فلسطين ليست مجرد "سردية": نقد لمقال يوڤال نوح هراري

A+
A-
فلاحة فلسطينية في بيارة حمضيات قبل النكبة

فلاحة فلسطينية في بيارة حمضيات قبل النكبة

"ولدت قرب البحر من أم فلسطينية وأب آرامي، ومن أم فلسطينية وأب مؤآبي… ومن أم فلسطينية وأب عربي" (محمود درويش)

قرأت مقال يوڤال نوح هراري في هآرتس بعنوان "سرديّتان مختلقتان عن هذه الأرض تغذّيان صراعًا لا سبب منطقي له".

لدي كثير من الأفكار عما ورد في المقال عما يسمى "السردية"، تعليقي سيقتصر عما أسماه "السردية الفلسطينية" أمّا السردية الإسرائيلية فلدي تعليقات عليها ولكن سأتركها جانبًا.

(1)

الواقع ليس صراع "سرديات" وهذا بأقل تعبير اختزال فج، وكل فكرة "طرفين كلاهما خطأ" والمكان المريح البعيد عن الجميع لا أراه منفصلًا عن فذلكات ما بعد الحداثة من "المنعطف اللغوي" وكل الطرح الما بعد حداثوي عن عدم وجود حقائق وكون الحقيقة موضوعا شخصيا محض توجد في عقول الأفراد وليست قيمة موضوعية بحد ذاتها، وبالعموم مقال الهراري مقال قائم على النفي بالأساس.

(2)

أول نفي ورد في مقاله هو نفي مفهوم "الشعب الأصلي" من أساسه، "الشعب الأصلي" هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي (indigenous peoples) وتعني مجموعة سكانية نشأت ككيان وشكلت هويتها في قطعة أرض قبل غزو استيطاني أجنبي يهدد وجودها وشرعيته، ويستعمل هذا المصطلح في الغالب في حالات دفاعية ضد احتلال واستعمار يحاول اقتلاع السكان.

(3)

في حالة فلسطين، فإن تفكيك النقاش يشمل أولًا إدراك أن الحديث يدور على مستويين هما الكيان والهوية. أولًا الكيان، أي فلسطين كمفهوم وكيان تاريخي أطلق على قطعة أرض محددة ذات حدود متغيرة لا نقاش عليه، ومن الثابت تاريخيًا أنه أطول اسم حظيت به هذه الرقعة الجغرافية، منذ 500 ق.م، ولم يعرف أن هذه الأرض سميت بـ"أرض إسرائيل" إلا في عهد الانتداب البريطاني.

(4)

يقسم تاريخ فلسطين إلى ثلاث حُقب: "ممالك المدن - العهد الإمبراطوري - العهد الحديث". في عهد ممالك المدن كان هناك كثير من الملوك الذي يعرفون في الكتابة التاريخية كفلسطينيين، فمثلًا قام تامر الزغاري بإحصاء 64 ملكًا حتى القرن الأول الميلادي في كتابه "ملوك فلسطين".

(5)

يخلط الهراري في مقاله بين الإمبراطورية والإمبريالية، رغم أن كل إمبريالية هي بالضرورة إمبراطورية، غير أن الإمبراطوريات هي مرحلة ما قبل الدولة الأمة الحديثة، أو الدولة القومية كما تسمى.

(6)

كل إمبراطورية (قديمة) هي خلاصة الغزو، أي جماعة من المحاربين تقوم بغزو ما أمكن من أقاليم وتضمهم ضمن "حدود" يحكمها كيان سياسي يؤدي دور تنظيم الأقاليم عبر الجباية وامتصاص الفوائض من المُنتجين المزارعين، ولا يؤدي مهمات تشريعية كثيرة مثل برلمانات اليوم، ولا يقوم بتفكيك الشعوب المفتوحة وضمها ضمن كيان مواطنين،  إلا أنه بقوم باختيار ثقافة عُليا للإمبراطورية كحالة الثقافة الإغريقية في الإمبراطورية الرومانية، وهذا السبب لتأثر أوروبا بالثقافة الإغريقية حتى فترات متأخرة من تاريخها واعتبارها جذر فلسفات الحداثة، وكذلك الأمر في الإمبراطورية العربية التي قامت على أنقاض بيزنطة.

(7)

جاءت الحقبة الإمبراطورية على فلسطين بعد حقبة ممالك المدن، ولم تكن فلسطين شذوذًا تاريخيًا فيما يتعلق بالعصر الإمبراطوري حيث كانت تبدأ وتنتهي كل إمبراطورية بالغزو والفتح. في العالم الحديث الحال مختلف فالقوة هي جانب واحد من نشاط الدولة والدولة نفسها وظيفتها مختلفة فقد صارت دولة شمولية تعبر عن "إرادة ما" وليست تنظيمًا للفاتحين، بل هي نتاج تنظيم اجتماعي يعتدي ويستعمر بمقدار تقدمه الاقتصادي والتقني وتقدمها الاجتماعي وليس غزاتها وفاتحيها، وبعبارة ماركس: "مستوى تطور القوى المنتجة في كل أمة يحدد علاقتها بباقي الأمم".

(8)

هذا المنطق في الفرق بين الغزوات الإمبراطورية وحروب العالم الحديث هو ما يحدد موقف الفلسطينيين وأي أمة أخرى من الغزاة الجدد، فكيان الإمبراطوريات قائم أساسًا على الجماعة الغازية، أما العالم المعاصر فالأساس فيه هو المجتمع والتنظيم الاجتماعي أما القوة العسكرية فهي ملحق بالتنظيم الاجتماعي بعكس الماضي.

(9)

اسم فلسطين في الإمبراطوريات كان حاضرًا في مختلف التقسيمات الإدارية منذ العهد الروماني وموجودا كاسم ضمن البوتقة الثقافية للمنطقة منذ 4000 عام، وقد استعمل في العهد الإمبراطوري العربي بأسماء عديدة ك"جند فلسطين"، وفي العهد الإمبراطوري العثماني كان المصطلح في الغالب "ولاية الشام العثمانية" مع بقاء فلسطين كاسم ثقافي، كما عبر السلطان عبد الحميد في مقولته المشهورة: "لن أتخلى عن شبر من أرض فلسطين".

(10)

انتقالًا إلى موضوع "الهُوية"، فكل فكرة الهوية هي فكرة حديثة بالطابع، في العهد الإمبراطوري كان الناس يعرفون أنفسهم إما بالدين أو النسب أو المدينة وأحيانًا بالإقليم، مثلما عرف الشيخ المقدسي المولود عام 946 ميلادي.

(11)

الهوية بالأساس شيء جماعي ومشروع ضمن صياغة الأمم الحديثة ضمن الدولة الحديثة وبعد حسمه تنتقل الدول إلى أيدولوجيات عالمية، وفي حالات كثيرة يكون متقلبًا طوال الوقت وخاضعًا لتغيرات.

(12)

تخصيص هوية فلسطين بالعروبة لا يخرج من دائرة الصراع مع الصهيونية، فسابقًا كان يقال "عرب فلسطين" وثم "الفلسطينيون"، وبعد هزيمة مشروع "الأمة" في67 قامت منظمة التحرير بتغيير ميثاقها من الميثاق "القومي" إلى "الميثاق الوطني"، وغيرت بند "فلسطين وطن عربي" إلى "فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني".

(13)

الأمم الحديثة كلها أمم "متخيلة"، بمعنى أنها تصنع لنفسها ذاكرة جماعية بناءً على الرقعة الجغرافية التي تتشكل فيها الدولة وتعتبر نفسها امتدادًا لها، ولكن دائمًا تكون هذه "الذاكرة/التاريخ" مرهونة برابطة الأرض، فعندما يقرأ المرئ كتابًا عن تاريخ أي شعب، يكون العنوان "تاريخ روسيا" "تاريخ الصين" إلخ، وليس "تاريخ الروس" أو تاريخ "الصينيين".

(14)

فقط عند الصهاينة التاريخ ليس مرتبطًا بأرض، فيكون العنوان "تاريخ اليهود"، ومن حماقة الصهاينة يتحدون أن نجد موادًا تاريخية عن تاريخ "الفلسطينيين" على انفراد، وللأسف انساق بعض الفلسطينيين وراء هذه الغباء كصاحب كتاب "فلسطين والفلسطينيون".

(15)

هنا أقترح التمييز بين "شعب متخيل" و"شعب مصطنع"، وأقترح تعريف الشعب المصطنع كجماعة بشرية استجلبت إلى أرض ليست مرتبطة بها ولم تتشكل فيها وتم إحلالها مكان جماعة أخرى بحجج "تاريخية" انتقائية.

(16)

الفلسطينيون لم يملكوا مشكلة مع "اليهود" ولليهود في الشرق تاريخ طويل قبل الصهيونية، مشكلة الفلسطينيين هي مع الصهيونية التي جاءت من أوروبا، ومن المضيعة للوقت توضيح أن الصهاينة هم مستعمرون أوروبيون، فهذه بديهية لا ينكرها حتى الصهاينة، ولو أنهم لا يسمونها حركة استعمارية، فمثلًا عالم الاجتماع الإسرائيلي يوناتان شابيرا في كتابه "نخبة بلا ورثة" كان يناقش لماذا تشكلت الحركة الصهيونية في شرق أوروبا، فهل من جاء من أوروبا إلى فلسطين وأخذ مكان أهلها لا يكون مستوطنًا؟

(17)

صحيح أن هناك الكثير من الجماعات التي مرت بهذه الأرض التي تعرف بفلسطين، ولكن الاعوجاج التاريخي لم يكن من الفلسطينيين، ففي البلدان التي تنشأ فيها أكثر من جماعة "أصلية" في الغالب تتشكل هوية مدنية للجميع. أمّا ما حدث في فلسطين فهو أن جماعة أوروبية من المستوطنين طردت "عرب فلسطين" فأجبرتهم على توكيد الهوية الفلسطينية بالعروبة حصرًا.

(18)

الفلسطينيون اليوم هم نتاج تراكم حضري طويل من جماعات قديمة من الناس نشأت في هذه البلاد، ومهاجرين وغزاة من العالم القديمة، لما استقر الوعي القومي كانوا هم سكان هذه البلاد "الأصليين"، وهكذا تشكلت كل الأمم باستثناء الدول الاستيطانية التي ارتاحت من عبء التاريخ.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية