الأصولية المسيحية في أمريكا

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الإنجيليون (Evangelicals) تيار ديني ضمن المسيحية الغربية، نشأ في القرن الثامن عشر خلال ما يُعرف بالصحوة الكبرى (Great Awakening) في أوروبا وأمريكا، حيث ركّز على تعزيز أهمية التجربة الشخصية للإيمان، والاعتقاد في الكتاب المقدس كمصدر أساسي للحق.

مرت الولايات المتحدة، رغم قصر عمرها، بثلاث "صحوات" دينية (بروتستانتية) كبرى: الأولى في نهاية القرن الثامن عشر، والثانية في القرن التاسع عشر، والثالثة في منتصف القرن العشرين، ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

خلال فترة الإعداد لاحتلال العراق، أعلن الرئيس بوش الإنجيلي أنه يسعى إلى تلبية أمر إلهي. ومنذ عقود، يرتبط الدين بالمصالح القومية والرأسمالية، حيث تستخدم الإدارات الأمريكية، جمهورية كانت أم ديمقراطية، الخطاب الديني الأصولي لتبرير سياساتها الخارجية.

فمثلاً، احتلال بوش للعراق خدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى دعم إسرائيل كقاعدة للإمبريالية العالمية. وكان مقتنعًا بأن الله منحه منصبه في لحظة حاسمة.

كان يؤكد أنه يصلّي من أجل القوة لإنجاز مهمته: "إن الله يدعونا لحماية بلادنا، وقيادة العالم نحو السلام". لكن الواقع أظهر أن ما قامت به الولايات المتحدة حينها، وما تفعله اليوم، هو الإرهاب والعدوان والاضطهاد، ودعمها المطلق لإسرائيل في حرب إبادة الشعب الفلسطيني في غزة أكبر دليل على ذلك.

حاول العديد من الرؤساء الأمريكيين، قبل بوش، تحقيق انسجام بين إيمانهم الأصولي وتوجهات الولايات المتحدة الإمبريالية. جيمي كارتر، على سبيل المثال، كان يأخذ مسيحيته بجدية إلى حد منح بعض الأولوية لحقوق الإنسان، ولو بشكل مؤقت.

لكن غلاة الإنجيليين أدركوا خلال فترة حكمه أن الوصول إلى البيت الأبيض لا يكفي. فكارتر، الذي انتُخب في فترة إعلان "العام الإنجيلي" في الولايات المتحدة، لم يلتزم بأجندتهم، ولذلك دعّموا ريغان بدلاً منه. استطاع ريغان منح سياساته تجاه الاتحاد السوفييتي بعدًا دينيًا عبر وصفه بـ"إمبراطورية الشر".

ومع ذلك، لم يكن ريغان ولا كارتر ملتزمين بالكامل بأجندة الإنجيليين، مما دفعهم إلى إنشاء إمبراطورية إعلامية ضخمة يتابعها أكثر من مئة مليون أمريكي، بميزانيات تقدر بمليارات الدولارات.

النقطة الفاصلة في صعود اليمين الإنجيلي المتطرف وتأثيره على السياسة الأمريكية كانت تحالفه مع الحزب الجمهوري عام 1981، ما مهّد لوصول ريغان إلى الحكم.

يرى غلاة الإنجيليين أن الولايات المتحدة، كقوة عظمى، مسؤولة عن تشكيل العالم وفقًا لما يعتبرونه نظامًا إلهيًا مقدسًا، مستندين إلى العهدين القديم والجديد. هذه الحركة "الإحيائية" تعتمد على التفسير الحرفي للكتاب المقدس، وتندرج ضمن ما وصفه عبد الوهاب المسيري بـ"الصهيونية ذات الديباجة المسيحية" في موسوعته اليهود واليهودية والصهيونية.

يؤمن أتباع هذا التيار بأن قيام دولة إسرائيل تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس، إذ يُفترض أن يعود اليهود إلى "أرض الميعاد" في فلسطين تمهيدًا لعودة المسيح والمعركة الفاصلة في هرمجدون.

يرون أن عودة اليهود شرط للخلاص، رغم اعتقادهم بأن ثلثي اليهود سيهلكون في المواجهة مع المسيح. وهذا التناقض يعكس ازدواجية واضحة في موقفهم تجاه اليهود وإسرائيل، بين الحب والكراهية، والاستغلال والدفاع.

التشابك بين الدين والسياسة يظهر في خطابات ذات طابع أيديولوجي عنصري، تسعى إلى توظيف الدين في صنع القرار السياسي. وقد انتعشت الحركة الإنجيليكية مع صعود اليمين المحافظ، خاصة خلال حملات "الحرب الثقافية" التي أطلقها دونالد ترامب منذ ترشحه في انتخابات 2016.

في الانتخابات الأخيرة، كان للإنجيليين دور كبير في إعادة انتخاب ترامب. وهم يهيمنون على الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين الصهاينة، ويعتقدون أن أمن إسرائيل مسألة تتجاوز السياسة الخارجية، بل تتعلق بإرادة الله. هذا ما أكده الإنجيلي بوب فاندر بلاتس بقوله: "أمة إسرائيل ضرورية لإعادة يسوع المسيح ووضعه على العرش في القدس".

خلال العقود الخمسة الماضية، كان للحركة الإنجيلية تأثير هائل على السياسة الأمريكية، إذ ساهمت في ترسيخ الدعم غير المشروط لإسرائيل، خاصة خلال حرب الإبادة في غزة. فهؤلاء الأصوليون يرون أن إسرائيل تلعب دورًا جوهريًا في خطة الله للآخرة، وهي معتقدات تلقى شعبية واسعة في الولايات المتحدة.

المجتمع الأمريكي، الذي يُروَّج له كرمز للديمقراطية الليبرالية، يخضع فعليًا لهيمنة رأس المال المالي والعسكري، وحركات التطرف، والمحافظين الجدد، والخرافات الدينية الأصولية المسيحية واليهودية. هذه القوى تستخدم الدين كأداة لإلهاء الشعوب عن الفكر التقدمي والصراع الطبقي، وإعاقة أي تغيير يسعى إلى بناء مجتمع قائم على العدل والحرية الحقيقية.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية