لا يمكن أن يُفهم الحصار المفروض على غزة على أنه مجرد أداة عسكرية او سياسية، بل هو اقتصاد قائم بذاته يديره الاحتلال الاسرائيلي لتحقيق مصالحه ومراكمة أرباحه على حساب حياة مليون ونصف مليون فلسطيني. ففي غزة يصبح كل كيس طحين وكل لتر وقود وكل شاحنة مساعدات تحت رقابة إسرائيلية صارمة سلعة تُباع وتُشترى في سوق ابتزاز. والجوع هنا لا يُستخدم فقط كوسيلة ضغط نفسي وعسكري على الجائعين بل هو أداة اقتصادية لتحويل المجتمع إلى سوق خاضع للابتزاز، حيث تتحكم إسرائيل بكل مصادر الحياة وتقرر من يعيش ومن يموت “على كيفها”. وهنا يظهر الجانب الاقتصادي بوضوح، فكل كهرباء أو وقود أو مواد أساسية تمر أصلاً عبر شركات اسرائيلية أو بدفع رسوم على المعابر، وهذا يعني أن الاحتلال لا يكتفي بإضعاف الناس وإنما يربح مالا من تجويعهم ويجعل غزة سوقاً مربوطة به بالكامل.
هذه السياسة ليست جديدة في تاريخ الاستعمار، لكنها في غزة تتخذ أشكالاً حديثة تديرها شركات ومسؤولون وأجهزة أمنية رسمية ودولية تسعى للحفاظ على استمرارية هذا النظام القمعي دون أن يتحمل الاحتلال تكلفة على جلده، ففي الوقت الذي يصرخ فيه طفل جائع في غزة، هناك في تل أبيب مكتب يتابع هذه الصرخة ويحسب أرباح استمرار هذه السياسة، لأن الجوع بالنسبة لهم سلاح أقوى من القنبلة وأرخص من الحرب المفتوحة. وهذه الحقيقة تكشف حجم اللعبة الاقتصادية التي تقف خلف الحصار والتجويع وتوضح أن الجوع ليس حدثا عابرا، بل مخطط مدروس له أبعاد اقتصادية وسياسية عميقة. وهكذا يصبح التجويع أداة بيد الاحتلال للسيطرة وإطالة أمد الاستعمار، وفي المحصلة يصبح الحصار اقتصاداً يومياً بحد ذاته، تتغذى عليه الشركات الإسرائيلية ورسوم المعابر وسوق الوقود والكهرباء بينما يدفع الناس ثمناً باهظاً من حياتهم وكرامتهم دون أن يلوح في الأفق أي تغيير قريب.
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

