أنهيت مسيرتي للقب الاول في قسم السياسة والحكم في جامعة بن غوريون في بئر السبع بمساق "السلام والحرب في الشرق الأوسط"، الذي يمرره الدكتور العزيز منصور النصاصرة، بكتابة وظيفة بحث نهائية كانت بالنسبة لي تجربة مميزة، وتحولت لذكرى مهمة أخرى من تجاربي في بئر السبع، والتي أحملها معي أينما حططت.
نموذج تدريس المساق لم يكن نمطيًا كسائر المساقات المعتادة، فبالاضافة إلى التعليم والنقاش، خضنا خلال النقاش تجربة التفاوض الافتراضية وطرح الحلول، وهي تجربة انتهزتها كفرصة لممارسة نوع من النقد التهكمي لنهج المؤسسة الأكاديمية التي تتغنى بشعار الديمقراطية، حتى أشعر ولو للحظة بانتصار في معركة وجودية داخل هذا الحيز الأكاديمي "العادل". وقد مارست هذا النقد التهكمي في أحد النقاشات التي طرحت خلال المساق، وتهكمي استند إلى المقارنة بين شرعية رفع العلم الفلسطيني وارتداء الكوفية لغرض تعليمي أكاديمي، وتجريمها في سياق حراك طلابي سياسي يعود إلى أحداث إحياء ذكرى النكبة سابقا، داخل جدران نفس المؤسسة، وأوردتُ المشهد التالي:
"مفاوضات سلام مفترضة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تدور في غرفة من صفوف جامعة بن غوريون في النقب!
حيّز البحث الأكاديمي هذا هو نموذج يحمي حريّة التعبير، النّقاش والموقف، وهو النموذج المفروض تطبيقه على أرض الواقع في دولة تدّعي الديمقراطيّة.
المثير في هذا الأمر، أن العلم الفلسطيني هو ذاته والكوفيّة هي ذاتها لكن في سياقات مختلفة. عندما يكون الأمر تحت غطاء البحث يُسمَح بممارسته، أمّا في إطار وقفة احتجاجية دون غطاء أكاديمي تعليمي وذات موقف حقيقي وليس افتراضي، فيتحول رفع العلم وارتداء الكوفية إلى جريمة وفعل تحريضي وتعدٍّ على سياسات المؤسسة الأكاديميّة. على كلّ حال، بلا ما أوجّعلكو راسكو.. انتزاع هذه الشرعيّة بغطاء بدون غطاء بهمّش… شعور نصر".
صورة من العرض خلال المفاوضات الافتراضية داخل المساق
بالإضافة الى هذه المفاوضات الافتراضية المباشرة داخل صفوف الجامعة، تم تنظيم جولة تعليمية لنا في مدينة القدس، في حارات القدس العربية، ولأول مرة طُرحت بجرأة أمامنا الرواية الفلسطينية بكل شفافية ودون أي تجميل أو تلاعب بالتفاصيل المؤلمة التي غُيبت عن أنظار وأسماع الطرف الإسرائيلي، حيث عايشنا بشكل مباشر الصراع على الأرض وأمامنا مخيم شعفاط المحاصر بالأسلاك والحواجز وأيضا قرية بيت صفافا التي قُسمت إبان الحكم الأردني، مرورًا بالشيخ جراح وجبل المشارف والبلدة القديمة. لم تكن هذه الجولة مجرد زيارة، بل كانت رحلة لاستكشاف تعقيدات الهوية الوطنية والسياسية في المدينة منذ النكبة، مرورًا بفترة الحكم الأردني وحتى اليوم. كانت التجربة مركبة جدا لبعض الطلاب الإسرائيليين الذين يعيشون في القدس، ولأول مرة يرون مركزية مدينة القدس في الصراع والحلول المطروحة. هم يرون بيت صفافا وبيت جالا وبيت لحم من نافذة بيوتهم لكنهم لا يعرفون عنها إلا القليل!
دُرس المساق خلال أكثر الأعوام قسوةً وتركيبًا، في واقع ومشهد دموي مؤلم وحرب على غزة التي لا تبعد عن الجامعة مسافة أربعين دقيقة! دُرس المساق باللغة العبرية الرسمية، مع زملاء يهود من مختلف أقطاب الخارطة السياسية الإسرائيلية.. وأنا العربية الفلسطينية. فكيف لي ألّا أنتهز الفرصة وأن أكتب البحث النهائي باللغة العربية لكون المحاضر ابن البلاد ويتحدث اللغة العربية؟ وهو ما يمثل خطوة هامة وربما سابقة في المشهد الأكاديمي الذي دائمًا ما تهيمن عليه اللغة العبرية أو الإنجليزية.
كتابة وظيفة بحث أكاديمية حول دور الأحزاب السياسية العربية في عملية السلام هو اختيار يعطي صوتًا لرواية فلسطينية قد تكون مهمشة في كثير من الأحيان. من خلال هذا البحث، سنحت لي الفرصة للتعبير عن هويتي وتجاربي، وكيفية تداخل الجوانب المختلفة لهويتي الفلسطينية مع واقعي كمواطنة تحمل الهوية الإسرائيلية.
التجارب التي خضتها خلال المساق، مثل نموذج التفاوض، بالإضافة إلى الجولة التعليمية في القدس، تعكس جهودًا حقيقية لفهم التحديات المعقدة التي تواجهها القضية الفلسطينية وفي ظل غياب أي عملية سلمية جدية. تجربتي في الكتابة باللغة العربية في إطار أكاديمي عبري عكست قدرتي على التعبير عن أفكاري ورؤيتي بوضوح، مما عزز من إسهامي في الحوار الأكاديمي حول واقعنا المركب، بدايةً بمصطلح "فلسطينيو الداخل"، الذي لن أستطيع أبدا ترجمته الى أية لغة أخرى وتظل تحمل ذات المفهوم الذي نقصده باللغة العربية والمنظور الفلسطيني.
لم أشعر خلال تجربة التعليم والتفاوض الافتراضي بكوني محور القضية، انتسبت طبعا الى الطرف الفلسطيني المفاوض، وكنت محط أنظار الزملاء والمرجع الحتمي لكل خطوة وفكرة أقدمنا عليها كفريق مفاوض، فأنا هي العربية! والعربية الوحيدة؛ انقلبت فجأة كل الموازين، خرج زملائي من منطقة الراحة وتحدوا أنفسهم في سبيل اعتناق موقف الآخر والدفاع عنه بشراسة. لن تسعني الكلمات لأن أصف درجة التوتر وكثافة المشاعر التي أنتجها نموذج التعليم الحواري غير التقليدي المميز هذا، في حين يهيمن على كل ما يحيط بنا منطق سياسي يفرض واقعا مختلفا بل مناقضا.
أما تجربة كتابة البحث النهائي للمساق، فقد تناولت محاور نقاش في دور الأقلية العربية الفلسطينية والأحزاب العربية داخل الخط الأخضر في سيرورة العملية السلمية والسياسية على مدار السنين، وتحديدًا منذ اتفاقيات أوسلو. اختياري لهذا الموضوع هو لكون تعقيدات أوسلو كانت محطة مركزية في المساق، قضايا القدس والمستوطنات والحدود كانت محط التركيز والنقاش. وهذا ما كثف لدي الأسئلة حول دوري كوطن، العربية الفلسطينية داخل دولة إسرائيل، كيف لا أتطرق إلى حالنا نحن فلسطينيي الداخل؟ إلى روايتنا المهمشة من كل الأطراف؟ إلى قضايانا الجارحة وتأثيرنا المهمل عمدا؟ فكان لي أن أكتب عن دور الأحزاب السياسية العربية في الداخل من سيرورة عملية السلام التي كانت بمثابة أمل للحلول منذ عام 1993، ولا أنكر صعوبة الكتابة عن السلام في خضم الحرب وتبعات فشل اتفاقيات أوسلو. كان ذلك بحد ذاته تحدٍ من نوع آخر.
إن كتابة وظيفة بحث أكاديمية حول دور الأحزاب السياسية العربية في عملية السلام هو اختيار يعطي صوتًا لرواية فلسطينية قد تكون مهمشة في كثير من الأحيان. من خلال هذا البحث، سنحت لي الفرصة للتعبير عن هويتي وتجاربي، وكيفية تداخل الجوانب المختلفة لهويتي الفلسطينية مع واقعي كمواطنة تحمل الهوية الإسرائيلية. تناولت مواضيع هامة مثل التطورات التاريخية والتوجهات السياسية المتنوعة. كان أحد أهداف البحث هو دراسة كيفية مساهمة الأحزاب العربية في تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية، ورغم التحديات التي تواجهها هذه الأحزاب، إلا أنها تبقى عنصرًا مؤثرًا في السياسة الإسرائيلية بتسليط الضوء على التأثير على العملية السلمية.
كتابتي البحثَ باللغة العربية أعتبره مقاومة من نوع مختلف - مقاومة ثقافية! ففي بيئة تهيمن عليها العبرية، يكون استخدام اللغة العربية تعبيرا عن الأمل في أن تظل هويتنا العربية حية، رغم كل الحواجز والتهميش المدروس.
لقد اقتبست مما توفر لي من آراء سياسيين على المستوى المحلي وأضفته إلى نقاشي، وتمكنت من إجراء مقابلات شخصية مع عضو الكنيست أيمن عودة، وعضو الكنيست السابق سامي أبو شحادة بقبعة "باحثة أكاديمية"، وبهدف موضوعية وواقعية النقاش وإثراء تنوع المواقف والمنظور السياسي لمختلف الأحزاب السياسية العربية تاريخيًا ومؤخرًا، والتطرق للقائمة المشتركة كحالة بحث مثيرة على مستوى تاريخ الأحزاب العربية في الكنيست.
في البعد السياسي هذا، وحي من "المتشائل" الذي وصفه إميل حبيبي؛ فالأحزاب العربية في الداخل تعيش في حالة من التشاؤل بينما تواجه هول التحديات حفاظا على الهوية الفلسطينية من جهة، وتحاول أن تلعب دورا في العملية السياسية الإسرائيلية من جهة أخرى، مما يعكس حالة من التناقض بين الألم والأمل.. والعمل.
الأمر كذلك أيضًا في البعد اللغوي؛ كتابتي البحثَ باللغة العربية أعتبره مقاومة من نوع مختلف - مقاومة ثقافية! ففي بيئة تهيمن عليها العبرية، يكون استخدام اللغة العربية تعبيرا عن الأمل في أن تظل هويتنا العربية حية، رغم كل الحواجز والتهميش المدروس.
على صعيد التجربة الشخصية، ولأن الحياة الجامعية لا تقتصر على التعليم فحسب، بل تتطلب منا التأثير من مكاننا في المؤسسات الأكاديمية، ونظرًا لحقيقة البحث في دور الأحزاب العربية التي تنبثق منها فروع حركات سياسية طلابية في المؤسسات الأكاديمية، كان للجبهة الطلابية التي نشطت فيها دور كبير في صقل وبلورة شخصيتي ودوري السياسي. وهذه رسالة واحدة من رسائل البحث، أوجهها بشكل خاص إلى شريحة الطلاب في الجامعات، أن افعلوا وانشطوا في الجامعات وما بعد الجامعات، فالتاريخ سيسألنا يومًا عن دورنا، فليكن لنا عما نتحدث على الأقل. إن إسهامي في الكتابة عن هذه المواضيع ليس مجرد عمل أكاديمي، بل هو محاولة لإيصال رسالة سياسية أوسع تتعلق بحالتنا كأقلية فلسطينية في الداخل. في الوقت الذي نعاني فيه من تضعضع أحوال الأحزاب العربية، يعد هذا البحث أداة لفهم التحديات التي نواجهها، وكيف يمكننا تعزيز الهوية والعمل السياسي في سياق أكثر تعقيدًا.
لا بد أن أشير في مجال العمل الطلابي إلى نموذج قائمة "الكرمل" في انتخابات جامعة حيفا مؤخرا، والتي انعكست في أحداثها محاور مهمة تلامس جوهر ورسائل هذا البحث، حيث مثلت القائمة مختلف شرائح شعبنا الفلسطيني بمشهد يدرس في التكاتف والعمل الجبار، الذي واجه بقوة سياسة إقصاء مدروسة بإحكام ومسنودة من قبل نقابة الطلاب في الجامعة، التي حاولت سلب الطالب العربي مكانه وممارسة حقوقه. فلتكن هذه التجربة "المتشائلة" درسا في النضال الطلابي المستمر حتى تحقيق العدل والمساواة والسلام..
تجربتي كفلسطينية في جامعة إسرائيلية تشتبك كثيرا مع حالات الطالب والمحاضر الفلسطيني في الحيز الإسرائيلي كما ناقش كتاب "في جوف الحوت". ففي هذا الكتاب المثير تشغيل مستمر للمعرفة، يخلق من رحم الظلام حياة، يدفع الطالب الفلسطيني الغيور على قضيته لتوثيق تجربته التي تساهم في إنشاء مساحة تتحدث بالعربية وتعزز الهوية الفلسطينية. في ذلك محاولة لتخطي الحدود التي تفرضها البيئة الأكاديمية الإسرائيلية، من خلال الكتابة باللغة العربية ومناقشة القضايا الفلسطينية بشفافية وسياق أوسع من التحرر المعرفي.
ستبقى هويتنا الوطنية جزءًا مركزيًا من سيرورتنا الجامعية وسنتذكر دومًا دورنا كطلاب في مناقشة قضايانا وطرح حالتنا كأقلية قومية وأصلانية في الجامعة رغم غربتنا عن لغتنا العربية في هذا الحيز.







.png)


.jpeg)



.png)

