حالة من القلق والصدمة تسود الحركة السياسية الاسرائيلية الحاكمة والمعارضة على السواء، وذلك في اعقاب الاعترافات المتزامنة بدولة فلسطين ومن أقرب حلفاء اسرائيل: بريطانيا وكندا واستراليا وتبعتها البرتغال، فيما تستعد دول اخرى للاعتراف بفلسطين والسعي لاقامة الدولة الفلسطينية.
بخلاف ما كان متوقعا من رد فعل فوري جاهز مسبقا، اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو انه سيبحث الرد مع ترامب خلال لقائه به يوم 29 الجاري وعلى هامش اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة.
تتراوح احتمالات الرد الاسرائيلي ما بين الحل الاقصى بإعلان ضم الضفة الغربية وهو امر مستبعد، وبين فرض سيادة في الاغوار والتي تخضع فعليا لمسؤولية امنية اسرائيلية احتلالية وعليه فإن القيام باعلان السيادة عليها لا يتعدى وفقا للسياسة الاسرائيلية كونه اعلانا رمزيا وخطوة معنوية، او اعلان بسط للسيادة في مناطق اضافية في الضفة في شمالها وفي منطقة الخان الاحمر، نحو بترها ومنع التواصل الجغرافي. فيما يطرح خيار اضافي الى جانب الخيارات المذكورة وهو الاعلان عن العمل على حل السلطة الفلسطينية وتقويضها وهو يندرج ضمن الحلول القصوى المستبعد اعتمادها فعليا نظرا للموقف العربي والدولي وحصريا الاوروبي.
هذا فيما أعلن نتنياهو بأنه "سيضاعف الاستيطان كما هو حاصل فعليا على الارض"، بينما دعا اقطاب الليكود الاقرب عقائديا الى تيار الصهيونية الدينية الى تكثيف الاستيطان واقامة ألف وحدة من "استيطان المزارع" حيث يتم تخصيص الاف الدونمات من الاراضي الفلسطينية لصالح شخص او عائلة مصغرة تتم حمايتها من قبل جيس الاحتلال وميليشيات المستوطنين، وذلك نظرا لازمة المشروع الاستيطاني الذي يعاني باستثناء منطقة القدس من انعدام تزايد عدد المستوطنين والانتقال السكاني من داخل الخط الاخضر الى الضفة، مقابل الهجرة المتسارعة للاسرائيليين الى خارج البلاد.
تشكل الاعترافات المتزامنة بدولة فلسطين وما تعكسه من تحولات عميقة في السلوك الدولي بشأن قضية فلسطين، لحظة حقيقة امام كل الاطراف الفلسطينية والعربية والاسرائيلية والدولية. لحظة حقيقة لكونها تشكل نقطة تحوّل لا تبدو رجعة عنها.
اعلان نتنياهو بأنه سوف يتريث بالرد لغاية الاجتماع مع ترامب ومناقشة الخيارات معه، فيه اعتراف ضمني بأمرين؛ الاول ان اسرائيل ذاتيا لا تملك القدرة على وقف مسار الاعترافات والتحولات الاوروبية والدولية لصالح اقامة دولة فلسطين؛ فيما ان الولايات المتحدة باتت غير قادرة على تجاوز هذه التحولات لدى اقرب حلفائها الغربيين كما وباتت تدرك ان سياسات نتنياهو تتباعد مع اولويات ادارة ترامب رغم الالتزام المطلق بإسرائيل وأمنها وتفوقها. وعلى الصعيد الاسرائيلي الداخلي يشير قرار نتنياهو الى انه هو صاحب مفاتيح القرار وليس سموتريتش ولا بن غفير، لدرجة انه فعليا يقوم باستبعادهما من اتخاذ القرار.
في مقابل الاجماع القومي الصهيوني الذي يشمل الائتلاف والمعارضة في مواجهة الاعترافات، حتى حزب الدمقراطيين (دمج حزبي ميرتس والعمل) اعتبرها حدثا تدميريا لأمن اسرائيل، بل استنكرت مختلف القوى السياسية الاعترافات، فإن الاجماع القومي هو اجماع تشوبه الهشاشة، وسرعان ما تحولت الساحة السياسية الى ساحة خلافات وتهجمات داخلية كما في كل اخفاق كبير. فقد حمّلت غالبية احزاب المعارضة نتنياهو وحكومته مسؤولية سياساته التي ادت الى هذا الاخفاق الهائل دبلوماسيا لاسرائيل، مقابل الانجاز الهائل لفلسطين، وللدبلوماسية الفلسطينية والعربية والدولية.
تتراكم الاخفاقات الكبرى وبفترة زمنية قصيرة، فبعد الاخفاق في عملية الدوحة باستهداف كل قيادات حماس، والثمن السياسي الذي تدفعه اسرائيل لواشنطن ومن خلالها لقطر، يأتي الاخفاق وقد يكون الاكبر منذ العام 1967 بخروج حملة الاعترافات الدولية الجماعية بفلسطين عن سطوة التهديدات الاسرائيلية ومساعي احتوائها، ولاول مرة نشهد تحذيرات فرنسية وبريطانية بالرد بالمثل او بشكل غير متوقع ضد اسرائيل في حال اتخذت الاخيرة اجراءات ضدهما، بما فيه مواجهة اغلاق القنصليات في القدس بنقلها الى رام الله. وهذه لهجة غير مألوفة اسرائيليا ولا دوليا.
يقرأ الرأي العام الاسرائيلي هذه التحولات بأنها تشكل انقلابا دوليا على اسرائيل وبأنه حتى فائض القوة له حدود ولم يعد يأتي بمردود سياسي، وحصريا بعد أيام من "خطاب اسبارطة" الشهير الذي أدلى به نتنياهو. وقد يدفع ذلك الى صحوة بأن القوة العسكرية والحلول العسكرية ليست شرطا كافيا لتحقيق اية اهداف، بل الحل السياسي. لكن ما يجعل هذا التحول مؤجلا هو غياب المشروع السياسي المعارض لحكومة نتنياهو ومعه غياب التناسق بين احزاب المعارضة، والمنقسمة على نفسها فتيار غانتس يريد من المعارضة ان تنضوي في حكومة نتنياهو مقابل اخراج كل من سموتريتش وبن غفير وحزبيهما ولانجاز الصفقة وللتوافق على موعد للانتخابات. ويدعو لبيد وليبرمان الى قلب حكومة نتنياهو واسقاطها فيما لا قدرة لحزبيهما على ذلك وحصريا نتيجة العدائية للحرديم الذين يتوافقون معهم في مسألة الصفقة ووقف الحرب ويستَعْدونهم في مسألة التجنيد العسكري مما يبقي الحرديم تحت كنف نتنياهو حتى ولو من دون ثقة به.
فلسطينيا، تتأكد أكثر فأكثر حيوية الدبلوماسية الفلسطينية، والتي تتضاعف من خلال البعدين العربي والاقيمي والدولي. كما قد يحمل اجتماع الجمعية العمومية للامم المتحدة والاجتماعات الجانبية بعض الامل في اتخاذ خطوات تدعم هذا المسار، وحصريا بما افادت به القناة 12 الاسرائيلية بأن ترامب يدعو قادة كلّ من مصر والسعودية والاردن وقطر والامارات وتركيا الى اجتماع في نيويورك لبحث الحرب على غزة وانهائها. مثل هذا الاجتماع سيشكل مصدر قلق اضافي داخل حكومة نتنياهو من قبل حزبي الصهيونية الدينية واطراف في الليكود، ومن شأنه ان يقلل من احتمالية الدعم الامريكي المطلق لحكومة اسرائيل بصدد الضم او بسط السيادة، بالاضافة الى الهدف الفوري والاهم اي وقف الحرب على غزة والانصياع لاستحقاقات الصفقة واعادة الاعمار.
عربيا، تبدو ملامح لتبلور ثقة قوية بأنه على وقع الاعترافات الدولية بفلسطين وربط ذلك بانهاء الحرب على غزة، فإن المحرّك لمواصلة الجهود الدولية وتحويلها الى برنامج عمل دولي هادف ومستدام، لا بد ان يكون عربيا يدعم الحق الفلسطيني ويسعى لاحقاقه فعلا. كما بامكان النظام العربي ان يستغل حقيقة التحولات في النظام العالمي نحو نظام متعدد الاقطاب والتكتلات من اجل مضاعفة وزنه وأثره، وهو ما يعكس حصريا الرؤية المصرية والسعودية.
في الخلاصة، فإن التحولات الدولية تبدو ثابتة لا تراجع فيها وتفرض حالة دولية جديدة مختلفة نوعيا عما كانت عليه في العقود الماضية، وهي تقوم على الحل الشامل، بما فيه اقامة دولة فلسطين وليس القبول بـأنماط الهيمنة القائمة على ادارة الصراع او تقليص الصراع الاتية من لدن السياسة الاسرائيلية الاحتلالية.
قد تقود التحولات الجارية وعدم قدرة حكومة اسرائيل ولا ادارة ترامب على وقفها، الى وضع تتسع فيه حلقة الاوساط الاسرائيلية التي تصل الى القناعة بأن الحل السياسي مع الفلسطينيين هو الطريق للأمن والامان وليس هناك من طريق اخر. وقد تقود الاخفاقات المتتالية لحكومة نتنياهو الى ازدياد نطاق القناعة بأن وضعية اسرائيل الدولية من دون قدرة ادارة ترامب على انقاذ سمعتها تعني ان حدود فائض القوة قد بلغت مداها في منطقة تشهد تحولات لا تتيح لحكومة اسرائيل الحالية تنفيذ سياساتها الابادية والتهجيرية.
الاعترافات بدولة فلسطين لا تقيم الدولة في المدى القريب لكنها قد تشق الطريق الى ذلك خارج نطاق الارادة الاسرائيلية الرسمية، كما من شأنها ان تؤكد للرأي العام الاسرائيلي والدولي على السواء بأن ما يبدو غير ممكن تطبيقه مثل انهاء الاحتلال ومعه المشروع الاستيطاني يصبح في ظل تحولات دولية واقليمية واسرائيلية ممكنا.
أما فلسطينيا، فهي رسالة تحمل فسحة أمل بأن مصير الشعب الفلسطيني ليس الابادة ولا التهجير بل تقرير مصيره وقيام دولته في وطنه.







.png)


.jpeg)



.png)

