في عالم تتسارع فيه الأزمات السياسية وتتزايد الانقسامات، يجد الكثيرون أنفسهم عالقين في دوامة الإحباط والعجز، متسائلين عمّا إذا كانت هناك أية جدوى من محاولة التغيير. تتجلى هذه المشاعر بوضوح عند مواجهة الأحداث المأساوية، مثل حرب الاحتلال الطويلة على قطاع غزة أو سياسات القمع الاقتصادي والاجتماعي. لكن ما يغيب عن أذهان الكثيرين هو أن هذا الشعور بعدم الجدوى ليس مجرد استجابة عاطفية فردية، بل هو نتاج منظومة متكاملة صُممت للحفاظ على الوضع القائم وإبقاء الأفراد في حالة استسلام وخمول دائم. غير أن التاريخ يعلمنا أن هذه المشاعر ليست نهاية المطاف، بل إنها محطة قد تكون ضرورية لبلوغ مرحلة الفعل والتغيير الحقيقي.
أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع الناس إلى الاستسلام هو الإرهاق السياسي، حيث يشعر النشطاء والمثقفون بأن جهودهم لا تؤتي ثمارها. في مواجهة كوارث إنسانية كبرى او تحديات سياسية معقدة، مثل الجرائم ضد الفلسطينيين، والتفاف زعماء العالم حول المشروع الصهيوني كما يفعل ترامب. حيث يصبح من الصعب تصور مستقبل أكثر عدلاً.
هناك آلية نفسية تعمل كنظام دفاعي لصالح النخبة الحاكمة، تُعرف بما يمكن تسميته بـ"التشاؤم السياسي" (Doomerism) أو الاعتقاد بأن لا شيء يمكن تغييره. هذه العقلية ليست مجرد نتيجة طبيعية للإحباط، بل هي جزء من استراتيجية ثقافية متعمّدة.
هذا الإحباط ليس جديدًا، بل هو جزء من تجربة سياسية ممتدة، حيث يمر الأفراد بمراحل من الأمل، ثم الإحباط، ثم التكيف مع الواقع المرير. لكن كما أشارت الكاتبة "أورسولا لو غوين"، فإن كل نظام قمعي يبدو غير قابل للتغيير إلى أن يتم تحديه وتشكيل تهديد لكسر هيمنته، تمامًا كما بدا "الحق الإلهي للملوك" أمرًا حتميًا قبل أن تسقطه الثورات الشعبية. هذا يوضح أن التغيير قد يكون بطيئًا، لكنه ليس مستحيلًا، وأن الأمل لا يمكن أن يكون مجرد ترف فكري، بل ضرورة استراتيجية.
إضافة إلى ذلك، هناك آلية نفسية تعمل كنظام دفاعي لصالح النخبة الحاكمة، تُعرف بما يمكن تسميته بـ"التشاؤم السياسي" (Doomerism) أو الاعتقاد بأن لا شيء يمكن تغييره. هذه العقلية ليست مجرد نتيجة طبيعية للإحباط، بل هي جزء من استراتيجية ثقافية متعمّدة. يتم تعليم الناس منذ الصغر أن الوضع الراهن هو "الطبيعة البشرية"، وأن أية محاولة لتغييره ستبوء بالفشل. هذا الشعور بالعجز يعمل كصمام أمان يحمي النظام من الثورات والانتفاضات، إذا ما الفائدة من المقاومة، إذا كان كل شيء محسوم سلفًا؟.
التاريخ يخبرنا أن هذه العقلية ليست إلا خدعة، إذ لم يكن هناك يومًا نظام استبدادي أو اقتصادي استغلالي استمر دون مقاومة شعبية أدت إلى تغييره أو زواله.
الحل الوحيد لكسر هذه الحلقة المفرغة هو التنظيم الجماعي، وهو ما أثبتته جميع الحركات الاجتماعية الناجحة على مدار التاريخ. سواء في النضالات العمالية التي انتزعت حقوق العمال، أو الحركات المناهضة للاستعمار، أو النضال من أجل الحقوق المدنية، كان التغيير دائمًا نتيجة لعمل جماعي منظم، وليس لمجهودات فردية منعزلة. لقد رسّخ النظام الرأسمالي مفهوم "الفردانية المطلقة"، محاولًا إقناعنا بأن الحلول لا يمكن أن تأتي إلا من داخلنا، لا من خلال الحركات الجماعية. لكن الواقع يثبت عكس ذلك: لم يتحقق أي تغيير جذري إلا عندما اجتمع الأفراد في حركات جماعية قررت رفض الاستسلام والعمل من أجل عالم أكثر عدلاً.
ختامًا، يبدو اليأس شعورا طبيعيا في ظل الأوضاع الراهنة، لكنه ليس قدرًا حتميًا. الإحباط السياسي ليس مؤشرًا على استحالة التغيير، بل هو تحدٍّ يجب تجاوزه. و"التشائم السياسي" ليست سوى أداة للحفاظ على السلطة، يمكن تفكيكها بالفهم والإدراك. أما الحل، فيبقى دائمًا التنظيم الجماعي والعمل المشترك، فهو وحده القادر على تحويل الحلم بالتغيير.. إلى واقع ملموس.
يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة، اتحدوا!
كاتب المقال هو سكرتير منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية








.png)


.jpeg)



.png)
