فيلم "لا أرض أخرى": حملة المقاطعة بحاجة لتصحيح مسارها

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

يحتفي الآلاف من فلسطينيي البلاد والشتات ومن المتضامنين والناشطين لدعم القضية الفلسطينية بفوز الفيلم 'لا أرض أخرى' NO OTHER LAND بالاوسكار. فوز من شأنه ايصال الفيلم لقضية التهجير في مسافر يطا الى منصة عالمية، وايصال الصورة الحقيقية لما يحدث الى عشرات أو مئات الآلاف من المشاهدين في كل العالم.

بالتوازي، اختارت الحملة الفلسطينية للمقاطعة (PACBI) نشر أحد اسوأ بياناتها لتنصاع للردح التطبيعي. بهذا انطبق عليها القول 'سكت دهرا ونطق خلفا'.

يذكرني هذا المشهد الهرائي بفئة معينة من رجال الدين الذين يغفلون عن القضايا الكبرى وينشغلون بطول غطاء الرأس أو شكل اللحية، أو طريقة رفع اليدين أثناء التكبير.

نعم، نحن ضد التطبيع الذي يساوي المحتل بالواقع تحت الاحتلال ومع الضغط على اسرائيل وشرعيتها عن طريق المقاطعة. لكننا ضد الغباء المرتدي لرداء الثورجية النقية. ضد التقوقع والالتهاء بنقاشات داخلية تخوينية ومزايدات تجعلنا نشتغل ببعضنا البعض وتجعل المتضامنين معنا يقفون "مزبهلين" امام هذه المهزلة.

الفيلم يجسد نضالا مشتركا لسنوات، لناشطين فلسطينيين واسرائيليين وهو واضح وضوح الشمس بتبيان انعدام المساواة أو التكافؤ بين الافراد المنتمين للشعب الواقع تحت الاحتلال وبين رفاقهم المنتمين الى الشعب الممارس للاحتلال. لا يختار الانسان انتماءه، ولكن بإمكانه اختيار موقفه وأفعاله.

قرأت بيان حملة المقاطعة بتمعن باحثا عن ادعاءات منطقية قد تقنعني بأن هناك ما لم انتبه اليه. وجدت فيه عوضا عن ذلك تناقضات لا تنتهي. تناقضات بين المعايير التي وضعتها الحملة نفسها وبين الحالة التي نحن بصددها.

مثلا تقول الحملة الفلسطينية على موقعها الرسمي- "تدرك الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) أن فريق الفيلم، فور فوزه بالأوسكار، وفي مواجهة الانتقادات المتزايدة، نشر بيانًا يذكر صراحة النكبة والتطهير العرقي والاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد، ويطالب بـ"العدالة للاجئين الفلسطينيين"، وهو ما يمثل خطوة جدية نحو معالجة المشاكل الكبيرة المذكورة أعلاه. ومع ذلك، فإن البيان لم يذكر إسرائيل كالطرف الذي يقترف كل هذه الجرائم.". وقفت مندهشا أمام هذا النص! عبّر فريق الفيلم عن موقف واضح وممتاز، فما معنى "لم يذكر إسرائيل"؟ هل تخوفوا من أن يعتقد القارئ أن نيوزلندا مثلا هي المتهمة؟ ذكرتني هذه الفقرة بقصة "ليش مش لابس طاقية".

والآن لننظر موضوعيا الى الفيلم على ضوء تعريف حملة المقاطعة نفسها لمعايير العمل المشترك مع إسرائيليين:

"بغض النظر عن النوايا، وبحسب تعريف التطبيع المُتوافق عليه من الغالبية الساحقة في المجتمع الفلسطيني في الوطن والشتات، فإن التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، يجمع (على نفس "المنصة") بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفراداً كانوا أم مؤسسات) ولا يستوفي الشرْطَيْن التاليَيْن:

  • أن يعترف الطرف الإسرائيلي بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بموجب القانون الدولي، (بالحد الأدنى، حق عودة اللاجئين وإنهاء الاحتلال ونظام الأبارتهايد)،
  • وأن يشكّل النشاط شكلاً من أشكال النضال المشترك (co-resistance) ضد نظام الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي."

أولا، نحن أمام فيلم منتجوه ومصوروه لم يفكروا بحمل الكاميرا لإنتاج فيلم، بل شكلت الكاميرا منذ البداية سلاحهم الوحيد أمام بنادق الجنود وبلدوزراتهم التي هدموا بها بيوتهم.

فيلم انساني مؤثر يجسد صراع أهالي قرى مسافر يطا مع الاحتلال على مدى سنوات، بل أجيال. يحول الشعارات الكبيرة الى معناها بالتفاصيل اليومية للناس. الفيلم من انتاج شبان من مسافر يطا، وثقوا الاحداث التي مروا بها هم وأهلهم على مر السنوات. قاموا بذلك من خلال عمل مشترك مع ناشطين اسرائيليين من اليسار الراديكالي، انخرطوا معهم بنضالهم وبنوا مستوى من الثقة يمثل الهاما ونموذجا لما يمكن أن يكون معنى النضال المشترك الحقيقي. أحد الحوارات المؤثرة بالفيلم هو الحوار الذي يدور بين باسل عدرا ويوفال أفراهام حين يعبر يوفال أفراهام عن شعوره بالتناقض الأخلاقي كإسرائيلي يعارض الاحتلال ومنظومة الأبارتهايد ولكنه يستفيد من الامتيازات التي تمنحها له دون اختياره لذلك.

يوفال: “آمل أن تتمكن من زيارتي في بئر السبع يومًا ما، بدلاً من أن أكون أنا الوحيد القادر على زيارتك."

باسل: "لن يوافقوا على منحي تصريحاً!"

يوفال: " لن تكون هناك حاجة لتصاريح حينها... في دولة واحدة للجميع، حيث لا يوجد من يُمنع من دخول مدينته، ولا من يُطرد من أرضه، ولا من يُعامل كأنه دخيل في وطنه."

نحن أمام مثال جميل من النضال المشترك (كما عرفته حملة المقاطعة نفسها) لشابين، يعكس واقع الاحتلال بأسلوب شخصي وإنساني، حيث يواجه أحدهما القمع المباشر، بينما يعاني الآخر من التناقضات الأخلاقية بصفته إسرائيليًا يعارض سياسات بلاده ومنظومة الأبارتهايد التي بنتها. الحوار يعكس صورة قوية عن التمييز، والتهجير، والمقاومة الإعلامية.

واجه يوفال حملة رسمية وشعبية في إسرائيل وصلت الى حد المطالبة بسحب جنسيته وتهديدات بالقتل له ولعائلته.

بدل 'اللف والدوران' دعونا نواجه سؤال العمل المشترك مع ناشطين اسرائيليين بشجاعة وانصاف.  صحيح، وجود معظم الإسرائيليين في فلسطين هو نتاج للهجرة الاستعمارية المنظمة والنكبة الفلسطينية. وفي هذا السياق يجب أن نكون صريحين وواضحين ومنصفين في موقفنا من الأفراد والمجموعات الإسرائيلية التي تفهم ذلك وتعترف به، بل وتعمل وتدفع ثمنا شخصيا لتغيير هذا الواقع الذي لم تختره ولم تساهم بتكوينه. إسرائيلي شاب ولد هنا كجيل ثالث أو رابع للاستعمار. لم يستشره أحد. كما ولد الفلسطيني صاحب الأرض في ال 48 أو الضفة أو غزة أو الشتات في وضع قانوني مختلف (بحقوق مدنية متباينة) نتيجة التقسيم الاستعماري.

ان نظرنا الى التجربة الجنوب افريقية فقد حسم المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC)، الذي قاد النضال ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب إفريقيا هذا الموضوع. تبنى نهجًا شاملاً لا يستند الى الانتماء العرقي في كفاحه، واعتبر أن النضال ليس ضد البيض كأفراد، بل ضد نظام القمع والتمييز العنصري. لذلك، كان موقفه من البيض المناهضين للأبارتهايد إيجابيًا، وشجّع على التعاون معهم ضمن إطار النضال المشترك. نفس التوجه كان حاضرا على مر الكثير من التجارب والنضالات في الحالة الفلسطينية، لكن يبدوا أن الاضمحلال الفكري وصل الى درجة أصبح فيها ذكر أي يهودي اسرائيلي تهمة تطبيعيه اكيدة الادانة دون النظر الى آرائه وأفعاله وأقواله.

ان كان موقف البعض مخالفا لذلك، يتوقع منهم أن يجاهروا بالبديل وأن يعبروا عن موقفهم بشكل علني وواضح. ما توقعهم من ابن الشعب المضطَهِد الذي ولد هنا ويناهض الأبارتهايد وسياسات بلاده؟ هل يتوقع منه أن ينتحر أم أن يتملص من كل مسؤولية ويهاجر مستخدما امتيازاته تاركا كل الفاشيين من أبناء جلدته وراءه؟

يتوقع من حملة المقاطعة الرسمية هنا أن تتسم بالإنصاف وأن تحتضن هذا النموذج كما كتبته بنفسها في معاييرها. يتوقع منها أن تتسم بالشجاعة ولا تبدأ بالتأتأة والانكماش عند سماع الردح التطبيعي الفارغ (لا أتكلم هنا عن التطبيع الحقيقي المرفوض). يتوقع منها أن لا تشارك في حملة "طخ حالك بإجرك". يتوقع أن تشرك أكبر عدد ممكن من الناشطين الملتزمين ولا تحتكر القرار وتتحول الى حملة "تقوقع وقاطع نفسك".

ختاما، لم يأتي هذا المقال لمهاجمة ضرورة وجود حملة مقاطعة، بل لدعوتها لتصحيح مسارها وعدم التحول الى مجلس فتوى تخويني يناقض أهدافه بنفسه.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية