أفكار في يوم المرأة: تحرير النساء، تكاتف "الضعفاء" وفرانز فانون

A+
A-
من مظاهرة الحراك النساء الطمراوي ضدّ العنف والجريمة، تموز 2024

من مظاهرة الحراك النساء الطمراوي ضدّ العنف والجريمة، تموز 2024

جلست لأكتب مقالتي بمناسبة يوم المرأة العالمي، ولأول مرة بعد عشرين سنة من الكتابة عن المواضيع القانونية المجتمعية، جفت الأفكار في راسي لأعترف ... ليس لدي ما أقول.

عشرون سنة استهلكتها في الكتابة عن أهمية حماية النساء من العنف داخل العائلة وخارجها ومطالبة الدولة بتطبيق القوانين وزيادة الميزانيات، وعن رفع الوعي لظاهرة التحرشات الجنسية في أماكن العمل وسبل التصدي لها، ومن المطالبة بتطبيق قوانين العمل التي تمنع التمييز بين النساء والرجال في الأجور وظروف العمل وغيرها. 

لكنني اليوم، لم اعد اشعر بالرغبة بتكرار المواضيع نفسها ومخاطبة المجتمع ذاته، فقدت ايماني بطرق العمل المختلفة وبمؤسسات الدولة، وتوصلت الى استنتاجات شخصية كانت كفيلة بأن تجعلني اتوقف عندها لأراجع ذاتي ومسيرتي. 

أعترف أنني في خضم تدعيم جمهور النساء من خلال العمل الجماهيري نسيت أن أدعم شخصي، وبينما طالبتُ بالحق في الخصوصية وحرية التعبير والمساواة في سوق العمل، أنتهك حقي مرارا وتكرارا، أحيانا وقفت بوجه الظلم وحاربته، وأحيانا أخرى تقوقعت في ذاتي وتجاهلته. كثيرة هي المواقف التي عانيت منها على الصعيد الشخصي والمهني التي لم أتوقع أن انهزم امامها كما انهزمت وسرعان ما تحلحل هذا الشعور بالانهزام وخيبة الامل الى داخلي وحطم ثقتي بنفسي وبمبادئ دعوت لها وامنت بها.

بينما كنت انشر الوعي لظاهرة التحرشات الجنسية في أماكن العمل لم أستطع دائما التصدي لها عندما تعرضت لها شخصيا وشعرت بالضعف عندما كان من المفروض أن اشعر بالقوة.

عندما علمت أن زميلي في العمل يتقاضى أجرا أكثر مني فقط لأنه رجل يهودي وانا أمراه عربية، طالبت بصوت خافت بأجر أعلى، وأختار المشغل التظاهر بعدم سماعه لأنه لم يكن عاليا بما فيه الكفاية.

عندما كنت ضحية للعنف فضلت تجاهل الموقف ودفنه بعيدا في الذاكرة على أن "اسمي الولد باسمه"، وأعترف انني ضحية للعنف وأنني أستطيع رفض هذا التعامل ووضع حد لهذا التصرف، ولكنني فضلت التجاهل والانكار واختراع الحجج لأهون على نفسي وأقنع عقلي بأنه مستحيل أن أكون انا ضحية للعنف، وأنني في المرة القادمة إن تصرفت بشكل حذر أكثر فلن يتكرر هذا الموقف ثانية. 

مواقف كثيرة كنت فيها ضحية وأنكرت، مواقف كثيرة كان عليّ أن أقول "لا" ولم أقل، ليس من السهل على أمرأة يعتبرها الجميع قوية أن تعترف حتى امام نفسها أنها هي أيضا من الممكن أن تكون أحيانا ضعيفة، ليس من السهل تقبل فكرة الخنوع من أمرأة تدعو نفسها ثورية.

كيف أستطيع أن أتعايش مع خذلاني لذاتي وانا اعرف انني لا أستطيع أن أطبق على ارض الواقع كل ما أؤمن به؟ وأنني انا أيضا اعاني من النكران والتجاهل كما تعاني منه اغلب الضحايا؟

 سنون مرت وانا أحاول القفز بين النقاط، كلاعب النرد الذي يحاول الا يخسر لعبة الشطرنج فيلعب بحذر شديد لدرجة أنه نسي ان هدف اللعبة الربح وليس عدم الخسارة.

زادت هذه التخبطات وأصبحت أعنف في السنة الأخيرة بعد الحرب على غزة -الخوف من الاعتقالات، الخوف من التعبير عن الراي، الخوف من الاعتراض على الحرب، صور المعتقلين من الداخل، أخبار التعذيب في السجون، كلها "زادت الطين بلة" حيث شعرت أنني أختنق وكرهت نفسي، كرهت خوفي وضعفي، كرهت الليالي التي لم أنم بها خوفا من بوست شاركت فيه صورة طفل مبتور اليد في غزة، صور اقتياد محتجزين معصوبين العينين واليدين لاحقتني وما زالت تلاحقني. كم من الصعب أن تتحطم صورة رسمتها لنفسك على مدار أربعين سنة على صخرة الواقع لتثبت لك أنك لا شيء، وأن قناعاتك جميعها مجرد مثاليات وهمية تمارسها عندما لا يكون حاجة اليها، وعند الحاجة تمتنع عنها حفاظا على سلامتك وسلامة عائلتك. 

مع مرور السنين سمعت القصص نفسها من أفواه نساء كثيرات، قويات وملهمات، منهن من أمتهنّ مهنا مرموقة في الهايتك والمؤسسات المدنية والحكومية وحتى في العمل النسوي، أصغيت لهن يروين كيف تعرضن للعنف الجسدي والكلامي والاقتصادي على شتى أنواعه، ومع هذا لم يحركن ساكنا وفضلن سلامة عائلاتهن و"تجنب الفضيحة" على كشف الهوائل التي تعرضن لها، وعن الخوف من تأثير هذه الزوايا الظلمة من حيواتهن على مكانتهن الاجتماعية، بالإضافة لعدم قدرتهن على مواجهة حقيقة انهن هن أيضا بالرغم من قوتهم الظاهرة ممكن أن يكن ضحايا.

 سمعت قصصا من نساء يعملن في مجال مناهضة التحرشات الجنسية كانوا هن أنفسهن ضحية للتحرش الجنسي، ولم يستطعن ردع المتحرش في حينه، ونساء يعملن في مؤسسات لحقوق الانسان تنتهك بشكل صارخ حقهن كعاملات ومع هذا لم يعترضن ولو لمرة واحدة. 

هذا التناقض الصارخ يجعلني أتساءل، كيف سأستطيع أن أحرر غيري ما لم أٍستطع أن أحرر نفسي، كيف أستطيع أن ادافع عن ضحية عنف أو تحرش أو اعتداء جنسي وجسدي، أذا لم أستطع منع نفسي من ان أكون الضحية، كيف سأدعو النساء الى الاعتراض على ظروف عمل غير قانونية في حين لم اعترض على ظروف عملي يوم كانت هناك حاجة للاعتراض؟ كيف أستطيع أن اقنع انسانا بتصرف انا يوما خفت منه وامتنعت عنه؟

تساؤلات عديدة اجتاحتني وهزت كياني، وبالأساس ذلك الخذلان والالم من الحقيقة انني ربما لست كفؤة، ولكن بعدها فهمت ان هذا التناقض لا يقلل من قيمتي انما هو بعينه الذي سيأخذ بيدي، فنحن جميعنا ضحايا وعلى الضحايا أن تتكاتف معا لتحرر نفسها وتحرر غيرها.

تحرير النساء لن ينبع فقط من مخاطبة المجتمع والدولة وجمهور النساء من منطلق "القوي" الذي يدعي المعرفة وسبيل الخلاص لينقذ "الضعيف"، انما من تكاتف "الضعفاء" وسعيهم لتحرير أنفسهم بأنفسهم. (مع التحفظ من المصطلحين القوي والضعيف).

وحدهن النساء يستطعن تحرير النساء، بتحريرهن من التفكير الذكوري الذي زرعه المجتمع في رؤوسهن، وحثهن للسعي لتغيير الواقع، من عقدة الذنب والتناقضات اللامتناهية بين القوة والضعف وتقبلها كجزء من حياتنا وكياننا، وعند التحرير ستستطيع النساء إملاء القوانين وتعديلها وتغييرها بما يتلاءم مع تحررها وليس العكس. 

التحرير هو تحرير الفكر من قيوده قبل أي شيء، ليتحول الى حالة مجتمعية تفرض نفسها على صانعي القرار وليس العكس، وإن لم تقتنع النساء بضرورة تحررهن لن تسعفهن قوانين العالم أجمع.

بقول فرانز فانون أن التحرر الحقيقي ليس بالثورة فقط أنما في التحرر من أرث المستعمر، وهنا أقول إن تحرر النساء هو أولا من الاستعمار الذكوري المستشري في عقولنا كنساء قبل تحرير المجتمع من هذا الإرث السام.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لعنة النفط"، تحرير مزيف واستعمار غير مقنّع

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-06 17:37:17

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو: لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية