يشكّل العرب في النقب اليوم خط الدفاع الأول عن الأرض والهوية والانتماء. فمنذ النكبة، تعاملت الحكومات المتعاقبة مع وجودهم كمشكلة ديموغرافية أو "تهديد أمني" يجب التخلص منه، لا كأصحاب أرض وجذور. عانى العرب في النقب من مصادرة مئات آلاف الدونمات من أراضيهم، وهدم البيوت بلا رحمة، ومخططات تهجير قسرية، ومنع الاعتراف بعشرات القرى، وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة مثل الماء والكهرباء والطرقات. ومع كل هذه السياسات، لم تنكسر إرادتهم، بل ظلوا صامدين، متمسكين بانتمائهم، رافضين أن يتحولوا إلى غرباء فوق ترابهم.
-
من الهدم إلى هندسة العقول
مع صمود العرب المستمر، أدركت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن القوة وحدها لا تكفي لكسر شوكتهم، فانتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة: استهداف الوعي والهوية عبر مخططات "هندسة العقول". فقد أقرت الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا مخططًا عنوانه "إقامة طواقم من عدة وزارات وبلورة خطة لمواجهة سيرورات في المجتمع البدوي في النقب"، يهدف إلى تفكيك الهوية العربية الفلسطينية، وإضعاف الانتماء، وضرب النسيج الاجتماعي من الداخل. وتشمل هذه السياسات محاربة الانتماء للهوية العربية، تشجيع تبني الهوية الإسرائيلية، تعزيز حملات التجنيد في الجيش الإسرائيلي، تقسيم المجالس المحلية لإضعاف وحدة المجتمع، ملاحقة موضوع تعدد الزوجات كذريعة للتدخل، منع تعليم الطلاب العرب ضمن البرامج الفلسطينية، تقييد الزواج من مناطق فلسطينية أخرى، وإقامة طاقم وزاري موسع يشمل وزارة الأمن، وزارة الداخلية، الشرطة، وزارة الأمن القومي، وزارة "مكافحة اللاسامية"، وسلطة توطين البدو، بإشراف مباشر من الوزيرين إيتمار بن غفير وشيكلي. كل هذه السياسات تهدف إلى اقتلاع عنصر من عناصر الوجود العربي، فالطمس أو تغيير الانتماء عبر المدارس والسياسات الاجتماعية والإعلام لا يقل خطورة عن الهدم على الأرض.
-
معركة الوعي والهوية
الأخطر أن الصراع لم يعد مقتصرًا على الأرض فقط، بل امتد ليطال العقول والوعي. فالأرض يمكن أن تُصادر بالقوة، لكن إذا بقي الانتماء راسخًا، تبقى جذور الصمود أقوى من أي جرافة. أما إذا تم ضرب الهوية وتشويه الوعي، فإن الطريق إلى اقتلاع الإنسان من أرضه يصبح أسهل وأقصر.
-
النقب قضية وجود لكل المجتمع العربي
من الخطأ النظر إلى النقب كقضية محلية فقط؛ ما يجري هناك يعكس سياسة عامة تجاه المجتمع العربي الفلسطيني بأسره داخل البلاد. المعركة في النقب هي اختبار لقدرة المجتمع العربي على الصمود في وجه سياسات الأسرلة والتهويد، ونجاح إسرائيل في ضرب وعي العرب هناك سيمهد الطريق لتعميم هذه السياسات، بينما صمودهم يشكل درعًا يحمي المجتمع العربي جمعيًا.
-
تعزيز الوعي وصمود الانتماء: الخاتمة القوية
صدّ مخططات "هندسة العقول" يتطلب أكثر من الصمود على الأرض؛ إنه يحتاج إلى صمود في الوعي والانتماء. يجب ترسيخ الانتماء العربي الفلسطيني في نفوس الأجيال، وتزويدهم بالمعرفة بتاريخهم وهويتهم، وتعليمهم أن الأرض ليست مجرد مساحة، بل قصة وحقوق وجذور لا تُطمس. كما يتطلب توفير مقومات الصمود الحقيقي، من تعليم نوعي، وبناء مؤسسات اجتماعية وثقافية قوية، ودعم الحياة الاقتصادية والسياسية التي تجعل التمسك بالأرض والانتماء خيارًا ممكنًا وراسخًا. وحدتنا، وتكاتف المجتمع، ووعي أفراده، هي السلاح الأقوى لمواجهة أي مخطط يهدف إلى اقتلاعنا، لأن الأرض والهوية معًا هما الضمان الحقيقي لبقاء النقب وحماية مستقبل العرب في كل البلاد.
.png)



.png)




.jpeg)


