لا شك أننا ما دمنا أحياء، ولم تصل لنا "الكورونا كوبيد 19"، نستطيع أن نقضي أوقاتنا بما هو مفيد ويفيد، وقد قضيت جزءا من وقتي في قراءة المجلات الثقافية التي اقتنيتها ولم يكن لدي الوقت لقراءتها كاملة، ومن بينها مجلة " الهلال" المصرية العريقة، التي أسسها الكاتب والمؤرخ جورجي زيدان، ومجلة "أدب ونقد" التي يصدرها حزب التجمع الوطني الوحدوي في مصر، ومجلة "الطريق " التي أسسها أنطون ثابت عام 1941م في لبنان ، و"روز اليوسف" التي أسستها فاطمة اليوسف ، في مصر أيضا، و"فصول" المجلة الأدبية النقدية في مصر، و"الموقف الأدبي" السورية وغيرها من المجلات التي بدأت تصل من دول النفط أيضا.
خلال قراءة مجلة "الطريق" في عددها الأوّل عام 1998م، وقع نظري على مقال هام للباحث السوري محمد حيّان السَّمان في مقال له عن "صحافة عصر النهضة وجريدة "نهر العاصي" التي صدرت في حماة (سوريا) منذ العام 1911م،
عقد المؤتمر العرب الأول بمبادرة حشد من المثقفين والسياسيين العرب في باريس في الفترة ما بين 18-23 حزيران 1913م، وهو يعتبر الحدث السياسي الثقافي الأكثر أهميَّة وسطوعا وتنظيما في التَّعبيرِ عن مطالب الحركة الإصلاحية العربية التي برزت في المدن العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر.
وكان لصحيفة نهر العاصي ولمحررها دورا بارزا في التوعية والانتباه لما يدور حول العرب من جهة والتوجيه بمفاهيم ربما تكون سابقة لعصرها من جهةٍ أخرى ومنها:
1- كان الأرمنازي منتسبا إلى حزب اللامركزية في القاهرة (تأسس عام 1912م)، ولذلك كانت كتاباته محرضة ومطالبة باللامركزية وهدفها السعي إلى تطوير أسلوب الحكم في أقطار الدولة العثمانية على أساس اللامركزية، حتى تستطيع الولايات تنفيذ الإصلاحات الضرورية ومقاومة أي غزو أجنبي في حال تتعذر مساعدة الدولة المركزية. (لم تكن أصواتا قوية في هذهالفترة تطالب بالاستقلال التام عن الدولة العلية العثمانية).
2- تطور هذا المطلب بعد ذلك إلى مطلب عروبي يتمثل في المطالبة بالحقوق المتساوية واللامركزية، والاعتراف باللغة العربية.. والمطالبة بحصة العرب من جهاز الدولة الجديدة" (1)
3- طالب بتحويل الدولة من "سلطنة عثمانية إلى سلطنة يكون فيها أتباع جميع الأديان متساوين في جسم الجماعة السياسي، ومشتركين معا في شعور الولاء الوطني" (2) أليست هذه بدايات التفكير بالدولة الوطنية ودولة جميع مواطنيها؟
4- النظرة والموقف الطبقي الواضح يقول الأرمنازي، عبر سرد متدفق فيه الدلالات على صميم المعنى الطبقي السياسي الاجتماعي: "من أينَ أتتكم – مخاطبا الزعماء والحكام -م.ص–هذه الأموال والأملاك التي تتبجحون بذكرها كل آنٍ وتريدون السيطرة باسمها على سوريا وعلى الأمة العربية؟ ثم يتابع قائلا: "ما بيدكم من الأموال إلاّ من ظلم الفلاّح والاستبداد على الفقير واختلاس أوقاف المساجد والمدارس، اتصلت لكم بمعونة رجال الدور البائد ونصرة حكومة المستبدين لكم وأخذها بناصركم حتى حصرت ثروة البلاد بكم لتكونوا آلة صمّاء في أيديها تديرها كيف شاءت وأرادت"(3).
5- دافع المحرر عن المؤتمر العربي الأول في باريس دفاعا واضحا في مقاله "استنسرت البغاث" قائلا "..نحن السواد الأعظم من أبناء الأمة العربية يدنا بيد مؤتمري باريس والقاهرة على السراء والضراء، مهما صرختم ومهما ناديتم وأبرقتم، ومهما أرغيتم وأزبدتم، لا يجديكم ذلك نفعا، وما هو إلاّ كصرخة في واد ونفخة في رماد تذهب به الريح، أما صوتنا الجهوري صوت الشعب برمته، فلا تذهب به الأهواء"(4).
هذه المواقف الوطنية والطبقية أغضبت الاتراك على محمد علي الأرمنازي، ولذلك ككل حكم مستبد، ساقوه إلى عاليه (لبنان) لاستنطاقهِ أمام الديوان العسكري الذي نصبه السفاح هناك، ويشير معاصرون إلى أن الأرمنازي قد تعرض لتعذيب جسدي رهيب قبل أن يصدر بحقه حكم الإعدام. وقد نفذ هذا الحكم في صباح يوم 21 آب 1915م، في ساحة البرج في بيروت، هو وعدد آخر من الوطنيين العرب، بينهم عدد من الصحفيين والكتّاب المناهضين لسياسة الاتحاديين، وكان عمر الشهيد محمد على الأرمنازي واحدا وعشرين عاما لا غير، وهو بذلك يقدم مبكرا نموذجا للصحفي صاحب الموقف والمبدأ وثانيا، للمواقف الطبقية والوطنية والقومية المتقدمة والواضحة وقد "بقيت الصحيفة تصدر أسبوعيا حتى توقفت تماما عن الصدور قبيل الاحتلال الفرنسي لسوريا عام 1920م" (5).
في الحقيقة لقد حاولت الاطلاع على المزيد من المعلومات عن هذه الصحيفة وهذا الكتب الصحفي أو المحرر الصحفي، ولجأت لكتاب د. شمس الدين الرفاعي من سلسلة درات صحفية بعنوان "تاريخ الصحافة السوريّة" الجزء الأول (الصحافة السورية في العهد العثمانيمن 1800- 1918م" الصادر عن دار المعارف بمصروكذلك الجزء الثاني من ( 1918- 1947م)، إلا أنني مع الأسف لم أجد ذكرا لهذه الصحيفة وهذا الصحافي الشهيد، فهل هذا الأمر مقصود خاصة وأننا أمام صحفي شهيد، وصحيفته بقيت من 1911-1920م أي عمليا الفترة التي تناولها الكتاب، أم أن المصادر التي اطلع عليها الأكاديمي لم تسعفه ولم تتحدث عن الصحيفة والصحفي؟ تساؤل يبقى معلقا ولكنه أيضا ينبهنا إلى أن الدراسات الجامعية مهما هلل لها البعض إلاّ أنها قد تنقص غفلا من الباحث أو عمدا؟
وأخيرا تحية للباحث السوري محمد حيّان السَّمان الذي كشف لنا عن صحفي نموذج للوعي المتقدم، والالتزام حنى الشهادة بالموقف، وظلم الحكم التركي العثماني في بلادنا.
//إشارات:
1- "الطريق" العدد الأول 1998م ص102.
2- ص104.
3- ص105.
4- ص106.
5- ص108.
.png)





.png)




