مع الكاتب علي قدح في كتابه "الشذرات والألماسات"

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أهداني، مشكوراً، الصديق علي قدح كتابه الذي صَدَرَ اخيراً تحت عنوان "الشذرات والألماسات". وجدت فيه مقالات تشدُّ القارئ وتتصلُ بالحياةِ والمُجتمَع على اختلاف أوجههما. كتابٌ يحتوي بين دفاته شذرات والماسات تتصل بمواضيع نعيشها كل يوم مع كل ما تحويه من مناسبات واحداث وفكاهات وعادات تتصل بالكبير والصغير والآباء والأبناء حيث سلط الكاتب الأضواء عليها وعالجها بعمق ودراية. 

قدم للكتاب الأستاذ صالح مراد فقال "سُمي هذا الكتاب الشذرات والالماسات، والشذرات هي قطع الذهب أو اللآلئ الصغيرة لأنها فعلاً غاليةٌ وثمينةٌ ونادرةٌ، وحرص صاحبها ان تكون كذلك وان تؤدي دوراً في ضمائر البشر وعقولِهِم من حيث التآلف والتحابّ والتعاون والنفع فهناك مقالات ذات اثرٍ أكثر من سواها فهي الماسات والشذرات التي يجبُ التخلّق بها من اجل بناءِ مجتمعٍ راقٍ يقوم على هذه المبادئ وبعيدا عن العنف والعنصرية والبغضاء والبغي والظلم والقتل وما أكثر السلبيات في حياتنا وفي دنيانا". 

الكاتب علي قدح من رعيل المتعلمين الثاني  الذين حرصوا كل الحرص واجتهدوا كل الاجتهاد لإضاءة حياة الناس ودحر الجهل والظلام والاميّة، وهداية البريّة الى سبيل الخير والعزةِ والتقدم والكرامة. 

عرفت أبا عزمي في أواسط القرن الماضي طالباً مجتهداً في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة, عَرَفتُهُ شابّاً ميّالاً للقراءة والمطالعة والكتابةِ في مواضيع تتصل بظواهر اجتماعية لا بد من طرق بابها. وقد ظهرت في حينه مجموعة طلاب تميل ُ للأدب والكتابةِ وانشأت حينها اسرة "التلميذ الملهم" وأصدرت لاحقاً مجلّة مدرسية سميت "الأمل"، وكانت تطبع في مكتب المرحوم فؤاد دنيال. كان بين هذه المجموعة المثقفون فتحي فوراني وفوزي عبدلله وجورج قنازع واحمد حسين وعلي قدح وفهد أبو خضره وجمال قعوار وتوفيق فياض وطارق عون الله ووليد فاهوم وعماد شقور وعثمان سعدي وفواز حسن عبد المجيد وياسر توفيق الريناوي. وقد تحولت هذه المجلّة الى منبرٍ لكل من يريد الكتابة فيها من مقالٍ او قصةٍ او قصيدةٍ. كنت  واحداً من هؤلاء الذين شاركوا في نشر قصائد ومقالات تتصل بالمجتمع. لا زلت اذكر كيف ارسل لي الأستاذ علي قدح بعد سنين بالبريد بعض ما نشرتُهُ (تصويراً) من بعض أعضاء المجلّة. تعجّبتُ حين قرأت ما كتبت كيف كنا ونحن لا نزال طلاباً في المدرسة الثانوية نكتب بلغةٍ ذات مستوى راقٍ لا يختلف عمّا نكتبه اليوم! لقد ساهم في تثقيف الطلاب في حينِهِ اقبالهم على المطالعةِ وقراءةِ كتبٍ كان الجميع عطاشا لها. وكان المرحوم فؤاد دنيال يصدرها بعد ان تصدر في العالم العربي وتصل الى البلاد بطرق التفافية، هذا بالإضافة الى مساعدتِهِ للطلاب في طباعة المجلّة ومواد تعليمية أخرى عن طريق ورق "ستانسل".

