في قطاع غزة، حيث الحرب لا تنتهي، والإبادة الجماعية تُنفذ بدمٍ بارد، والتجويع يُدار بوعي كامل وبرمجة مُسبقة، يبدو غياب الموسم الدراسي كفاجعة أخرى تُضاف إلى سلسلة المآسي. الأطفال والطلبة الذين طال شوقهم إلى مدارسهم، إلى مقاعدهم، إلى جامعاتهم، إلى أساتذتهم، يعيشون اليوم في واقعٍ مفجع: مدارسهم دُمِّرت، جامعاتهم سُويت بالأرض، كما منازلهم، كما أحياؤهم، من شمال القطاع إلى جنوبه.
أحد أبرز أهداف الحرب التي يخوضها نتنياهو وزمرته الفاشية لم يكن فقط إبادة البشر، بل إبادة الذاكرة، ومحو الحياة الثقافية والتعليمية الفلسطينية. أرادوا أن يُمحى ما يُسمى بالعام الدراسي من قاموس الحياة في غزة، وأن تُطوى صفحة التعليم والتربية في عقول وقلوب مئات آلاف الأطفال والشباب، وكأن هذا الجيل لم يكن له حق في التعلم، وكأن غزة لا تستحق أن تُخرّج علماء أو مثقفين أو أطباء أو مهندسين.
ما يجري في القطاع ليس مجرد قصف لمبانٍ، بل عملية اغتيال ممنهجة للحياة نفسها، وبالأخص لحياة الأطفال والطلاب. إنه حكم بالإعدام مع سبق الإصرار والترصد على جيل كامل، جيل الحضانات والروضات، الابتدائية والإعدادية والثانوية، وصولًا إلى الجامعات. لم تترك تقريبا آلة الحرب الإسرائيلية مدرسة أو معهدًا أو جامعة إلا وجعلتها رمادًا. كل المؤسسات التعليمية في غزة أصبحت ركامًا، والمشهد اليوم يكاد يخلو تمامًا من أي مظهر للحياة الأكاديمية.
في 23 شهرًا من الإبادة والتجويع المتواصل، استشهد أكثر من 25 ألف طفل وطالب علم، عدا عن آلاف الجرحى والمشوهين والمفقودين. دفن كثيرون تحت الأنقاض، وغاب آخرون بين الكثبان الرملية بلا أسماء ولا قبور، حُرموا من أبسط حقوق الإنسان، وعلى رأسها التعليم.
حتى تلك المدارس التي لجأ إليها الناس طلبًا للحماية من القصف، والتي ظن الأطفال وذووهم أنها ستكون أكثر أمنًا، لم تسلم. تم استهدافها وتسويتها بالأرض. فالمخطط واضح: تفريغ غزة من جيلين متكاملين من الأطفال والشباب، عبر التدمير والقتل المتعمد، لخلق فجوات في السلسلة البيولوجية الفلسطينية، أملاً في منع نشوء أجيال قادرة على مواصلة الكفاح والنضال.
يظن الاحتلال أن محو الطفولة والطلبة يعني نهاية القضية الفلسطينية. يتوهم قادة هذه الحرب أن بإمكانهم إخماد جذوة المقاومة عبر قتل الطلبة وهدم المدارس، لكنهم يجهلون أن انتماء هذا الجيل لا يُقتل بالقصف، وأن حب الوطن لا يُمحى بالحصار.
المدارس والجامعات، التي كانت منارات للعلم، تحولت بفعل الحرب إلى رموز للفقدان، ولكنها في الوقت ذاته أصبحت رموزًا للصمود. الطفل في غزة اليوم لا ينسى اسم مدرسته، حتى وإن لم يتبق منها سوى لافتة محترقة أو دفتر ملقى بين الأنقاض. هؤلاء الأطفال، الذين تربوا على حب العلم والمعرفة، ولدوا بانتماء، ويرضعون المقاومة مع حليب أمهاتهم، حتى وإن غاب هذا الحليب بفعل التجويع المتعمد.
إنه مشروع إبادة متكامل، لم يستثنِ حتى المساجد والكنائس والمؤسسات الطبية، وها هو يستهدف اليوم التعليم. ولكن الاحتلال، رغم ما حققه من دمار، لم ينتصر. قد دمر البنية التحتية، لكنه لم يستطع أن يُخضع الإنسان الفلسطيني، ولم ينزع عنه إرادته بالتعلم والحياة.
يحاول الاحتلال اليوم أن يصنع أجيالًا فلسطينية مشوهة، مقطوعة الجذور، بلا هوية ولا كرامة وطنية. جيلٌ سقفه الجهل، وغذاؤه الخوف، وتاريخه منسي. لكن الواقع يثبت عكس ذلك. فحتى بين الركام، يُصرّ أطفال غزة على مواصلة تعليمهم، ولو في الهواء الطلق، على الرمال، أو تحت شجرة، أو وسط الأنقاض.
ما أراده الاحتلال مشروع إبادة معرفية، لكنه ولّد مشروع مقاومة تربوية. لأن هذه الأرض التي أنجبت آلاف الشهداء، قادرة على أن تُنبت من جديد. فالأم الفلسطينية، رغم فقدانها لطفل أو أكثر، تُصرّ على الحياة، وتُصرّ على إنجاب جيل جديد، يملأ الفراغ، ويواصل الرسالة.
المدرسة اليوم ليست فقط جدرانًا وصفوفًا، بل فكرة. والجامعة لم تعد مجرد مبنى، بل رمز لحلم جماعي لا يموت. الطلبة الذين فقدوا زملاءهم، لم يفقدوا رغبتهم بالتعلم، ولم يتخلوا عن الحلم بمستقبل أفضل.
ورغم أن الاحتلال استطاع أن "ينتصر" مؤقتًا على الطفولة عبر القصف والدمار، لكنه عاجز عن الانتصار على المعنى، على الإرادة، على الروح. لأنه في نهاية الأمر، الشمس لا تُقصف، والأمل لا يُقتل، والكرامة لا تُهزم، طالما هناك من يقاتل من أجلها، ويُربي الأجيال على حملها.
الزعامات أعداء الإنسانية والتعليم والطفولة، مهما بلغ جبروتهم، ماضون إلى مزابل التاريخ، حيث يليق بهم أن يُنسَوا كما أرادوا أن يُنسى أطفال غزة. أما أبناء غزة، فهم باقون، حاضرون، حاملون لأمل شعب، وعلمٍ لا تمحوه حرب، ورسالة لا تُطفئها نيران الاحتلال.







.png)


.jpeg)



.png)

