمة رد صوتي باللغة الروسية.
وأشارت الشركة أنه في حال توجه الزبون الى مركز الاتصالات 103، وطلب أن يكون الرد باللغة العربية، ستعمل الشركة على تقديم الرد باللغة العربية للزبون من قبل مندوب ناطق بالعربية بأسرع ما يمكن.
شركة الكهرباء، كبرى الشركات وأكثرها ربحية في السوق الاسرائيلية، تنصلّت من مسؤوليتها لترجمة موقعها الى اللغة العربية. والسؤال المطروح هو لماذا في العام 2019 موقعها غير متاح بالعربية، رغم أنه متاح بالانجليزية؟
يبدو أن الشركة التي تحتكر سوق الكهرباء، تسعى لجباية الأرباح من زبائنها العرب دون أن تكترث بلغتهم الأم. ورغم أن القانون لا يلزم الشركة بترجمة موقعها الى اللغة العربية، الا أنه يتوخى من شركة تقدم خدمة لقرابة مليون ونصف مواطن عربي، أن تقوم بترجمة موقعها كسلطة حكومية الى اللغة العربية، كما يتوخى ويتوقع من الوزارات شتى ترجمة مواقعها الالكترونية واتاحة المعلومات وتوفيرها باللغة العربية أيضًا.
المشكلة هي أن أساس البلاء من فوق. ففي عهد ايهود أولمرت، أصدرت الحكومة قرارًا بترجمة مواقعها الاكترونية أجمع الى اللغة العربية وخصصت ميزانيات لذلك، ولكن منذ عودة اليمين الفاشي الى الحكم، تراجع الاهتمام بترجمة المواقع الحكومية الى اللغة العربية.
الجدير بالذكر أيضًا أن ميزانية التسويق والاعلان للعام 2015 في شركة الكهرباء بلغت 19 مليون شاقل (يشمل قيمة الضريبة المضافة)، وهي الميزانية التي تخصصها الشركة بشكل سنوي للاعلان. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي حصة وسائل الاعلام العربية من هذه الميزانية المخصصة للاعلان، علمًا أن أرباح الشركة لعام 2018 بلغت قرابة 4,06 مليار شاقل!؟ فهي بتهربها من ترجمة الموقع على الأقل الى اللغة العربية توّفر على نفسها مبلغًا هامشيًا من ميزانيتها العامة التي تصل 23,5 مليار شاقل...
ولعّل المشكلة مع قانون القومية هي أنه يمسّ بمكانة المساواة كقيمة عليا في النظام الديمقراطي. وشركة الكهرباء ليست بغريبة عن المعايير الحكومية المتبعة.


.png)

.jpg)


.png)




.jpeg)