إن الأحداث السياسية والعسكرية التي جرت وما زالت تجري في منطقتنا كانت وما زالت موجهة في الأساس ضد شعوبنا العربية، من أجل اركاعها وإذلالها وإدخالها تحت العباءة الأمريكية، وخاصة ما جرى وما زال يجري ضد شعبنا العربي الفلسطيني، ومؤخرا ضد الشعب العربي السوري. وفي هذه المرحلة كثر النقاش في الصحف وعلى صفحات التواصل الاجتماعي حول الوضع في سوريا وما جرى هناك من تحولات متسارعة، وعن موقف الحزب الشيوعي في هذه البلاد من هذه الاحداث.
أعتقد انه اذا اردنا ان نحلل الأمور بشكل موضوعي وهادئ فمن الواجب العودة الى الماضي وربطه بالحاضر ومن أجل ذلك أود ان استعرض بعض التطورات المتسارعة التي جرت وما زالت تجري في منطقتنا وبشكل خاص في عالمنا العربي. وهنا لا اريد ان اذهب بعيدا بل اريد ان ابدأ من اعلان وزيرة خارجية أمريكا السابقة كونداليزا رايس عن المخطط الأمريكي من اجل خلق شرق أوسط جديد، وكان ذلك في الفترة التي نشبت فيها الحرب بين اسرائيل وحزب الله عام 2006 حيث كانت النتيجة فشل هذا المشروع في تلك المرحلة، ولكنه بقي مطروحا على الطاولة الامريكية ووكلائها في المنطقة رغم فشله في ذلك الوقت.
فيما بعد وفي نهاية العام 2010 جاء ما سمي بالربيع العربي وكانت بدايته في تونس ومن ثم في مصر. وهذه الثورات قد اتخذت طابعا شعبيا جماهيريا في هاتين الدولتين، ولكن ركبت على موجتها قوى رجعية متخلفة، الامر الذي أدى الى اجهاضها فيما بعد. لقد جاء بعد هذه الثورات الدور على ليبيا وسوريا في سنة 2011 ففي ليبيا جرى التدخل المباشر من قبل أمريكا وحلف الناتو العدواني حيث كان هذا الحلف "حارق قلبه على الشعب الليبي" ولكن الحقيقة انه أراد وضع السلطة الجديدة تحت جناحه، حتى يتسنى له نهب خيرات الشعب الليبي وهذا ما جرى وما زال يجري في ليبيا حتى اليوم.
هل في مثل هذه الحالة كان على الحزب الشيوعي ان يقف مع حلف الناتو في عدوانه الظالم على الشعب الليبي ام مع الشعب الليبي المظلوم؟ ان مثل هذا الحلف لا يحرر الشعوب، بل يستعبدها فقط. فالشعوب هي التي تحرر نفسها من الظلم وهذا الذي سيفعله الشعب الليبي في المستقبل.
أما بالنسبة لسوريا حيث بدأ "الربيع السوري" في سنة 2011 أيضا وكان محراك الشر الأساسي هناك الولايات المتحدة الامريكية التي شغلت وكلائها في المنطقة من اجل تخريب سوريا وهذا ما اعترف به حمد بن جاسم الذي كان في تلك المرحلة رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية في قطر، حيث قال ان قطر والسعودية قد دفعتا عشرات المليارات من الدولارات من أجل تخريب سوريا. ومن أجل ذات الهدف أقامت الولايات المتحدة حلفا دوليا ضد سوريا وفرضت عليها "قانون قيصر" سيء الصيت وبالإضافة لكل ذلك أقام الحلف المنظمات الإرهابية أيضا لنفس الهدف. وقد احتلت أمريكا قسما هاما من الأراضي السورية الغنية بآبار النفط وهي ما زالت تنهب خيرات الشعب السوري حتى الان.
يُسأل السؤال لماذا هذا الحلف الواسع، هل هو فقط ضد النظام ام هو في الأساس ضد الشعب السوري المتضرر الأول من مثل هذه الإجراءات ولماذا العداء لهذا النظام بالذات؟ لان الدولة السورية وقفت موقفا معارضا للمخطط الامريكي ووكلائه، هذا المخطط الذي يسمونه "الشرق الأوسط الجديد"، ولأنها تدعم ولو بشكل محدود قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وبشكل خاص في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها شعبنا العربي الفلسطيني، وفي الوقت الذي يسهم الأمريكي اسهاما مباشرا في عملية الإبادة الجماعية التي تجري في قطاع غزة.
لقد استعملت أمريكا في مجلس الأمن الدولي أكثر من عشر مرات خلال هذه الحرب الاجرامية على غزة حق النقض "الفيتو" ضد وقف الحرب.
إن الحزب الشيوعي لم تكن له أي علاقات مع النظام في سوريا ولا مع قطر ولا مع أي نظام عربي آخر، وللحزب الشيوعي تجربة طويلة مع هذه الأنظمة ومع الثلاثي الدنس المعروف. وهذا الثلاثي هو السبب الأول والرئيسي في مأساة ونكبة شعبنا والتآمر المستمر على شعوبنا العربية وكذلك نعرف عدوانية الدول الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا أيضا ضد شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولم يكن صدفة عندما أطلق رفيقنا طيب الذكر توفيق زياد مقولته المشهورة أن "أمريكا رأس الحية".
هل على الحزب الشيوعي الوقوف مع رأس الحية وسفك دماء الشعوب أم مع الشعب السوري المظلوم الأول والأساسي حيث أن التآمر الذي يجري الآن هو على الدولة السورية ووحدة أراضيها، وهو الأمر الذي يعني التآمر على الشعب السوري ووحدة نسيجه الاجتماعي. مع هذا نحن نفهم جيدا من هو الظالم ومن هو المظلوم هكذا فهمنا الأمور من خلال تطورها التاريخي والسياسي.
لقد بدأنا نرى أفعال الذين يقفون على رأس الحكم في سوريا اليوم، وهي أفعال إجرامية، حيث بدأنا نرى كيف يعاقبون شباب سوريا بوضع رؤوسهم على الحجارة وقطعها بالساطور وكيف يجلدون الشباب على ظهورهم وهم منزوعي الثياب، وكيف يحرقون شجرة عيد الميلاد وهذا مثل ما يقول المثل "أول الرقص حنجلة".
إن هذه الأعمال نراها في ظل الرئيس الجديد الذي كان يسمى الجولاني، واليوم يسمى أحمد الشرع. وهو صنف على قائمة الإرهاب ورصدت أمريكا مبلغ عشرة ملايين دولار للذي يعلمهم عن مكانه وهم في الحقيقة كانوا يعرفون جيدا مكانه ولكن هذا كله من أجل تلميعه لهذه المرحلة، وها هم اليوم يريدون إخراجه من قائمة الإرهاب وهم من الناحية العملية من خلق الإرهابيين وهم صنّاع الإرهاب في العالم.
في اعتقادي أن أمريكا لن تخرجه من قائمة الإرهاب إلا بعد فتح السفارة الإسرائيلية في دمشق والتنازل عن قسم من الأراضي السورية المحتلة إن لم يكن كلها.
نحن كحزب شيوعي لم يكن لنا علاقات مع النظام السوري ولا مع حزب البعث ومن المعروف أيضا أن لنا خلافات فكرية مع هذا الحزب وهناك من كان لهم على مدى سنوات طويلة علاقات مميزة مع النظام السوري ولكن في بداية مرحلة ما يسمى بالربيع العربي اكتشفوا أن دولة قطر أكثر ديمقراطية من سوريا..
إن موقفنا المبدئي كان وما زال ضد العدو الأساسي لشعوبنا العربية، ومن ضمنه الاذرع التي دعمت ومازالت تدعم الإرهاب في فلسطين وفي سوريا وإن هذا الدعم الإرهابي في سوريا سيدفع ثمنه في النهاية الشعب السوري والدولة السورية التي ربما تتحول من دولة إلى دويلات، ولذلك كنا وما زلنا مع الشعب السوري في محنته التي يعيشها في هذه الأيام.
بالرغم من كل ما ذكر ولكنني متفائل لأنني أعرف أن الشعب السوري صاحب تاريخ نضالي طويل ولن يقبل أن يستمر في حكمه نظام غيبي متخلف طويلا ولن يقبل بتقسيم وطنه إلى دويلات وسوف يخرج من هذه المحنة الصعبة منتصرا على كل أعدائه والمتآمرين على مستقبله.
نحن نريد لكل شعوبنا العربية أن تتحرر وتكون أنظمة تحترم حقوقها وتمثل تطلعاتها الحقيقية للاستقلال والديمقراطية الحقة لا أن يبدلوا القيادات الحالية بما هو أسوأ منها. في النهاية مهم جدا وفي كل الحالات أن لا نكون مع عدونا الأساسي هذا العدو الأخطر على جميع شعوبنا العربية وبشكل خاص على شعبنا العربي الفلسطيني.
عرابة البطوف




.png)




.jpeg)


