التحديات السياسية: بين كشف الأوراق والمناورة!

A+
A-
اجتماع ممثلي الجبهة والتجمع في مقر الحزب الشيوعي والجبهة في حيفا

اجتماع ممثلي الجبهة والتجمع في مقر الحزب الشيوعي والجبهة في حيفا

الوحدة والتأثير، هما المطلبان الأساسيان اللذان تطرحهما الجماهير العربية بقوة أمام قيادتها السياسية، وهما مطلبان طبيعيان في كل ظرف، وفي هذه الظروف بالتحديد، حيث تواجه جماهيرنا العربية أبشع حملات الملاحقة والقمع، منذ تشكيل أكثر الحكومات تطرفا وشن أبشع وأطول المجازر في تاريخنا المعاصر.

الجماهير العربية تدرك بأن ما نواجهه ليس قدرا محتوما لا مفر منه، وبأن للسلطة ومخططاتها العنصرية دورا بمآسينا، وبالذات فيما يتعلق بالآفة الأساسية التي نعاني منها اليوم والتي باتت تسرق النوم والطمأنينة من عين كل أب وأم: العنف والجريمة المنظمة، التي تتربص بأبنائنا كلنا وقد تقتحم منزل أي منا دون أي إشارة مسبقة.

هذه الظروف، بالذات، تستوجب من القيادة السياسية أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية وأن تصارح نفسها أولا ومن ثم الجمهور، بأنها لا تملك الأجوبة الشافية لكل التحديات وبأنها من أجل ذلك بحاجة إلى الجمهور وحكمته وشراكته، بالتفكير والتخطيط، وباتخاذ القرار والتنفيذ.

وهنا نصل عند أحد مطبات السياسة في مجتمعنا العربي، بأن هنالك من واظب على اختزالها بالفعل التصويتي مرة كل بضع سنوات، وكأن منتخبي الجمهور يمتلكون قوى خارقة ليناضلوا بالنيابة عن شعبهم.

هنا بالذات، تكمن الحاجة لإعادة الهيبة للعمل السياسي والنشاط الجماهيري، فالقائد السياسي، مهما بلغت براعته وحنكته ومهما اشتد عوده بدعم من طواقم مهنية تعرف من أين تؤكل الكتف، لن يؤثر دون السلاح الأقوى: التواصل مع الجمهور والقدرة على تحريكه او على الأقل التحرك معه، وهو تحد بات أكثر تعقيدا مما كان حتى الآن في زمن الفردانية وانحسار الأيديولوجيا وتغيير مفاهيم الاحتجاج السياسي أو حتى التعبير العاطفي في ظل القبضة الحديدية للعالم الافتراضي على كل ما فينا. 

نخرج إلى الشوارع لنتظاهر فنجد عشرات الألوف انحسروا ألوفا قليلة في شوارع، باتت مقفرة بعدما كانت تعج بالهتافات وروائح العجلات المشتعلة بالنار والغاز المسيل للدموع. فنسأل: هل حقا لا يمشي الجمهور خلف القيادة لأنها لا تجرؤ على إغلاق الشارع (كاسم إشارة مجازي للخروج على المألوف؟) أم أنها لا تجرؤ على اغلاق الشارع لأن الجمهور ليس معها؟ 

ثم نستأنف: هذه ليست أول مرة تمتنع فيه القيادة عن اغلاق الشارع، لكن الجمهور سبقها إلى ذلك، فلماذا ما عاد يسبق قيادته كما فعل في محطات نضالية عدة؟

الجواب الخطير هنا أنه لم يفقد الثقة بقيادته فقط، إنما بنفسه، وهذا لا يحرر القيادة من مسؤوليتها بل يضاعفها، وخاصة في ظل المعادلة الشرسة التي تحاول السلطة فرضها في العام الأخير: أي تحرك احتجاجي يقمع بيد حديدية ويكلف أصحابه ثمنا باهظا ولا يجديهم إلا بمردود بخس.

هنا بالذات، على القيادة أن تجتهد لتوفر أجوبة أكثر من التمايل على أنغام "ما يطلبه المشاهدون"، ولعل نجاح حملات الإغاثة رغم كل القمع والتخويف كانت مثالا لما يمكن للناس القيام به بثمن معقول مع قدرة جدية للتأثير، وهنا لا بد من الإشارة مرة أخرى إلى حملة "فكر بغزة" التي تقوم عليها مجموعة من نشطائنا الجبهويين وتمكنت بفعل صدقها مع الناس وعدم التهويل أن تكون الحملة الأطول نفسا حتى الآن فما كانت هبة وانطفأت.

الأمر ذاته بما يتعلق بالوحدة. الوحدة مطلوبة كأداة نضالية، والقاعدة يجب أن تكون بأن نتحد حيثما يجب ونتنافس حيث يمكن، والانتخابات مثلا هي مساحة يمكن التنافس فيها، بل أن للتنافس قيمة مضافة فيها كونها تمنح المواطن حق الاختيار للأقرب له. في ظل الظروف الراهنة هنالك من القادة وممثلي الأحزاب ممن يكتفون بإطراب آذان جمهورهم بترديد مطلب الوحدة، دون أن يقصدوا ذلك بالفعل.

البعض يلوح بهذا المطلب لإخفاء ما يصبو إليه فعلا، عملا بوصية الدرس الأول في علم المناورة بألا تجعل ندك يعرف الهدف الذي تريد الوصول إليه، هذه القاعدة القديمة قدم "خطة نابليون" في الشطرنج، عليها ألا تجعلنا ننكث بعهدنا تجاه الجمهور بمصارحته، وها أنا هنا "أكشف أوراق الجبهة" إذ أقول أننا في الحلبة السياسية اليوم، لسنا على نفس البعد من كل القوى الفاعلة في المجتمع العربي، إنما هنالك محوران: محور أثبت قدرته على التأثير بكرامة وآخر حاول أن يؤثر  بالمهادنة. نحن في الجبهة نرى بأنفسنا في المحور الأول مع شركائنا في العربية للتغيير ومع الأخوة في التجمع، وقد نتمكن من التوصل إلى وحدة ما مع المحور الآخر، لكن ذلك يتطلب منا أولا أن نكون معا أكثر قدرة وفاعلية، وإن لم يتحقق مطلب الوحدة على قاعدة سياسية فليكن كل محور في قائمة انتخابية وبذلك نخوض الانتخابات في قائمتين قويتين تضمنان ألا يهدر أي صوت للمجتمع العربي، بل وتستقطب قوى وأصوات يهودية تقدمية مناهضة للفاشية.

المنافسة السياسية صحية إذا ما كانت حول برامج وطروحات سياسية، لكنها قد تتحول إلى حفلة تنكرية إن كانت ضمن قائمة تبنى على وحدة زائفة أو طوشة عمومية، إن كانت مبنية على الشخصنة والشيطنة وهذا بالضبط ما لا يريده مجتمعنا – ولا نحن.

سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية