قوتنا الناعمة

A+
A-
الفنان الفلسطيني باسل المقوسي يرسم لوحات داخل خيمته في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تموز 2024 (شينخوا)

الفنان الفلسطيني باسل المقوسي يرسم لوحات داخل خيمته في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تموز 2024 (شينخوا)

يواصل معارضو اتفاق إعلان المبادئ المعروف بخطة ترامب، ابتكار مبررات جديدة، إضافة لتكرار ما سبق عرضه منها. قالوا إن خطة ترامب ترمي إلى إلغاء الإنجازات المتمثلة في حركة التضامن الهائلة في غرب وجنوب أوروبا، في أميركا، كندا وأستراليا … الخ. وترمي إلى عودة إسرائيل التي تحولت إلى دولة مارقة ومنبوذة إلى حالتها السابقة. وقالوا ويقولون أشياء كثيرة مماثلة. أما ما يقولونه تلميحا، ويعزفون عن قوله تصريحا، فهو أن استمرار العدوان الوحشي على غزة وفي الضفة هو وحده الضمانة الناجعة لمواصلة تضامن الجماهير العالمية مع قضيتنا. كيف؟

لا أظن أنه يخفى على أي معارض، وبداهة أي متابع، أن سيل الدم الذي روى تراب ورمال غزة، أن حجم الدمار الهائل للشجر والحجر، أن شقاء وأحزان الأهل هناك، أن آلام الجوع والعطش، وآلاف المكابدات الأخرى، كلها مجتمعة، هي من أزال الغشاوة عن أعين الملايين في مدن الغرب، عن وحشية وبربرية زعماء شعب ضحايا الهولوكوست النازي، والذي أورث الضمير الأوروبي عذابا مقيما، ما كان بالإمكان التكفير عنه بغير منح المؤسسة الحاكمة للضحية، التي غدت وحشا مماثلا، كل هذا الدعم، المساندة والحماية حتى يوم الدين هذا.

لا أريد الدخول في مناقشة أي من المبررات المطروحة. فقط سأشير إلى أن هؤلاء المعارضين لا يرون من سبيل لاستدامة وتفعيل حركة التضامن الهائلة معنا، بغير مواصلة جريان سيول الدم في غزة، وبغير المزيد والمزيد من صنوف الشقاء، العذاب ومكابدة الأحزان والآلام من كل نوع ولون ومن كل فج عميق فيك يا قطاع غزة وفيكِ يا مخيمات وقرى وبلدات ومدن الضفة. وإلى متى؟ إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، والذي هو انتحار جماعي أكيد لشعبنا كله، وفناء تام أكثر من مؤكد لقضيتنا الوطنية.

ولعلني هنا أسأل، أوْ أتساءل: هل نحن لا نملك فعلا وسيلة لاستدامة التضامن العالمي، حتى ونحن الضحايا الجدد لِهولوكوست العصر، وعلى أيدي من، على أيدي حكومة ضحايا الهولوكوست السابق غير استمرار تدفق سيول دماء أهلنا في غزة؟

اسمحوا لي بداية بإشارة سريعة لتجربة أعدائنا. قبل وبعد نشأة الحركة الصهيونية، وعلى مدار عدة عقود، تنافست أربعة تيارات سياسية على كسب التجمعات اليهودية، كانت الحركة الصهيونية واحدة منها، وإن لم تكن أقواها. استغلت الحركة الكشف عن أهوال الهولوكوست، وبسرعة البرق أعلنت نفسها الوريث والحامي الحصري لضحاياه. وبمساندة ورعاية أطراف من الحلف المنتصر في الحرب العالمية الثانية، وباستخدام أساليب ووسائل نظيفة وغير نظيفة أزاحت المنافسين والمعارضين من التيارات الأخرى، وتربعت على عرش حمل القضية اليهودية. وبوسائل وأساليب غاية في المهارة والإتقان، حمّلت الضمير الأوروبي خصوصا، والعالمي عموما، أثقال جريمة الهولوكوست المريعة.

نحن لا نحتاج لأي من الأساليب والوسائل التي ابتكرتها واستخدمتها الحركة الصهيونية آنذاك وفيما بعد. نحن نحتاج لاستثمار الهولوكوست خاصتنا بوسائل وأساليب شديدة النظافة، ومن بينها تفعيل قوانا الناعمة. كيف؟

 لنتذكر أولا أنه في حال استمرار وقف إطلاق النار وبدء أولى خطوات الإعمار، ستسقط جدران حالة العزل الإعلامي المفروضة على غزة، وسيَتدفق نهر من الصحفيين والإعلاميين من شتى بقاع الأرض. فقط علينا مساعدتهم في صنع فيديوهات وتقارير ثريةً، تكشف وتسلط الأضواء على جوانب وزوايا جديدة من الهولوكوست خاصتنا. وهي، أي هذه التقارير والفيديوهات، إن صح ظني، ستحرك الكثير مما لا زال راكدا في الضمير الغربي خاصة والعالمي عامة.

ثم لنتذكر ثانية أننا نملك في غزة ثروة هائلة، لم يكن بعضنا، وأنا منهم، على دراية خاصة بها، ولم يَمحضها بعضنا الآخر تقديرا صحيحا. ثروة من الأدباء، الرواة، القاصين، الشعراء، الفنانين من كل لون، تشكيليين، موسيقيين، مخرجين، ممثلين... الخ. ثروة من الموصوفين بالقوة الناعمة، عاشوا وخبروا كل دقائق أهوال الهولوكوست خاصتنا، وهم وبكل تأكيد، إن صح ظني، سيعكسون ذلك في أعمال إبداعية عظيمة ستكون مؤهلة لحصد جوائز عالمية، وحيث لن تكون نوبل بعيدة عنها.

وإن صح ظني ثانية، هناك ضمانة لمعانقة إبداعات قوانا الناعمة الضمير الغَربي خاصة والعالمي عامة، ولعقود عديدة قادمة. ولكن..

لكن شريطة أن نراجع ونقيم التجربة تقييما صحيحا، وأن نكف عن تكرار فعل خطايا أضاعت العديد من مكاسب نضالنا. مكاسب لو أننا اغْتنمناها وَراكمنا عليها لكان حالنا غير ما هو عليه الآن. وأختم بسؤال: ما هي تلك الخطايا التي يجب الكف عن تكرارها؟ وهل ما سبق هو كل ما نقدر على فعله، ويوفر الضمانة لمواصلة تحريك الضمير العالمي وتفعيله لمساندة قضيتنا؟ جوابي بالطبع لا. هناك الكثير غيره. فإلى لقاء آخر.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية