بين يدينا التُّحفةُ الأثريّة: الحياة الخالدة للعلاّمة الكبير كمال جنبلاط, 1917 -1977 م، وهو عبارة عن مَراثٍ لشخصيّات فذّة من أرجاء العالَم الرّحب، من أقصاه إلى أقصاه، الطّبعة الثانية 2016، نُسخة مزيدة، الدّار التقدميّة/ المختارة/ الشّوف/ لبنان، عدد الصّفحات 220، جاء ص3 في مقدّمة وليد جنبلاط لمراثي أبيه: في هذا النّفق عرفناه شامخاً عالياً هادياً، عرفناه قاسياً جبّاراً وعنيداً، وألفناه صديقاً صدوقاً حنوناً، صحبناه إنساناً عربيّاً فدائيّاً... وعشقناه ديموقراطيّاً اشتراكيّاً تقدّميّاً... قضى كمال جنبلاط في سبيل ما كان يُبشّر به، رهن حياته من أجله، عاش كبيراً وبسيطاً ومات شهيداً وعظيماً.
المُعَلِّم الرّاحل قسم مُصَنَّفَهُ إلى ثلاثة فصول:
*رثاء شخصيّات لبنانيّة محليّة، يضمّ اثنَتَيْن وثلاثين مَرْثِيّة من كافّة أرجاء النّسيج الطّائفي التّعدّدي، كلمات صادرة عن إنسان بعيد الرّؤية والرّؤيا معاً، تنمُّ عن عُمق أخلاقيّ وانساني، إلى جانبِ عواطفَ جيّاشة تجاه مَن عرف وأحبّ وقدّر، بعيداً عن المُرآة أو التّشنّج أو المُسايرة، فالمسيحيّ بطوائفه والمسلم بطوائفه ومذاهبه : السّنّيّ والشّيعيّ والموحّد الدرزي كلّهم في بوتقة واحدة، كلّ منهم ينال قسطه من المحبّة والتّقدير من باب العرفان والجميل، من بين هؤلاء نُشير إلى: الوزير الصّهر حكمت جنبلاط 1942. المطران أوغسطين البستاني 1887 -1957. الدّكتور جميل تلحوق، عبد الحكيم كرامي 1950.. شهداء الباروك: حمزة أبو علوان، ملحم أبو عاصي وفايز فليحان 1951. الشّيخ أحمد أبو حمزة 1950. الشّهيد حسّان أبو إسماعيل 1954. الشهيد قاسم أبو كروم 1957. عارف أبو شقرا 1958، المجتهد الأكبر العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدّين 1958، الشهيد فيليب البستاني 1960. رياض الصّلح 1894 -1951. شبلي الملاّط 1961. والقائمة طويلة، لكلّ منهم مركزه ومقامه وعنوانه وتقديره على حد سواء، هذه المراثي هي لوحات أدبيّة، إنسانيّة، أخلاقيّة، لا تخلو من العواطف والمشاعر تجاه كلّ فرد وآخر، ولبنان الأرز والشّموخ يزخر برجاله وعظمائه في مختلف القطاعات الإبداعيّة والأمميّة.
*الفصل الثّاني: رثاء شخصيّات عربيّة من عالمنا العربيّ الرّحب، كما رآه وعرفه وسعى إليه من منظور عروبي وحدوي خالص، عددها تسعة على التّوالي: الشّيخ محمود شلتوت/ الأزهر الشّريف، كامل الجادرجي/ العراق، الشّهيد عبد المنعم رياض/ رئيس أركان القوّات المُسَلّحة/ مصر، المهندس المناضل خالد اليشرطي/ حركة فتح الفلسطينيّة 1970. الرّئيس جمال عبد النّاصر 1918 -1970، الشّهداء الفلسطينيّون الثلاثة معاً وفي مرثيّة واحدة: محمد نجاّر، كمال ناصر وكمال عدوان، اغتيلوا في بيروت، 1973. ثمّ الشّهيد العائد إلى حيفا/ غسّان كنفاني. 1972.
نتوقّف أوّلاً في محراب الأزهر الشّريف سماحة الشّيخ: محمود شلتوت ص 143، حّيت مرثيّته، يوم 1 /1/1964.جاء فيها:
(في ليلة الأسراء والمعراج، فقد العالَم الإسلاميّ رجلاً كبيراً ساهم في إبراز مفهوم التّقدّم والتّسامح والتّعاون بين إخوانه في الدّين وفي الدّنيا، فكان مثالاً يُقتدى به من أبناء شريعته وأبناء المذاهب والمُعتقدات الأخرى، وما قيمة رَجُل الدّين أن لم تكن تعاليمه وتصرّفاته وحياته مرآة للوحْي الأوّل الذي نزل على رسوله).
ويمضي الرّاثي مُضيفاً: وقد يكون من أفضل ما في الإسلام هذا التّسامح، هذا الإنفتاح، هذه المشاركة مع جميع أديان الكُتب المُنزلة في العبادة والأخوّة والتّقوى، فقد أفسح المجال وشرّع الأبواب لكلّ معتقد دينيّ عرفه وسبقه...أدرك الشّيخ محمود شلتوت كلَّ هذا في سِعة تفكيره وشمول تقديره ورحابة استيعابه، وكان أوّل ما قام به أن فتح اجتهاداً مُحَرَّراً من التّقليد وباب خلاص من التّقيّد المُفتعل والتّضييق، وعاد يستنزل نعمة القربى من الوحي وبركة الاتّصال بالنّور، ويستهدي في حياة الرّسول والأئمّة والأولياء...فاندرج أمامنا الأزهريّ الكبير في سماح الإسلام الحقيقي وبه كان يهدي، وأشاع الإمام الكبير مطلب التّعاون والتّقارب والتّفاهم والصّلة مع جميع المذاهب داخل ألإسلام، من شيعة واسماعيلية ومعتقد التّوحيد...).
عن الرئيس جمال عبد النّاصر، كتب الكمال عن الجمال:
(فيا بطلاً في الهزيمة، لم تكُن أوّلَ مهزوم في معركة من معارك التاريخ يُقام له نصب من المحبة والتقدير في كلّ قلب، وينصره ويثابر على نصرته جميع أبناء قومه، على قلِّة مَن رُفعوا إلى البطولة بهزيمتهم، سبقك بعض الصّحابة وعليّ ومحمد في أُحُد، وسبقك ظِلٌّ تدلّى من صليب رُفِع في القدس بالقرب من مُسْتَقرِ معراجه، وسبقك سقراط حكمة الأوّلين يوم تجرّع السّم باسماً، استعجلك الموت، ربّما لأنّك لم تَعُد- بعد استشراقك على بعض حقائق الإنسان وَقِيمه، وفي توقك للمحبة والسلام...).
*عن الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب 1973 كتب كمال: (فؤاد شهاب مدرسة وأخلاق ونزاهة عميقة، وشرف أصيل، ووفاء للأصدقاء، ومحبّة للآخرين، وهو لغز في آن واحد كجميع الّذين دخلوا إلى الحق تعالى من أبواب السّموات، فظلّوا في نعيمها يترفّهون ولم يَهْجِهِم الشّوق إلى الصّيرورة في النّار الأزليّة.).
في ألفصل الثّالث، يقدّم لنا أبو الوليد سيرة ثماني شخصيّات عالَميّة على التّوالي:
-صاحب القداسة البابا بيوس الثّاني عشر، رسول السلام العالمي 1958. قال فيه الرّاثي ص 182: رافق قداسته تطوّر الحركات الاجتماعيّ في العالَم، متنبّهاً إلى جذورها الحضاريّة وإلى تأثيرها على مصائر الإنسان، والسّلافيّين وتشتيتهم وقتلهم في مآسي الحرب العالميّة الثّانية، ولُقّبَ بالحَبْر المناضل، لِما لاقاه من اضطهاد ومجابهة لِأرباب الكنيسة ولِإخوانه في المُعتقَد، فعاش أيّام الفاشيّة في إيطاليا والنّازية في ألمانيا، وهذه الموجة من اضطهاد الحرّيّات التي تدفّقتْ على أوروبا مع مختلف الحركات الجماعيّة، وواجَهَ دفقة التّيّار العنصري والوطني المتعصّب الذي تجلّى في ملاحقة السّياسيّين.
-صاحب القداسة البابا يوحنّا الثالث والعشرون/ راعٍ صالحٌ بين الإيمان والمحبّة 1963،
وممّا كتبه الرّاثي عن المَرْثي: (فأوّل عمل باشره أنّه أبطل الرّكوع أمامه كلّما مرّ في ممرات وباحات القصر الأعظم في مختلف ساعات الليل والنّهار، ومنع السّجود على الأقدام، وفتح أبواب السّور الخارجي والدّاخلي-سور القلب-كما لم يفتحه حَبْر فيما قبل، ربّما في بدايات تاريخ ولادة الكنيسة وترعرعها ونموّها الرّسوليّ المُضطرد).
-الرّئيس الأمريكي جون كينيدي 1917 -1963، اغتيل، فكتب جنبلاط عن سياسة أمريكا في المعسكرات والأحلاف الفاشلة:(وأدرك كينيدي هذا كلّه، ربّما أكثر ممّا أدركه الرئيس أيزنهاور 1890 -1969، وطبعاً أكثر بكثير ممّا كان يتصوّره الرئيس ترومان 1884 -1972. وقَبِل بضرورة الأمر الواقع الحيادي في العالَم المُتخَلّف الناهض وبِمُبَرّراته وبمقوّماته، وبأن هذا الحياد هو تعبير عن استقلال الشعوب في سياستها الخارجيّة، ويمكن القول في هذا الباب أنّ الرّئيس كينيدي أعاد السياسة الأمريكيّة إلى جوّ الرّحابة والتّفهّم والتّعاون غير المشروط الذي كان أسبغه فرانكلين روزفلت على السياسة الأمريكيّة في علاقاتها بالعالَم).
-روعة التّجلّي/ او المهاتما غاندي 1964، ممّا كتبه عنه جنبلاط: (فوقف هذا الرّجُل الفقير البسيط المتواضع على باب أكواخ الهند وأيقظ أرض البهارات من سُباتها ونفحها من روحه الأصيل الحقيقة، ممّا مكّنها من النّهضة ومن الخلاص، بعد كبوة سياسيّة دامت أجيالاً عِدّة، وأيقظ العالَم أيضاً إلى أسلوب في النّضال جامع لقوى الرّوح والفكر والجسد، هو الجهاد الأكبر، جهاد المؤمنين على وجه الأرض.)
-الرئيس جواهر لال نهرو/ بين السياسة والولاية 1964:
(يغيب وجه الرّئيس نهرو عن قيادة سياسة الهند وعن المسرح الدّولي، فيترك فراغاً يكاد يكون هائلاً لا يُعوّض عنه، لولا الثّقة بأنّ الشعب الذي أوجد غاندي وباتيل ونهرو وسواهم من كبار موجّهي التّاريخ، سيبرز في الظّرف المناسب الخلَف المتوجّب لإكمال نهضة الهند وللإسهام الإيجابي في السياسة العالميّة.)
-إيفون نيودو/ الفرنسيّة/ زنبقة الثّلوج/مربّية وليد جنبلاط، من طفولته عام 1949 حتّى بلوغه، توفّيتْ هذه المُربّية عام 1967، جاء في مرثيّتها:
(وكانت السماء يوم وداع جثمانك الطاهر، تسدل برائع الثلوج على حرارة الحياة وتنفلت منها رقع النّفناف اليابس ببطء وطمأنينة وهدوء، وكأنّها تغزل صلة الوصل بين هذه الدّنيا وبين حقيقة وجودها، أو كأنّها تنسج العهود والمواثيق بين أرواح الطّاهرين الأبرار أمثالكِ، أو لعلّها رمز لقربى بيننا وبينك لا تنفصل أبداً، بل تلفّها اليقظة الأخيرة في وحدة وجودها، أو كأنّه عرسُكِ الأبيض في مرتقى انعكاس النّور على خدود الشّموع، ويا فراشة الرّبيع، ربيع طلبة الحياة الأصيلة الباقية، ليأخذك النّور إليه بعد انفراج النّعمة عن الخدمة الموفاة. ويا زنبقة ثلوج التّضحية ورفعة ارتقاء الضمير وتنمية المسؤولية الدائب، آثرتِ ان تعيشي معنا، بعد ان تناسيتِ روابط الوطن والقرابة والانتساب الأرضي واخترتِ ان تموتي عندنا، وأن ترقدي في جوار جدّة الحبيب وليد، فكان لكِ في طاعتك لقدرك وفي الرّضى والتّسليم لما أعددتِ له من اختيار).
ويخطو كمال خطوة جريئة وغير مسبوقة بتشييد ضريح للمربّية الفاضلة إلى جانب ضريح والدته (السَت نظيرة)، ويخاطب نجلَه وليد بصدق وإخلاص: ها هي مُرَبّيتُكَ ترقد إلى جانب جدّتِكَ بأمان واطمئنان.
-طاغور/ صوت من الشّرق 1861 -1941، قال عنه كمال:
ولا يتمالك الشاعر والفيلسوف الكبير، عندما يزور الولايات المتحدة، من أن يتفوّه بهذه الملاحظة القاسية: نحن الهنود، تحت سيطرة الحُكم الأجنبي، نشعر بأنّنا أكثر حرّيّة من هؤلاء الناس الذين هُم عبيد حاجاتهم.
-هريو/ المواطن العالمي الكبير/ سياسي وكاتب فرنسي 1872 -1957، يقول عنه كمال:
(غاب وجه كبير من وجوه أوروبا التي كان يتطلّع إليها العالَم فيرى بها إنعكاساً لما فيه من أنظمة ديموقراطيّة وحضاريّة).
*- من باب التّواضع لم أتوسّع في مراثِيَ الأهلِ في لبنان الأشمّ، وهُم حجر الأساس الذي يقوم عليه هذا الصّرح الحضاري الكمالي المتسامي إلى الأمميّة والتّعدّدية، ويختتم المُفَكِّر العالمي الكبير مراثيَهُ بِتحيّة أخيرة... إلى الشّهداء/ معنى الشّهادة أو تحدّي الموت 1952.
نطوف بين هذه النّماذج والأنماط البشّريّة التي تركتْ بصمات أخلاقيّة، رنين أجراسها وآذان مآذنها ما زال يُجلجل عالياً، لِتُسْمِعَ من به صًمَ، بِدْءً من المعتوهَيْن اللذّين يحاولان ابتزاز العالَم واغتصابه علانية، في حين أنّ معظم دول العالَم تصمت صمتَ أهل القبور، نَجّيني/سَلّمْني وْخوذ سوق العُبي.
عبد الله يعيد للذاكرة تمحيص وتلوين هذه الصفحات المُشرقة، رغم تكلّلها بالسّواد والمداد، كما وردت في كتاب المُعلّم كمال، وهذا ما تيسّر لدار المختارة في العثور عليه، عدا عن تلك المراثي التي مازالت حيّةً في الأرشيف الجنبلاطي الضّخم، والأهل والمختارة أدرى بشعابها ومواردها وينابيعها المُتدفّقة على مدار السّنين، منذ الجنبلاطي (الجنبولادي) الأوّل (علي) الذي قدم من حلب عام 1630 م، كما يروي ذلك الأب: فردينان توتل صاحب المُنجد في الآداب والعلوم، وصولاً إلى الثّلاثي : الأب كمال. النّجل وليد والحفيد الشّبْل تيمور، من سلالة أسود المختارة، وقد تكون المُحتارة مُحتارةً في هذه الظروف المُنهارة، وسياسة الوصوليّين التْرامبيّين الحَمْقى هناك وهنا، وفي العالم الأسير بين أياديهم المُلَطَّخة بدماء الأبرياء، لا سيّما ونحن قاب قوسين من اليوبيل الخمسيني لاستشهاد المُعلّم كمال: 16 /3 /1977.لذا أراني أستبق هذا الحدث الجلل، لأخلّده في الذاكرة، قبل أن تُمحى ذاكرتي أنا ويغزوها الّلِصّ-هايمر!
لعلّ مراثي كمال تعيدنا إلى مراثي النّبي إرميا/ الإصحاح الخامس: أذْكُرْ يا ربُّ ماذا صار لنا، أشْرِفْ وانْظُر إلى عارنا، قد صار ميراثنا للغرباء، بيوتنا للأجانب، صرْنا أيتاماً بلا أب، أمّهاتُنا كأرامل، شربنا ماءنا بالفِضّة، حطبُنا بالثّمن يأتي، على أعناقنا نُضْطَهَد، نتعب ولا راحةَ لنا....
نسوق هذه القرائن من إرميا ألى كمال، رغم الفروق بين التّشاؤم والتّفاؤل، وَلْنُسْمها: التّشاؤل على طريقة طيّب الذّكْر: أبي الشّمقمق الباقي في حيفا!
وزعقتِ القدّيسةُ الرّاهبة زينب، حين اعْتَلّت المئذنة لترفع الصّلاة، وإذا بالظّاهر الزّيداني ينتهرها: تَرَجَّلي وما بِكِ، وما حَمَلَكِ على هذا!
-الزّوج موجود، الابن مولود، إلاّ أنّ الأخ مفقود!
وهيهاتِ أن يُبعثَ لنا ظاهر جديد! وكم نحن بحاجة إلى هذه المراثي في هذا الحين!
وَبكَتْ هذه ثانية بلوعة الثّكالى، فَبَكَيْنَ معها وأبْكَيْنَنا جميعاً، فانتهرنا المعرّيّ في عليائه:
غيرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعتقادي نوحُ باًكٍ ولا تَرَنُّمُ شادي.
-
ألبومان لراحلَين أُمَمِيَّين صديقَين
في هذا المسار والسّياق نُضيف: هذان العلمان جمال عبد النّاصر وكمال جنبلاط ربطتهما علاقة صداقة ومودّة متبادلة، تقاطعت دروبهما في أكثر من محور ومنعطف، عدا عن التّطلّعات الوحدويّة، ألاشتراكيّة والإنسانيّة، بين يديَّ ألبومان فريدان، كلّ منهما يشمل سيرة بطل وبالصّور العائليّة والعالمية منذ الطّفولة إلى ولوج المعترك السّياسي، ألبوم جمال صدر عام 2018 يحمل اسم: 100 سنة على مولده، عبد الناصر سيرة بالصّور، تحرير: علاء عبد الوهّاب. وألبوم كمال صدر عام 2019. يحمل العنوان: كمال جنبلاط 1917 -1977. مسيرة قائد.. تاريخ شعب، صدر عن الدّار التقدّميّة /المختارة، طبعة ثانية 2019، وتشاء الصُّدف أن ميلادَيهما متقاربان، كمال 1917 وجمال 1918، والرّحيل المبكّر متقارب
1970 و.1977. الإثنان حصلا على وسام لينين للسلام، وتاريخ الصّدور قريب، كأن الفريقًين على موعد وتنسيق مشترك، كلّ ألبوم مُزدانٌ بصور صاحبه ومسيرته النّضاليّة، القطع الورقي كبير في الوثيقتَين الرّائدتَين، غلافان مقوّيان،، الصّور والدلائل والقرائن مع زعماء عدم الانحياز والعالَم الواسع، في ألبوم جمال ص135 صورة مشتركة تجمع الزّعمَين معاً. زعيم الاتّحاد الاشتراكي وزعيم التّقدمي الاشتراكي، وفي ألبوم كمال عدّة صور معاً تجمعهما: ص 203 جمال وكمال في دمشق في عيد الوحدة بين مصر وسوريا/ الجمهوريّة العربيّة المُتّحدة/ ج ع م، ص 204 الرَئيسان شكري القوّتلي وعبد النّاصر وكمال، ص 207 جمال وكمال ونجله وليد في مصر 1970. ص 208كمال وخالد عبد الناصر في المختارة 1969. ص210 كمال وجمال والزّعيم شوكت شقير في القاهرة، ص212 صورتان: كمال مع جمال في مصر عام 1970 آخر لقاء بينهما، وعلى ص 213 صورة الألوف في تشييع جنازة جمال، وعلى ص 238 جمال وكمال وانسجام ووئام، ألبوم جمال 170 صفحة، وألبوم كمال 220 صفحة، دارا النّشر في القطرَين حرصا على إخراج فنّيّ لائق يليق بمقام القائدَين الفذّين.
عُدْتُ إلى كتابي: الشّهيد كمال جنبلاط 1978 فقرأتُ ص 106: نجحت ثورة كمال جنبلاط 1958 للإطاحة برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة: بشارة الخوري، بعد أن حاول العبث بالدّستور اللبناني، وفي ص 107 يقول جمال لكمال: لبنان لا يَتّسع لكَ يا كمال، إنّ الثورة هي الشّعب، وعلى هذا فإنّ الثورة باقية ما بقي هذا الشّعب، وكمال يقول: الثّورة جعلتني أكثر عربيّاً وأكثرَ لبنانيّاً. وبعد ثورة كمال هلّتْ ثورة جمال البيضاء على النّظام الملكي الفاسد في مصر الأهرام.
فريد الأطرش غنّى لجمال قصائد وطنيّة من القلب إلى القلوب، والشّاعر الكبير نزار قبّاني قال في رحيل جمال:
قتلناكَ يا آخرَ الأنبياء/ قتلناكَ/ ليس جديداً علينا/ اغتيال الصّحابة والأنبياء/ فَكَم من رسول قتلناه/ وكم من إمام ذبحناه/ وهو يُصلّي صلاة العشاء/ فتاريخنا كلّه محنة/ وأيّامُنا كلُّها كربلاء.
الشّاعر شوقي بزيع/من الجنوب اللبناني، بعنوان جبل الباروك، نظم قصيدة مطوّلة مُعلّقة : جبل الباروك، وهذا تشبيه أبلغ من بليغ، بلا أداة تشبيه وبلا وجه شبه وبلا مُشبّه أو مُشبّه به، واللبيب من الإشارة يفهم، حيث قال الشّاعر ببساطة جاء فيها: إلى كمال جنبلاط في بهاء الحضور وبلاغة الغياب، دار الآداب/ بيروت/ 2002:
كأنّما جبلُ الباروك أذهَلَهُ/ أن تنحني فمشى في يومِكَ الشّجرُ
والأرزُ أفْلَتَ مِن حُرّاسه ومشى/ وفي ثناياه من جرح الرّدى خَدَرُ
كأنّما أُمّةٌ في شخصك اجتمعَتْ/ وأنتَ وحدُكَ في صحرائها المطرُ
هذا عليٌّ يُصلّي فوقَ مسجده/ فَيا ابْنَ مُلْجَم اضْرب، إنّهُ قَدَرُ
أرضَ الخسارة يا لبنانُ هل رَجُلٌ/ يُعيد للناس بعد اليوم ما خسروا
طالَ ارتحالُكَ ما عوّدتنا سَفَراً/ أبا المساكين، فَارجعْ، نحنُ ننتظرُ.
هذه هي المعادن والمناجم التّفيسة والذّخائر التي يزخر بها مجتمعنا العربي الأصيل، رغم المِحْنة والمكر السّيّء المُحيق بنا جميعاً، وترامب وزعانفه وأخطبوطه لا يطمعون بها، بل يطمعون بما هو غالٍ، كذاك الموجود في أوكرانيا وغيرها، وسنصبر حتى يعجز الصّبر عن صبرنا، وطوبا للقدوات والمُثُل ولرافعي أعلام السّلام والاستقلال في أرجاء المعمورة المقهورة والمنهورة.
ويبقى الفكر الجنبلاطيّ منفتحاً على نوافذ العالَم أجمع، بغضّ النّظر عن الانتماءات القوميّة، الدينيّة، المذهبيّة، بما في ذلك معتقدات دول جنوب شرق آسيا وما بها من تعدّديّات مختلفة، وهناك من يقول: إذا زُرْتَ لبنان ولم تَزُر المختارة، فكأنّك لم تزر لبنان، وهذا ما انطبق على مكّة المُكرّمة وحاضرة الفاتيكان، وتبقى القيادة الجنبلاطيّة بامتدادها التّاريخي من القرن السّابع عشر إلى ما شاء الله، ولا ننسى القيادات الأرسلانيّة المجيدة. دُعاةُ العروبة والإسلام من الشّكيب والنّسيب والعادل وإلى المجيد والطّلال، والنَّسَبُ والحَسَب والمخْوَل بينهما، مع بعض المواقف المتباينة أحياناً، وهذا لا يُفسد للودّ قضيّة، ومع أحفاد السّلطان، ثُمَّ أبي المُنى وأبي الحسن والعريضي والمروان والوائل والخيرالدّين، ووداعاً لعين دارا واليزبكيّة والجنبلاطيّة، والقيسيّة واليمنيّة. وأهلاً بالتّوحيد وعهد جديد، حتى ينعم عالمنا العربي بالاستقرار والوحدة والوئام في بلاد الشّام وغيرها، ولا حاجة إلى أبي ركوة والثّائر باسم الله، كما دَوَّن الكاتب إميل حبيبي في روايته: سعيد أبي النّحس المتشائل، كفانا حظائر: سايكس-بيكو، كما قال طيّب الذِّكْر: الشّاعر سميح القاسم، ولسنا بحاجة إلى حظائر: ترامب-ياهو، بعد نَيّف وَقرن!!
.jpeg)
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