وعودة الى الكتاب أعلاه وبنظرة خاطفة الى الفهرس نجدُ اسماءَ مقالاتٍ كثيرة مثل: كيف تكون سعيداً، كيف تختار الأصدقاء، الدين المعاملة، النظافة من الايمان، في ذكرى الهجرة النبوية، في ذكرى المولد النبوي الشريف، في ذكرى الاسراء والمعراج وبالوالدين احساناً, آهٍ يا ولدِ. الفصل الأخير من الكتاب يحتوي مقالاتٍ مثل: في الذكرى الستين لمجزرة "صندلة"، وداعاً يا فارس لغتنا الجميلة (والمقصود هو الأستاذ صالح مراد الذي كتب المقدمة). وفي الفصل الخاص بالتربية يعرّج الكاتب على خليل السكاكيني و"كيف نربّي اولادنا". ويختتم الكاتب مقالاتِهِ في ذكر أيام لا زالت راسخة في الذاكرة مثل: عبق الماضي، محطات في حياة جمال عبد الناصر، ذكرى معركة حطين وزهرة المدائن عبر التاريخ. 

يحتوي الكتاب على اكثر من أربعين مقالاً في المجتمع والدّين والتربية والرثاء. فيما يلي وقفاتٌ عند بعض ما جاءَ في هذا الكتاب, ففي المقال: كانت النصيحة بجَمَل (ص 9) يقول الكاتب إن النصيحة هي ثمرة تجارب عملية للحياة كان لها اكبر الاثر في تعديل سلوك الفرد، حيث كان يسمع النصيحة فلا يغضب ولا ينفر ولا يعادي صاحب النصيحة. وهذا ما لا يحدث اليوم حيث لا يصغي اولادنا للنصيحة من الكبير ولا يعملون بها بل يتهمون الكبار بأنهم "جيل قديم" وكان العرب قديما يهتمون بالامثال والنصائح حتى ان البعض كان يشتريها بجمل كما تروي لنا احدى القصص - صفحة 9.

وفي المقال: الكلمة الطيّبة صدقة (ص 14) يقول الكاتب "إن الكلام الطيب واللطيف يؤثر ايجابيا في النفوس ويقوي روابط الالفة والصداقة بينها فهيا تدأب على استعمال الكلمة الطيبة لنرى تأثير سحرها في النفوس فهي كالشجرة الطيبة اصلها ثابت في الارض وتعطي الثمار كل وقت بعكس الكلمة الخبيثة".

اما المقال كيف تكون سعيدا (ص 21) فيتكلم عن مفهوم السعادة بين جيل وآخر وان السعادة موجودة في أيدينا وليس من الحتم ان نطلبها من غيرنا ويستشهد بقول الشاعر:

ولست أرى السعادة جمع مالٍ         ولكن التّقيّ هو السعيد

والمقال "كيف تختار الأصدقاء" (ص 23) حيث يقول الكاتب إن الإنسان بطبيعته يأنس, ولا يستطيع ان يعيش وحيدا او منعزلا عن مجتمعه وهو بالطبع يختار مجموعة من الأصدقاء وأحيانا يكتفي بصديق واحد يودعه كل اسراره. والخلاصة التي يصل اليها الكاتب هي: ان الاصدقاء أو الاصحاب خمسة: صاحب كالهواء لا تستغني عنه وصاحب كالغذاء لا عيش الا به وصاحب كالدواء كريه ولكن لا بد منه أحيانا، وصاحب كالصهباء (الخمرة) تلذ شاربها ولكنها تودي بصحته وصاحب كالبلاء.

وعن اهمية النظافة في حياة الانسان يؤكد الكاتب في مقاله حديث الرسول (صلعم) "النظافة من الايمان" (ص 33): وان النظافة عامل أساسي مهم للحفاظ على صحتنا وحياتنا. وقد دعت كل الاديان الى الاهتمام بها وممارستها كثقافة يومية مستمرة حتى اصبحت جزءا من الايمان وان التعامل معها غير بعيد عن التعامل مع صفة الإيمان عند الانسان.

ويعرّج الكاتب في كتابه على مواضيع تتصل بـ "ذكرى المولد النبوي الشريف" (ص 40) والذي يعتبره المسلمون عيدا يتذاكرون فيه حياة الرسول محمد (ص) من ولادته وحتى مجيئه بالرسالة. ويتطرق الكاتب في اخر المقال الى ما قاله النبي (صلعم) في خطبة الوداع.

ولا ينسى الكاتب التحدث عن مكانة الوالدين في المجتمع فتحت عنوان "وبالوالدين احسانا" (ص 46) يتحدث الكاتب عن التعامل مع الوالدين مستشهدا بالآيتين الكريمتين من سورة "الاسراء" (23 – 24) واللتين تنصان على واجب الاحسان للوالدين خاصة عند الكبر "فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما" (23) "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا" (24). ويورد الكاتب حديثا عن الرسول يقول: "رضى الله في رضى الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين".

ولا ينسى الكاتب صديق عمره الاستاذ صالح مراد الذي ترك بصماته على طلابه عندما كان مدرسا للغة العربية في المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة والذي توفي في سن مبكرة، فيخاطبه في مقاله وداعا يا فارس لغتنا العربية (ص 60) ويقول: "ما أقصر الحياة مهما طالت, يضيع العمر في لحظة. لا ازال اتذكر انك كنت من اقترح الاسم لكتابي هذا "الشذرات والالماسات". لقد احببت لغتنا الجميلة حتى النخاع... وتخرج على يديك الاطباء والمهندسون والمحامون وغيرهم ممن ساهموا في بناء المجتمع".

ولا ينسى في هذا الكتاب الحديث عن خليل السكاكيني (ص 70) هذا المفكر والفيلسوف التربوي الفلسطيني العظيم، فيتحدث عن كتابه المشهور والذي شاع استعماله في المدارس الفلسطينية حتى الخمسينيات, كتاب "الجديد في القراءة العربية" او ما كان يعرف بكتاب "راس روس", فيروي عنه قوله الذي جاء على لسانه أكثر من مرة أنه خلق ليكون معلما وانه كان يرى في التعليم متعة وخدمة انسانية وكيف كان يبث الحياة في تلاميذه فيقول "تلك امالي وذلك مبعث سروري" لقد كان السكاكيني يعتبر المدرسة خير اداة لاصلاح المجتمع.

وانطلاقا من فكر السكاكيني يقول الكاتب في مقاله "كيف نربي أولادنا؟" ان تربية الأولاد تعتبر من اهم الادوار في الحياة وفي عدم اتقاننا لهذا الدور ضرر جسيما وخسارة كبيرة لنا ولأولادنا والمجتمع.

وفي الباب الأخير من الكتاب "أيام من الذاكرة" (ص 89) يتحدث الكاتب في مقاله "من عبق الماضي" (ص 90) عن الشتاء ووهج الصوبّة (المدفأة) ورائحة الشاي واعواد الميرمية واستنشاق عبقها وأصوات حبات المطر التي توحي لنا بالتدثر بألبسة الصوف, عند قصف الرعد ولمع البرق وصوت المزاريب تصب في البراميل المثبتة تحتها من اجل استعمال مائها لاحقا. يتحدث الكاتب كيف كان الناس في الماضي يستمتعون بصوت "صباح" من الراديو القديم وبأغاني "فيروز" التي كانت تغني: "شتي يا دنيا شتي".

وفي صفحة (91) يتكلم الأستاذ علي قدح عن "محطات في حياة جمال عبد الناصر", ولا ينسى التعريج على ذكرى معركة حطين بتاريخ 4.7.1187 وانتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين.

واخيرا لا يسع الكاتب الا ان يعرج على "القدس (زهرة المدائن عبر التاريخ)" صفحة (95) حيث يقول ان أول من سكن القدس اليبوسيون العرب سنة 3500 ق.م وسميت نسبة اليهم حيث سكنوا شرق المسجد الاقصى على سفح المنحدر الى وادي قدرون، وكان سالم أول من حكم القدس فسميت باسمه "أور - سالم" أي بلد سالم. ويستمر الكاتب في اعطاء لمحة تاريخية عن القدس حتى السنوات الاخيرة والوضع الحالي الذي تعيشه هذه المدينة التي حولها اليهود الى "يروشلايم".

هذا الكتاب جديرٌ بالقراءةِ باعتبارِهِ يتكلم عن لبنةٍ في بناء الصرح الادبي والثقافي الذي كنّا نعيشُهُ تلك الأيام كأقليّة عربية فلسطينية نسعى إلى ترسيخِ وجودنا في الدولة مساهمةً منّا في وصفِ ما كان يجري في الساحةِ الأدبيةِ اسوةً لما كان يحصل في العالم العربي. شكراً لكِ أبا عزمي على هذه الشذرات والالماسات التي اتحفتنا بها في هذا الكتاب.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية