news-details
مقالات

نعم لِصَليب الخلاص

يلفّني اللّيل، أجلس الى الطّاولة، أكتب بيد منهوكة، وحين تصل أصابعي مُنْتَصف الجرح، أسألني: كيف سأُكمل القصيدة؟

حالة يُعبّر فيها العربي بعامة والفلسطينيّ بخاصّة عن العذاب واقعا والعربة رحلة يصير فيها الحرف للحرف شتاتا ومَنْفى.

وهو ما وصفهُ بالصَّلْب في القرن العشرين وصنوه الحادي والعشرين. العديد من الشّعراء في لوحات صادقة صوّرت بصور حيويّة رائعة عكست رؤياهم الكليّة الجامعة للمعاناة، لذلك لا يخفى على القارئ الرّائي المُتَمعّن، كيفية نموّ البُعْد التّعبيري أفقيّا مع أحداث الحياة، بينما ينمو في آن البُعْد الانطباعي عموديّا الى أعماق الضّمير والكيان الدّاخلي.

أمّا لِلحْمة مع جماهير شعبهِ، ذلك الإحساس الصّادق فيُعَبّر عنه عادةً باستخدام ضمير المتكلّم خلال القصيدة.

لماذا؟ كي يتمكّن بنجاح من تصوير قصّة المنفى الجارحة والنّازفة المؤلمة، جَنْبا الى جنب مع قصّة التشرّد والمُسْتقبل الغامض الذي يؤدّي به الى التمحّص في وجوده، كأنّهُ يطارد الأجونة المسكونة بهويّته، خاصة الفلسطينيّة، في واقع دقيق، مُركّب وحسّاس، هو بِحدِّ ذاتِهِ يُشكّل تحديا مصيريّا.

لذلك، وعلى سبيل المثال، لجأ شاعرنا طيّب الذّكر شكيب جهشان الى استخدام تفاصيل قصّة الصّلب. ففي قصيدة له مؤلّفة من ثماني عشرة مقطوعة وقد بدأها بذكريات الخروج، يروي قصّة الفلسطينيّ المُتجوّل الذي يحمل نير الشتات في الزّمن المجهول والمكان المجهول يقول:

وحملت صليبي فوق الظَّهْر/ طوّفت جهات الأرض السِّتّ/ وصليبي فوق الظّهر/ طوّفت جهات الزّمن المشنوق/ على أكتاف الموت/ ومشيتُ على درب الآلام/ وحيدا.

يتابع شاعرنا بقلب نازف لِيصِفَ الذُّل الذي يعيشه الفلسطينيّ في الغُربة، لكنّه يؤكّد أنّ هذا الواقع الهجين جعلهم يُصرّون على النِّضال من أجل نيل حقوقهم، لكن ما زادهم مرارة حنظليّة وغضبا هو التآمر الذي لمّا يزل داء خبيثا ينحر جسد وروح القضيّة.

تحيّة لِمَن يستعرض التاريخ من حاملي القلم والكلمة لتَجْعلهُ قِصّة صَلْبِ المُخلّص يتّخذ موقفًا صلبًا يجعله فارسًا ثائرا على ذُلّ التآمر ليظلَّ جوادُهُ يصهل في الآفاق ومن خوف الأزمان.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب