جهاز العنف والإرهاب العالمي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الإدارة الأمريكية، ديمقراطية كانت أم جمهورية، تحاول بكل الوسائل السياسية والإعلامية طيَّ "مآثر"، لا بل جرائم، وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في صفحات النسيان، وفرض تسويق وتفسير لأحداث التاريخ البعيد والقريب، يبرز "محاسن"، لا بل جرائم، السياسة الإرهابية العدوانية للبيت الأبيض، لا بل البيت الأسود.

ولذلك، علينا أن نلجأ إلى الوقائع ونعود إلى تلك الأزمنة التي خطت فيها وكالة المخابرات الأمريكية خطواتها الأولى في مجال "الدبلوماسية السرية" (هكذا يسمى الإرهاب الدولي بحياء لدى آباء وكالة المخابرات المركزية) في منطقة الشرقين الأدنى والأوسط.

إنَّ منطقة الشرقين الأدنى والأوسط، الغنية بالنفط والشديدة الأهمية من الناحية الاستراتيجية، أصبحت محط اهتمام كبير لدى الإدارة الأمريكية ووكالة المخابرات الأمريكية حال تأسيسها في عام 1947. وقد أُعير في البيت الأبيض، في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، اهتمام خاص لتوطيد مواقع الولايات المتحدة في العراق، الذي توجهت إليه أنظار احتكارات النفط الأمريكية المتعطشة لدى انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان في ذلك الوقت هوارد بيج، "الدبلوماسي النفطي"، مندوب شركة "إيكسون"، الذي كانت وزارة الخارجية الأمريكية تحصل منه على المعلومات الأساسية عن الوضع الداخلي في بلدان الخليج العربي.

وكان في ذلك الوقت عدد أعضاء مكتب وكالة المخابرات المركزية لدى الممثلية الأمريكية قليلاً (أعداد هؤلاء الآن في الدول العربية لا يُعدّون ولا يُحصَون، ومنهم من أبناء "أمتنا"، للأسف). وقد خطا العراق خطواته الأولى، منشغلاً بتجنيد عملاء محليين (وما أكثرهم في وقتنا الحاضر)، وإدخال رجاله في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد.

وقال رجل المخابرات الأمريكي، ويلبر إيفلاند، متذكراً في كتابه قصور من الرمال: إخفاقات أمريكا في الشرق الأوسط: "إن عدد موظفي مكتب وكالة المخابرات المركزية، الذين عملوا في العراق تحت الستار الدبلوماسي، كان قليلاً إلى درجة أن كِلا السكرتيرين اضطر حتى إلى الانشغال بتنظيم الاتصالات واللقاءات مع العملاء في شقق سرية".

ولكن ذلك لم يكن سوى البداية، فقد كوَّن إيفلاند في كتابه صورة واسعة عن عمليات وكالة المخابرات المركزية، التي كان عملاؤها وما زالوا يمارسون أعمالهم في الشرق الأوسط وراء قناع دبلوماسيين، ومدرسي جامعات، وعلماء آثار، وحتى تحت ستار منظمة "اجتماعية"، هي "جمعية أصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط". (جمعية أصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط منظمة أمريكية تأسست في عام 1951، وكانت لها فروع في مصر وسوريا والمغرب وتونس وليبيا والأردن. وكان "الأعضاء النشطاء" في هذه الجمعية يقومون بأعمال التخريب والتجسس بحجة تعزيز العلاقات الثقافية بين الولايات المتحدة والبلدان العربية، وكان كيرميت روزفلت، عميل المخابرات المركزية، رئيساً لهذه الجمعية). وقد مارس هؤلاء العملاء، عرباً أم أجانب، في العراق في ذلك الوقت وخلال العقود اللاحقة، وخلال احتلال العراق، والآن في المنطقة، نشاطات هدامة ضد شعوب ودول المنطقة.

وكانت أجهزة المخابرات المركزية الأمريكية تضع ملفات عن ضباط الجيش العراقي في ذلك الوقت لتجنيدهم فيما بعد، وتتبع بدقة المثقفين والطلبة ذوي الميول المعارضة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة.

في عام 1953، أصبح ألن دالس مديراً عاماً لوكالة المخابرات المركزية، وساعده في الوصول إلى ذلك شقيقه الأكبر، جون فوستر دالس، الذي أصبح في ذلك الوقت وزير الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى هذه الصورة، انتقلت قيادة وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية إلى أيدي شقيقين من كبار الموظفين، متفقين على تبرير العنف والإرهاب، فشغَّلا جهاز المخابرات الشرير للعمليات التخريبية والهدامة والاغتيالات السياسية بأقصى طاقته، في فترة قصيرة في ذلك الوقت. وقام ألن دالس، في ذلك الوقت، بتعيين كرميت (كيم) روزفلت، الذي ترتبط باسمه سلسلة كاملة من الجرائم الدموية للمخابرات الأمريكية في الشرقين الأدنى والأوسط، والذي يثق به دالس ثقة شديدة، ملائماً أكثر من غيره لدور "لورانس العرب" في جماعة العملاء السريين لوكالة المخابرات المركزية.

وكان كيم روزفلت مديناً بالترقي في منصبه اللامع، لا بل الفاسد والإرهابي والقذر، لنجاحه في إسقاط الحكومة الشرعية في إيران، في خمسينيات القرن الماضي، المعروفة في مدونات المخابرات المركزية بالاسم السري "جاكس". ورأي كاتب هذه السطور أن ما جرى في سوريا، في الفترة الأخيرة، هو مؤامرة "جاكس" جديدة ضد الوطن والشعب السوري.

فالولايات المتحدة، التي تدعي في العقود الأخيرة أنها تقود حرباً ضد "الدولة الإسلامية"، مجرد خداع وكذب لتبرير عملها الإرهابي في منطقة الشرق الأوسط. كتب ميشيل شوسيدوفسكي، في موقع غلوبال ريسيرش الكندي، مقالاً بعنوان معلومات عن داعش لا يريدك أوباما أن تعرفها، بتاريخ 13 – 12 – 2014، يقول فيه:

"الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد "الدولة الإسلامية" مجرد كذبة كبرى، وما ملاحقة "الإرهابيين الإسلاميين"، وشن حرب وقائية في جميع أنحاء العالم لـ"حماية الوطن الأمريكي"، سوى ذريعة لتبرير أجندة عسكرية".

"داعش" صنيعة المخابرات الأمريكية، وأجندة واشنطن لـ"مكافحة الإرهاب" في العراق وسوريا تتمثل في دعم الإرهابيين.

ولم يكن اجتياح قوات "داعش" للعراق، ابتداءً من يونيو 2014، سوى جزء من عملية استخبارية عسكرية مخطط لها بعناية، وتحظى بدعم سري من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وإسرائيل. والآن، لولا دعم هؤلاء الشياطين، بالإضافة إلى تركيا والأنظمة الرجعية العربية، لما وصل أمثال الجولاني إلى السلطة في سوريا. وعليه، فمكافحة الإرهاب ليست سوى ضرب من الخيال، فأمريكا هي الدولة الراعية للإرهاب رقم واحد في العالم".

"وتنظيم الدولة" يحظى بحماية الولايات المتحدة وحلفائها، ولو أرادوا القضاء على هؤلاء المسلحين، لكان بإمكانهم قصف شاحناتهم الصغيرة من طراز تويوتا، عندما عبروا الصحراء من سوريا إلى العراق في يونيو من العام 2014".

وهنا أعود إلى خطاب للرئيس ريغان عام 1985، حين قال: "إن مقاتلي الحرية في أفغانستان سيخبروننا جيداً أن التهديد بالعدوان لم يتراجع في العالم". وبمرور الوقت، أدت المساعدة الأمريكية لقوات المجاهدين في أفغانستان إلى تدريب عناصر "مقاتلي الحرية"، من أمثال أسامة بن لادن.

وهنا، أريد أن أذكر أنه للأسف يستحيل أن ننسى أن سلاح الإرهاب الدولي الأمريكي والغربي الإمبريالي والصهيوني العالمي لا يخطئ الهدف دائماً.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية