يرُدّ زياد الرحباني على أي شيء على نحو قاطع. ما يريد أن يفعله يفعله، ما لا يريد أن يفعله لا يؤجله. هذا على وجه الحصر. لم أشعر بأنني أخوض غمار صراع، حين سألته عن مقدار ما سيحدثه إذا ما اقترحت عليه العمل على شريط حكائي غنائي / للأولاد. لم أرجه، لم أجادله. لم يقضِ وقتاً مقصوصاً من أوقاته من قبل، لكي يستيقظ على فتح الأبواب على جوع أو رغبة بالعمل على منتج خاص بالأولاد. لن يجوع، لن يجد. وحين وجد، وجد نفسه بعيداً عن النوم في "حكايا". تركت النصين المكتوبين بقلم نجاة نعيمة مع أربع أغاني ألفتها خصيصاً بالنصين، تركت النصين على منصة القبطان، بدون مشاجرة. إقرأ، ثم أطلب العمل على النصين. أو اطلب الرحمة للنصين.
لم أقل أكثر من ذلك. إقبل أو ارفض. بعد يوم لم يؤكد فيه ديمقراطيته، وافق. لم يبعد العمل عن نفسه بتعليقاته، كما يفعل غالباً. قال، أن لا شكاوى. أن أجمل ما في الأغاني عدم خجلها من تحديداتها. فيها المينا وشجر الكينا. وجد في الكلام على شجر الكينا البيروتي مدخله إلى الأغنية المدخل: حكايا. قال، إنها مرة أولى لا يترك فيها الشجر للشجر، إذ يُعَرَّف. بأيام، عصفت رياح زياد على نصوص الأغاني. هتف مازحاً، تعال وتابع تسجيل الأغاني مع كارمن لبس، ستيفاني ستيفانو، مونيكا عسلي. أسماء كأنها أسماء حركية، حين أنها أسماء أصحابها الضاربة فيهن منذ الولادة. لا خفق ولا وضع الخلائط على صحفة. خطو نقي على منصات الموسيقى. وجدت الأغاني على صدري في تقديرات زياد الطريفة، العميقة. متعة أن لا تغلف كلمات الأغاني. أن تقرأ. ما يجيده الرحباني كما لو أنه زنجي جاز داخل مشرب يتهاوى المستمعون عند مداخله. متعة أن تعرف ما يعرفه زياد. متعة لا علاقة لها بالافتراضات. وحين حللت مع كارمن لبس وعباس شاهين لتسجيل أصوات الشخصيات، ظهر العمل مع زياد، من يصر على التسجيل بنفسه، كعمل أكثر إثارة للاهتمام، من وضعه الأشياء على مساحة كأنها طاولة بليارد.
طاقم العاملين يخوض في صور بحارة في بحر لا تغادره حتى تعود اليه. يعرف الرجل وجوده ووجود الآخرين في وجوده. شهيات مفتوحة. لا ضجر في قاموس زياد. طرفٌ تنتج الأشياء الجديدة، الخلابة. خوض في بريكات من السعادة، لا يعرفها من لا يعرفها كشيء مؤكد سوى مع زياد. وحين وجدت في إخراجه الإذاعي دواء أرجاء المنتج، أصر على أن أقوم بتحديد الخرائط الإخراجية على تقاويمي. لأنه مؤمن، بأن الإفاضة على العمل يعرض العمل إلى خسارة لا يريدها. ولأنه يؤمن بالآخر، تغلب عليَّ حين أقنعني بالإخراج الإذاعي. مضيت بالأمر لأنه بقي على الإشراف التفصيلي، من تجرده المحدد بدرجات كبرى. لم يثر خوفي في لحظة. بالعكس. منحني الحاجة إلى ركوب المخاطرة، لا الشك. نهاية المطاف، قياد إلى حل لغز اليقين مع هذا البرهان العظيم بذاته. لا جمع معلومات ولا لملمة أشياء. سرد بسيط دام زمناً، حوّل فيه زياد الميت إلى حي. أخذ النصوص من الورق إلى الجوهر.
إنه عمله الوحيد للأولاد. لن يستغله ولن يجده غير مفيد. ترك نص أغنية من الأربع لعبود السعدي. وحين رسم محمد شمس الدين الغلاف، ارتفع صوت التشكيل عالياً. اذاك، أخذه جورج ناصيف (المنتج) إلى سبيله الأخير. لا امتلك نسخة من حكايا. لا امتلك سوى ذكرى محطة عظيمة من محطات العلاقة بزياد، رجل لا يحدث إلا بالحقيقة، لأنه يفعم الأشياء أفعالاً. زياد ساحر، لا يموت سحره. زياد ينهمر في إبداعه كما لو أنه يجهل ما يقوم به، حين أن صلاته به كصلاته بحياته. مشهد هائل، مشهد من النوع الجامح. تدفق حيوي، انضباط، في أجواء لا تتوقف أمام إشارة حمراء.

كاتب وناقد لبناني بارز، ربطته علاقة وثيقة، صداقةً وعملاً، مع زياد الرحباني. يُنشر المقال بالاتفاق مع الكاتب




.png)




.jpeg)


